كشفت الحركية التي يشهدها خط باريس - الجزائر عن تقارب حذر يضع العلاقات الثنائية أمام مفترق طرق، في ظل استمرار التصريحات الفرنسية" الاستفزازية" وشرط الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لإعادة الدفء بين العاصمتين، غير أن الزيارات الوزارية المتبادلة توحي باقتراب تجاوز التوتر.
ويبدو أن اشتراط الرئيس تبون عدم فرض أي شروط مسبقة مقابل استقبال وزراء فرنسيين في الجزائر، لقي آذاناً صاغية في باريس، حيث أقرّ وزير الخارجية جان نويل بارو، بفشل سياسة" شدّ الحبل" مع الجزائر، بعدما أكد أن بلاده لم تعد تريد الانجرار إلى مواجهات عقيمة، مفضلاً" حواراً صريحاً ولكنه صارم".
وأشار إلى وجود خلافات في شأن المنهجية المتبعة في إدارة العلاقة مع الجزائر، مبرزاً أن سياسة" ليّ الذراع" جُرّبت خلال الفترة الأخيرة ولكنها لم تعط النتائج المنتظرة.
وقال وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، غداة زيارته الجزائر إنه يحلم بمعاهدة صداقة يوماً ما بين باريس والجزائر تحترم البلدين، وأضاف أنه" لا يمكننا العمل من دون الجزائر، ولا أعتقد أن الأخيرة يمكنها العمل من دون فرنسا".
وأكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، أن العلاقات بين البلدين عادت إلى مسارها، مشدداً على أنه بحث مع الرئيس عبدالمجيد تبون سبل إصلاح العلاقات بين البلدين، وأضاف" تحدثنا عن العمل الذي علينا مواصلة القيام به لإعادة بناء الثقة بين بلدين يحترم كل منهما الآخر"، موضحاً أن الجزائر دولة كبيرة تمتلك خبرة مهمة في مجالات الأمن والاستخبارات، والحفاظ على التواصل معها أمر بالغ الأهمية.
قبل ذلك، وبعد أيام قليلة من استئنافه مهامه بعد نحو عام على استدعائه من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون، شدد السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتي، على ضرورة الحوار مع الجزائر والاحترام المتبادل بين البلدين، وقال إن التحدث مع الجزائر ليس علامة ضعف، بل ضرورة، و" نحن نعلم أنه أمر صعب، ونعلم أنه يتطلب كثيراً، لكنه ليس استسلاماً".
وتظهر الزيارات المتتالية للمسؤولين الفرنسيين وتصريحاتهم، تحوّلاً كبيراً في تعاطي باريس مع الجزائر، وانتقال الخطاب الفرنسي من منطق الضغط السياسي والإعلامي إلى البحث عن قنوات عملية مع الجزائر بعد قرابة عامين من أزمة غير مسبوقة دفعت العلاقات الثنائية إلى حال انسداد، وأثبتت أن التصعيد الذي روّجت له أوساط اليمين واليمين المتطرف في فرنسا لم يمنح باريس أي مكاسب فعلية، مما يوحي بـ" تقبل" فرنسي للشروط الجزائرية التي كشفت عنها المرشحة السابقة للرئاسة الفرنسية سيغولين روايال، خلال لقائها الرئيس الجزائري تبون.
وقالت روايال، التي لعبت دوراً في التقريب بين الجزائر وباريس خلال فترة التوتر، إن الرئيس تبون أبلغها بصورة واضحة استعداده لاستقبال وزراء فرنسيين، لكن بشرط أساس يتمثل في عدم فرض شروط مسبقة على الجزائر، معتبرة أن ذلك أمر طبيعي بالنظر إلى أن الجزائر دولة ذات سيادة.
وأشارت إلى أن باريس كانت تطرح في كل مرة يُفتح فيها موضوع زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر جملة من الشروط، وأنها نقلت هذا الموقف مباشرة إلى الجهات الفرنسية بعد عودتها من زيارة إلى الجزائر.
ويؤشر هذا التطور إلى أن الجزائر لا ترفض استئناف الحوار مع باريس، بل تضع لذلك إطاراً واضحاً يقوم على احترام السيادة والتعامل على أساس الندية، بعيداً من أي مقاربة تعتبرها امتداداً لمنطق الهيمنة أو الإملاءات، كما يكشف أن الأزمة الحالية لا تعني غياب الإرادة السياسية لتجاوزها، بل تعكس اختلافاً في الرؤى حول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع البلدين مستقبلاً.
ولا تزال الطريق إلى مصالحة كاملة تواجه تحديات حقيقية، في ظل اصطدام التقارب بحسابات داخلية في فرنسا، حيث تتعرض الأصوات الداعية إلى الانفتاح على الجزائر لانتقادات متكررة من قوى سياسية تعتبر أن باريس يجب أن تتبنى موقفاً أكثر تشدداً في الملفات الخلافية، في حين تتمسك الجزائر بخطاب يؤكد استقلالية قرارها السياسي ورفضها لأي مقاربة لا تراعي مبدأ التكافؤ في العلاقات الدولية، وهو ما يجعل الندية شرطاً أساساً لأي انفراج مرتقب.
وبين الحاجة الفرنسية والرغبة الجزائرية تبدو فرص تجاوز الأزمة قائمة أكثر من أي وقت مضى، غير أنها تبقى مرتبطة بمدى قدرة العاصمتين على ترجمة حراك التهدئة إلى خطوات عملية تعيد بناء الثقة وتؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز إرث التوترات المتراكمة.
في السياق، أعرب وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو، عن أسفه لأن فرنسا ترتكب خطأً في علاقتها مع الجزائر، وقال إن كل تنازل تقدمه فرنسا يُنظر إليه على أنه ضعف، مضيفاً" أعتقد أن الرئيس ماكرون كان مخطئاً حين ظن أن العلاقة بين فرنسا والجزائر يمكن أن تقتصر على علاقة شخصية ودية مع الرئيس تبون".
وأشار روتايو، إلى أن الجزائر في أمسّ الحاجة إلى فرنسا، موضحاً أنه لا يريد إثارة غضب الجزائر.
ودعا إلى إعادة بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، وقال" أريد ببساطة أن تحظى فرنسا، وطني، والشعب الفرنسي الفخور بهويته، بالاحترام".
من جانبه، أوضح مدير الهجرة السابق في وزارة الداخلية الجزائرية حسان قاسيمي، أن التقارب المسجل بين الجزائر وفرنسا يبقى ملموساً ولكنه لا يزال خجولاً، مشيراً إلى أن" فرنسا مخترقة من تيار سياسي وأيديولوجي من اليمين المتطرف، وهو تيار رجعي ومعاد للجزائر، وهو ما يشكل عائقاً وعقبة تمنع الجزائر وفرنسا من التقدم على المستوى نفسه الذي نقوم به مع إسبانيا أو إيطاليا".
وأضاف قاسيمي، أن العالم تغير والجزائر أيضاً، وهو بلد شديد الحرص على سيادته ومصالحه، لذلك وجب على فرنسا أن تتجاوز مستنقعات الذين يحنون إلى فترة الاستعمار إذا أرادت بناء علاقات تعاون مع الجزائر قائمة على أساس الندية والمساواة بين الطرفين.
إلى ذلك، أقرت وزيرة البيئة الفرنسية السابقة سيغولين روايال، بأن السلطات الفرنسية بدأت أخيراً، تدرك أهمية الجزائر كشريك إقليمي واستراتيجي بعد سنوات اتسمت بـ" العمى"، موضحة في تغريدة نشرتها عبر منصة" إكس"، أن الاعتراف الفرنسي بأن الجزائر دولة جارة كبرى يجب التعاون معها جاء متأخراً بعد سنوات من المواقف التي وصفتها بالمستفزة، معتبرة أن تلك السياسات كلفت باريس خسائر على مستويات عدة.
وشددت روايال، على أنها كانت من بين الأصوات التي دعت منذ سنوات إلى تبني مقاربة قائمة على الحوار والندية مع الجزائر، على رغم تعرضها لانتقادات لاذعة ومواقف متعالية بسبب تلك المواقف، وختمت أنه على فرنسا إعادة بناء الشراكات مع دول الجوار، وعلى رأسها الجزائر، وفق مقاربة تعتمد على الذكاء والإبداع وتقوم على التعاون المتوازن بين الطرفين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك