بعد أشهر من التساقطات المطرية الغزيرة التي ساهمت في محو آثار سبع سنوات متتالية من الجفاف، تلوح في الأفق مخاوف من عودة ندرة المياه إلى المغرب، في ظل مؤشرات على عودة ظاهرة" إل نينيو" المناخية.
فقد أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، الثلاثاء، أن" ظروفا مميزة لظاهرة إل نينيو بدأت تتشكل على المستوى العالمي نتيجة الارتفاع غير الاعتيادي في درجات الحرارة بالمنطقة المدارية من المحيط الهادئ".
وأوضحت المنظمة، في مذكرة إعلامية، أن هذه الظروف مرشحة للتأثير في أنماط درجات الحرارة والتساقطات عبر العالم، محذرة من أنها ستزيد من احتمالات الظواهر الجوية القصوى خلال الأشهر المقبلة.
وأكدت المنظمة أن تطور ظاهرة إل نينيو، المرتبط بارتفاع حرارة مياه المحيطات، يؤدي إلى زيادة درجات الحرارة العالمية وتعزيز أنماط جوية وتساقطات أكثر تطرفا، مع توقع تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات المعتادة في معظم مناطق العالم بين يونيو وغشت.
وفي المغرب، بدأت موجات الحر القوية تسجل منذ فصل الربيع، ما يثير تساؤلات حول مدى تأثر المملكة بهذه الظاهرة المناخية.
وفي تصريح لـ يابلادي، اعتبر عالم المناخ والأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، محمد سعيد قروق، أن هذه الظاهرة لم تعد جديدة بالنسبة للمغرب.
وقال إن" الظروف الجوية التي نعيشها في السنوات الأخيرة توصف عادة بالقصوى، لكنها في الواقع ليست استثنائية، بل تعكس خصائص مناخ جديد آخذ في الاحترار منذ سنة 2010 على الأقل".
مناخ مختلف منذ نهاية القرن الماضيوأوضح البروفيسور قروق أن المغرب يعيش اليوم في مناخ يختلف جذريا عن ذلك الذي كان سائدا خلال العقود الماضية، مشيرا إلى أن هذا التحول بدأ يتبلور منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية الثمانينيات، مع تسجيل فائض أكبر بكثير في الحصيلة الطاقية للكوكب مقارنة بالسابق.
وأضاف أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بشكل مباشر بزيادة هذه الحصيلة الطاقية، موضحا أن الأمر لا يعود فقط إلى الغازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية، بل أيضا إلى عوامل أخرى تتعلق بتطور وظائف السطحين القاري والمحيطي.
المصدر: المنظمة العالمية للأرصاد الجويةبسبب هذا الارتفاع الحراري، امتصت اليابسة والمحيطات كميات هائلة من الطاقة وأصبحت أشبه ببطارية ضخمة مقارنة بما كانت عليه في السابق، ما يضعنا أمام ظروف مناخية مختلفة" ".
وأشار الباحث إلى أن الاحترار العالمي لا يقتصر تأثيره على درجات الحرارة فقط، بل يشمل أيضا دورة المياه وأنماط التساقطات.
فمع ارتفاع الحرارة وازدياد الطاقة المختزنة في سطح الأرض والمحيطات، يرتفع التبخر وتزداد كميات بخار الماء في الغلاف الجوي، الذي يتحول بدوره إلى خزان إضافي للطاقة الحرارية.
وفي هذا السياق، تتفاعل ما يسميه الباحث بـ" ذاكرة المناخ" مع أحداث مناخية كبرى مثل إل نينيو.
ويشرح أن هذه الظاهرة الجوية-المحيطية تحدث في المحيط الهادئ عندما تنتقل المياه السطحية الدافئة المتراكمة قرب الأرخبيل الإندونيسي شرقاً على طول خط الاستواء نحو السواحل الأمريكية.
وأضاف أن هذه المياه الدافئة، التي كانت تتركز سابقا في منطقة محدودة وتؤدي إلى تساقطات محلية، تمتد على مساحة أوسع من المحيط الاستوائي، ما يزيد من مساحة التفاعل بين المحيط والغلاف الجوي ويضخ كميات إضافية من الطاقة إلى النظام المناخي.
وبحسب قروق، فإن هذه العملية تمنح الغلاف الجوي طاقة أكبر، وهو ما ينعكس على شكل ارتفاعات مفرطة في درجات الحرارة على نطاق عالمي، خصوصا في نصف الكرة الشمالي.
كما لفت إلى عامل جديد يضفي مزيدا من التعقيد على الظاهرة، يتمثل في ارتفاع حرارة مياه المحيطات إلى أعماق تصل إلى نحو مئة متر، معتبرا أن هذه الطاقة الإضافية تعزز آثار إل نينيو.
وبحسب الباحث، فإن هذه الظروف تساهم أيضا في تعزيز التذبذب الشمالي الأطلسي (NAO) في مرحلته الإيجابية، وهي وضعية تتميز بوجود مرتفع جوي قوي يمنع وصول الكتل الهوائية الباردة إلى المنطقة.
وختم موضحا أن غياب هذه الكتل الباردة يحرم بخار الماء الموجود في الغلاف الجوي المغربي من شروط التكاثف الضرورية لتشكل السحب والأمطار، ما يزيد من احتمالات عودة الجفاف خلال الفترة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك