لم يكن التحول الذي أطلقته الجزائر في مجال الأبوستيل مجرد تحديث تقني لإجراء إداري، بل يمثل انتقالا بنيويا في طريقة تسيير الوثائق العمومية، قائم على رقمنة المسار الكامل من الطلب إلى المعالجة ثم الإصدار، عبر منظومة رقمية وطنية موحدة طورتها المحافظة السامية للرقمنة، تجعل من تبادل البيانات بين الإدارات أساسا جديدا بدل تداول الملفات الورقية التقليدية.
وفي هذا السياق، أشرفت المحافظة السامية للرقمنة، مريم بن مولود، إلى جانب كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلف بالجالية الوطنية بالخارج، سفيان شايب، على افتتاح ورشة تكوينية خصصت لضبط تشغيل المنصة الوطنية للأبوستيل، حيث تم تأطير نحو 200 إطار ومستخدم من مختلف القطاعات المعنية، في إطار التحضير لدخول النظام حيز الخدمة.
وأكدت بن مولود أن هذا المشروع يندرج ضمن رؤية شاملة لتعزيز التحول الرقمي للإدارة العمومية، موضحة أن المنصة الوطنية للأبوستيل تم تطويرها تحت إشراف مصالح المحافظة السامية للرقمنة، بالتنسيق مع وزارة الشؤون الخارجية، بهدف رقمنة مختلف مراحل الخدمة دون استثناء، من إيداع الطلبات إلى المعالجة فالإصدار الإلكتروني، مع تمكين المواطن من تتبع ملفه لحظيا.
وأضافت أن القيمة التقنية الأساسية لهذا المشروع تكمن في اعتماد الربط البيني بين أنظمة المعلومات عبر الشبكة السيادية المؤمنة IRIES، التي سمحت بإنشاء بيئة رقمية موحدة لتبادل البيانات بين مختلف القطاعات المعنية، بما في ذلك وزارات الداخلية والعدل والتعليم العالي والتربية الوطنية والتكوين المهني، وهو ما ألغى الحاجة إلى الإجراءات الورقية والمراسلات التقليدية بين الإدارات.
وكشفت المحافظة السامية للرقمنة أن هذا الربط البيني أتاح لأول مرة في الجزائر إنشاء سجل إلكتروني وطني موحد لإصدارات الأبوستيل، يسمح بتسجيل كل الشهادات الصادرة وتتبعها والتحقق من صحتها بشكل فوري وآمن، سواء داخل الإدارات الوطنية أو لدى الجهات الأجنبية المعنية، بما يعزز موثوقية الوثائق الجزائرية ويسهل استخدامها خارج الوطن.
كما أوضحت بن مولود أن المنصة تعتمد على التعرف الآلي على طالب الخدمة عبر الرقم التعريفي الوطني، وربط مختلف مراحل المعالجة بهوية رقمية موحدة، بما يضمن دقة أكبر في المعالجة، ويقلص الأخطاء، ويسرع وتيرة إصدار الشهادات.
وأضافت أن النظام صمم وفق مبدأ الفصل بين بيئة موجهة للمواطنين عبر الإنترنت وبيئة داخلية خاصة بالإدارات العمومية تعمل عبر الشبكة السيادية IRIES، ما يعزز حماية المعطيات ويضمن مستويات عالية من الأمن المعلوماتي.
من جهته، أكد كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلف بالجالية الوطنية بالخارج، سفيان شايب، أن هذا المشروع يندرج ضمن خطة عمل الوزارة الرامية إلى تبسيط وعصرنة الإجراءات الإدارية والقنصلية، تنفيذا لتوجيهات السلطات العليا للبلاد المتعلقة بتحسين نوعية الخدمات المقدمة للمواطنين داخل الوطن وخارجه.
وأوضح شايب أن اعتماد نظام الأبوستيل سيلغي المسارات الإدارية التقليدية للتصديق على الوثائق العمومية الموجهة للاستعمال بالخارج، والتي كانت تمر عبر عدة مراحل، كما سيسمح بتعزيز اللامركزية الإدارية من خلال تمكين المواطنين من إنجاز إجراءاتهم لدى أقرب مرفق إداري في خطوة واحدة ومبسطة.
وتعكس هذه المنظومة الرقمية الجديدة انتقال الإدارة الجزائرية نحو نموذج أكثر تكاملا، يعتمد على تبادل البيانات بين المؤسسات بدل تداول الوثائق، ويؤسس لمرحلة جديدة من الحوكمة الرقمية تقوم على السرعة والشفافية والنجاعة في تقديم الخدمة العمومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك