" كنت أفتقد الروح الاجتماعية وتجمع الأهل والأقارب في بريطانيا"، تصف داليا اشتياقها لوطنها، الذي دفعها إلى العودة إلى بغداد والاستقرار فيها مع زوجها البريطاني وابنتها.
تذكر داليا: " كنت واقعية في قرار العودة إلى العراق والاستقرار فيه، لذلك لم أكن أتوقع أن يكون كل شيئا مثاليا".
حالة داليا ليست فردية، بل أشبه بظاهرة بدأت تزداد في السنوات الأخيرة.
وفي هذا الصدد، تذكر تقارير المنظمة الدولية للهجرة أن العائدين من بريطانيا إلى العراق يشكلون نسبة محدودة تقدر ببضع مئات سنوياً دون وجود بيانات رسمية دقيقة توضح أعدادهم.
وتشير تقارير المنظمة إلى أن أسباب العودة تعود إلى عدة عوامل رئيسية، ومنها رفض اللجوء أو انتهاء الإقامة وصعوبات الحياة وعدم الاستقرار.
ولكن هناك حالات أخرى لا تتعلق بظروف الإقامة أو اللجوء، مثل عودة داليا.
وفي بعض الحالات يعود البعض بسبب تحديات تربية الأطفال التي تشكل لكثير من المهاجرين صعوبات كثيرة خصوصا بشأن اختلاف أساليب التربية في الغرب وتحديات التقاليد العربية.
" أسست مع زوجي عائلة هنا في ألمانيا، مع مرور الوقت أدركنا تحديات تربية الأطفال في ألمانيا، وفي عام 2018 قررنا معا العودة إلى العراق"، تقول ريم.
وتضيف المواطنة التي عادت إلى العراق: " كانت خطوة نحو المجهول، لكنها خطوة قربتنا من بعضنا كعائلة".
لكن ريم تشتاق إلى ألمانيا أيضا: " نعم أحيانا.
افتقد الهدوء والنظام وبعض الصداقات والطبيعة، وكذلك العادات التي تعرفت عليها على مدى عشرين عاما.
لكن الحنين ليس بالضرورة رغبة في العودة.
بل هو أشبه بذكرى جميلة لمرحلة مهمة من حياتي تركت أثرها في شخصيتي".
تضيف بالقول: " في العراق لديك خيار نمط الحياة الخاصة بك مع امكانية التحكم في الوقت، أما في المانيا هذا الشيء يعتبر صعبا بسبب الالتزامات الكثيرة التي تقيدك مثل القوانين والبيروقراطية وطريقة العمل".
ألمانيا من أهم الدول التي انتقل عراقيون للعيش فيها.
بحسب بيانات وزارة الداخلية الألمانية، سُجّل في ألمانيا خلال عام 2015 حوالي 121,662 عراقيًا ضمن الوافدين واللاجئين الجدد.
التقديرات الحديثة تشير الى 500 ألف عراقي مقيم في المانيا ويشمل ذلك المهاجرين واللاجئين الجدد وأبناء الجيلين الثاني والثالث منهم.
على مواقع التواصل الاجتماعي يلتقي عراقيون في ألمانيا رغم بعد المسافات، يتحاورون بشأن صعوبة العيش في ألمانيا من الناحية الاجتماعية والاقتصادية.
كتبت إحدى السيدات العراقيات: " في فصل الشتاء تصبح ألمانيا كئيبة جدا ولا توجد علاقات اجتماعية، وهناك ضغط كبير من المدارس والقوانين الصارمة".
وفي حال مشابهة تذكر السيدة رويدة الشاهين: " الناس بين حربين هنا، حرب نفسية في الغربة وحرب جسدية في الوطن، ليس هناك شعور بالانتماء هنا وخاصة للذين قدموا في سن كبير إلى المانيا".
لكن هناك أشخاص ندموا على الرجوع من الناحية الاقتصادية والطبية، بهذا الصدد تقول إحدى العائدات إنها ندمت على الرجوع ولم تتوقع أن العيش في العراق صعب إلى هذه الدرجة، وتضيف: " الذي يملك المال يعيش في نعيم والذي لا يملكه يعاني".
عدد العراقيين العائدين طوعا من ألمانيالكن هناك من يعود طوعاً إلى العراق لأسباب قانونية، من بينها رفض طلب اللجوء من خلال برنامج" العودة الطوعية".
ولغرض معرفة الاحصائيات بشأن أرقام العائدين إلى العراق، توجهت DW عربية بالسؤال إلى برنامج" العودة الطوعية"، وهو البرنامج الذي ينظمه المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين لمساعدة الراغبين في العودة ببدء حياة جديدة في بلدانهم الأصلية.
أجاب البرنامج أن بين عامي 2017 و2018 عاد ما يقارب 23.
8 بالمئة من العراقيين من ألمانيا إلى العراق.
يساهم البرنامج في تقديم مساعدات مالية واستشارية لطالبي اللجوء الراغبين في العودة الطوعية إلى بلدانهم الاصلية.
ويشكل الذكور نسبة كبيرة من العائدين المتطوعين وتتراوح أعمارهم بين الـ 18 والـ 30 عاما ومعظمهم وصلوا إلى ألمانيا بين عامي 2014 و2017.
وتشير التقارير إلى أن حوالي 70 بالمئة من العائدين رُفضت طلبات لجوئهم.
وبحسب البرنامج يؤثر الدعم المالي على قرار العودة بنسبة 53 بالمئة.
كما أن نسبة 80 بالمئة من العائدين راضون عن المعلومات والاستشارات وعن تنظيم الرحلة.
هبة عراقية تحدثت إلى DW عربية عن عودتها إلى الوطن بعد أحد عشر عاما من الإقامة والعمل في شركة ألمانية، عاشتها مع زوجها وابنها الوحيد، تقول هبة عن تجربتها: " اكتشفت أن الغربة ليست غربة وطن وإنما الغربة تكون حتى في بلدك وسط أهلك وأصدقائك".
لكنها صدمت في غلاء الأسعار في العراق، " عندما كنا نأتي إلى العراق في زيارة كان كل شيء بالنسبة لنا زاهد الثمن وهذا بسبب رواتبنا في ألمانيا، لكن الصدمة كانت عندما عدنا إلى العراق وصدُمنا بغلاء الأسعار بالنسبة لرواتب العراق البسيطة".
ورغم أن زوجها افتتح مشروعا بسيطا في مجال السيارات إلا أنه فشل في تحقيق نجاح فيه.
وتضيف بالقول: " الحياة التي كنا نراها على مواقع التواصل الاجتماعي والرفاهية ليست موجودة في كل مكان، هي تتوفر فقط في مناطق معينة ولفئة معينة، وهنا الناس تختلف على حسب طبقتها الاجتماعية والمادية وهذا الشيء لم نكن نعاني منه في ألمانيا، فالكل هنا سواسية".
عادت هبة إلى العراق باندفاع حتى" تتخلص من الكآبة والجو البارد"، كما تقول.
لكن هذه التوقعات غير الواقعية أوقعتها في مشكلة كبيرة وهي الدخل المحدود وفرص العمل القليلة، وإن وجدت فتكون برواتب زهيدة ولا تكفي للعيش.
هناء عادت إلى العراق من بريطانيا تروي كيف استقرت بداية في أربيل، ولكنها اضطرت الى العيش في بغداد بسبب سوء الخدمات في أربيل، وتذكر في هذا الصدد: " اشتريت فيلا في أربيل لكن بسبب سوء خدمات المجمع السكني الذي كنت أعيش فيه وغلاء الكهرباء ذهبت إلى بغداد لكن صدمت بغلاء أسعار البيوت والمدارس هذا ماعدا غلاء الادوية وزيارات الطبيب".
بعد مضي تسعة أشهر من العيش في أربيل وبغداد عادت هناء مع أطفالها إلى بريطانيا دون مال لتبدأ حياة جديدة من الصفر على حد وصفها، وتضيف: " أصبت بمرض السكري بسبب القهر والضغط وأدخلت أطفالي مدراس بريطانية عن طريق الإنترنت حتى عدت بشكل نهائي إلى بريطانيا".
لكنها تذكر أنها لم تزر العراق في زيارة طويلة قبل أن تتخذ قرار العودة لتصبح لديها رؤية واضحة عن الوضع الحقيقي في أربيل أو بغداد.
في هذا السياق تقول هبة التي غادرت ألمانيا طوعا: " ننوي أنا وزوجي العودة إلى ألمانيا والبدء من جديد"، بعدما عاشت ما يقارب سنة في بغداد.
" لو كان هناك مصدر مادي قوي لتحملت وتأقلمت سريعاً بالعيش هناك لكن في ظل الايجارات الحالية والوضع المادي الصعب لا نستطيع المقاومة طويلاً"، تضيف هبة في حوار DW عربية.
روحُ المغامرة دفعت علياء إلى العودة إلى العراق، وتحديدا محافظة كربلاء، مع زوجها وابنتيها.
لم تكن لديها أي فكرة عن الحياة اليومية في العراق، فقد وُلدت وترعرعت في السويد ولم تأتِ سوى في زيارات قصيرة إلى العراق.
لكن" حب المغامرة والتغيير" - كما تقول - جعلها تخطو هذه الخطوة رغم كل التحديات.
أول ثلاثة أشهر في العراق شكّلت تحديا كبيرا لها ولزوجها في إيجاد عمل مناسب، وخاصة في تخصصها في الأبحاث العلمية.
لكن بعد البحث المكثف والإصرار استطاعا إيجاد عمل مناسب لهما.
إضافة إلى ذلك، تقوم علياء بتدريس ابنتيها تدريسا منزليا بعيدا عن نظام المدارس المعتاد.
وتضيف في هذا السياق: " رأيت أن البيئة في العراق ملائمة للتدريس المنزلي من حيث العلاقات الاجتماعية وتكوين صداقات بشكل أسهل وأكثر سلاسة".
وتقوم علياء برحلات بالسيارة إلى مناطق داخل العراق وخارجه لتجربة ورؤية أماكن جديدة وتشجيع طفلتيها على حب الاستكشاف والمغامرة.
وتقول: " من المهم جداً بالنسبة لنا الحفاظ على الروتين اليومي الذي اعتدنا عليه في السويد أيضا، من حيث الاستيقاظ والنوم مبكرا.
والحفاظ على نفس النشاطات التي كنا نقوم بها في السويد.
وهذا ما سهل علينا تأقلمنا بالعيش في العراق والتعود على أجوائه".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك