نصّ اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته الخارجية الأميركية فجر الخميس (بتوقيت بيروت) في ختام الجولة الرابعة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن باتفاق الجانبين بتوجيه من الولايات المتحدة، على الإسراع في إنشاء" مناطق تجريبية" في جنوب لبنان تسيطر فيها القوات المسلحة اللبنانية سيطرة كاملة على المنطقة، من دون دخول أي جهات فاعلة غير حكومية.
واعتُبر هذا البند من البنود الأساسية في الاتفاق، وهو خطوة أولى ضمن الترتيبات الأمنية على الحدود مع فلسطين المحتلة، ومن الاختبارات الأهم للدولة اللبنانية في مسار حصر السلاح بيدها، ولا سيما بعد انتقادات أميركية وإسرائيلية على طريقة تعاطي الجيش اللبناني مع هذا الملف خلال الفترة الماضية، وباعتبار أن الأحداث بعد 2 مارس/ آذار الماضي، كشفت أنّ حزب الله لا يزال يملك منصّات إطلاق صواريخ، ومنشآت وقدرات عسكرية هائلة.
وطاول بند" المناطق التجريبية" انتقادات كثيرة، ولا سيما لعدم إشارته إلى آليات التنفيذ والتنسيق والحدود الجغرافية، وخلوّه من ذكر مسألة الانسحاب الإسرائيلي وجدوله الزمني، وتحويل الجيش اللبناني إلى متلقٍّ للأوامر من الطرفين الإسرائيلي والأميركي بكيفية التحرّك والانتشار، إلى جانب اعتباره من قبل مؤيدي حزب الله بمثابة محاولة لطرد بيئة بأكملها من الجنوب" تمثل المقاومة"، ما قد يفتح الباب أمام وضع الجيش اللبناني بمواجهة السكان، وهو ما رفضه الجيش في إطار تطبيق خطته لحصرية السلاح، رغم ضغط إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة لدفعه إلى دخول المنازل وتنفيذ عمليات تفتيش بالقوة.
وحول" المناطق التجريبية"، قال الرئيس اللبناني جوزاف عون، أمس الخميس، إنّ" لبنان اقترح أن تكون البداية في الزوطرين الشرقية والغربية، مع يحمر وقلعة الشقيف، نظراً إلى رمزية هذه المنطقة، وقربها من مدينة النبطية".
أما رئيس البرلمان نبيه بري، فاعتبر في معرض تعليقه على نص وقف النار الذي أعلنت عنه الخارجية الأميركية أنّ الاتفاق" فخّخ بمناطق تجريبية دون دخول أي جهات فاعلة".
ماذا تعني" المناطق التجريبية" عسكرياً؟ووفق المنطق العسكري، فإنّ أساس الفكرة يقوم على اختيار منطقة محدّدة في جنوب لبنان تنسحب منها إسرائيل، مقابل دخول الجيش اللبناني وتنفيذ انتشار كامل فيها؛ لمنع دخول أو عودة أي مظاهر مسلحة غير شرعية إليها، علماً أنّ الجيش اللبناني موجود ومنتشر وله حواجز ثابتة ومتحركة في غالبية المناطق الجنوبية، قبل العدوان والتوغل الإسرائيليي.
وفي قراءة لواقع المناطق التي ذكرها عون، تقول مصادر أمنية لـ" العربي الجديد"، إنّ" هذه المناطق تعتبر ذات أهمية استراتيجية، وتعدّ بمثابة اختبار لقدرة الدولة على تنفيذ خطتها لحصر السلاح في شمال نهر الليطاني، فهذه النقاط هي خارج قطاع جنوب الليطاني، وتقع في شماله".
وتضيف المصادر أن" جيش الاحتلال لم يتمكن من الدخول إلى قلب زوطر الشرقية (قضاء النبطية) أو احتلالها بالكامل، لكنه ينفذ انتشاراً على أطرافها باتجاه يحمر الشقيف، ونفذ عمليات نسف وتفجير فيها، وكذلك على مستوى قلعة الشقيف التاريخية، التي تتعرّض فيها القوات الإسرائيلية أيضاً لصواريخ حزب الله، وهذا يعني أن الإسرائيلي لم يتمكّن من السيطرة عليها"، لافتة إلى أن الاحتلال ينفذ عمليات التفاف ويتحرّك عبر الأطراف للوصول إلى القلعة.
كما أشارت إلى أن اختيار هذه المناطق، قد يكون مرتبطاً أيضاً بإمكان انسحاب جيش الاحتلال منها بشكل أسرع كونه ليس ثابتاً فيها أو منتشراً بأعداد كبيرة، كما أنها نقاط أساسية لحركة الآليات وتنقل السكان المتوجّهين إلى مرجعيون وإبل السقي ودير ميماس والمنطقة، لافتة كذلك إلى أن هذه المناطق كانت من ضمن المناطق التي طلب الجانب الإسرائيلي دخول الجيش اللبناني إليها.
ونفت المصادر أن يكون انسحاب إسرائيل أمس الخميس من منطقة دبّين في قضاء مرجعيون، في إطار بدء تنفيذ بند" المناطق التجريبية"، مشيرة إلى أن الاتفاق أساساً لم يدخل حيز التنفيذ بعد، وهو ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وتُعدّ قلعة الشقيف، المعروفة بـ" قلعة بوفور"، والتي أعلن الاحتلال السيطرة عليها يوم الأحد الماضي، ذات أهمية استراتيجية وعسكرية، فهي تقع على ارتفاع يزيد عن 700 متر فوق سطح البحر قرب بلدة أرنون، وتشرف على نهر الليطاني، وسهل مرجعيون والنبطية، ومساحات واسعة من جنوب لبنان.
وكانت القوات الإسرائيلية اتخذت منها قاعدة لها إبّان احتلال الجنوب، قبل الانسحاب عام 2000.
أما مناطق زوطر الشرقية وزوطر الغربية، مع يحمر وقلعة الشقيف، فهي من المناطق المشرفة على نهر الليطاني، كما على بلدات في شمال فلسطين المحتلة، والسيطرة عليها تعني التأثير على حركة الآليات والتنقل وخط الإمداد.
ما مدى إمكانية نجاح لبنان في تنفيذ" المناطق التجريبية"؟في الإطار، يقول العميد الركن المتقاعد أنطون مراد لـ" العربي الجديد"، إنّ اللواء أو الفوج التجريبي ليس جديداً بالمنطق العسكري اللبناني، وكنّا سابقاً بوارد تأسيس فوج تجريبي، وانطلقنا بتعليم الخط الأزرق على الأرض (خط الانسحاب الذي وضعته الأمم المتحدة عام 2000)، من منطقة تجريبية وهذه أمور معروفة عسكرياً.
ويشير مراد إلى أنه" بالمنطق الجديد اليوم، إسرائيل تريد من خلال هذه المنطقة اختبار مدى قدرة الجيش اللبناني على إقامة منطقة خالية من السلاح فعلاً، أما حزب الله فيعتبرها بداية قضم وجوده، لذلك، الصراع قائم عليها".
ويلفت مراد إلى أن" لبنان اقترح هذه المناطق لأنها تقع شمال نهر الليطاني، ومنطقياً، إذا أراد الجيش الدخول إلى الجنوب لتنفيذ عملية الانتشار، فعليه أن يبدأ من الشمال باتجاه الجنوب، وليس العكس، لا سيما في ظلّ الاحتلال، فالدخول من الجنوب يتطلب انسحاباً للجيش الإسرائيلي، فهذا المنطق طبيعي جغرافياً وعسكرياً، لكنه ليس لصالح حزب الله، الذي بوجهة نظره إذا استلم الجيش هذه المنطقة وبدأ العمل فيها يعني أن وجوده انتهى، وهذه أساساً كانت معضلة عندما أنهى الجيش المرحلة الأولى من تنفيذ خطة حصر السلاح في قطاع جنوب نهر الليطاني وأراد الانتقال إلى المرحلة الثانية المتضمنة شمالي النهر".
ويعتبر مراد أنّ" هذه المناطق التجريبية غير قابلة للتطبيق، فما تفادى الجيش حصوله خلال فترة الـ15 شهراً، ربطاً بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، والمقررات الوزارية ذات الصلة بحصرية السلاح، أي الاصطدام مع حزب الله، لن يفعله الآن، ومن هنا الخوف الأكبر في أن يصبح حزب الله بين مطرقة الدولة التي أكدت مضيه بقرار حصر السلاح، وبين مطرقة الإسرائيلي الذي سيواصل عملياته العسكرية بشكل مدمّر، وبالتالي، أرى أن هناك جولة صراع قوية مرتقبة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك