ناعور - في أعماق وادي حسبان، يمتد وادي الذئاب في المنطقة الشفاغورية كلوحة طبيعية تجمع بين قسوة الجبال وهدوء الماء وذاكرة الأرض.
هناك لا يبدو المكان مجرد واد عابر، بل فضاء واسع تتداخل فيه الجغرافيا مع التاريخ، وتختلط فيه ملامح الطبيعة الأولى مع بقايا الزمن القديم، حتى يغدو المشهد أقرب إلى حكاية ممتدة لا تنتهي.
اضافة اعلانالوادي ليس مجرد مجرى ماء موسمي، بل انحدار طويل بين سفوح صخرية قاسية تتخلله شعاب عميقة وممرات ضيقة، تنمو على أطرافها نباتات برية صامدة قاومت الجفاف والرياح.
سيل الماء الذي يشق قلب الوادي يمضي بهدوء يشبه النفس العميق للأرض، يلتف حول الصخور ويختفي بين الانعطافات ثم يظهر من جديد، كأنه يكتب مساره على مهل داخل ذاكرة المكان.
وعلى الجوانب، تمتد زراعة العنب والكروم بأنواعها، تتسلق العرائش الخشبية وتنتشر على امتداد المدرجات، لتشكل لوحة خضراء تمنح الوادي حياة إضافية، وتكسر قسوة الصخور بلمسة زراعية نابضة بالحياة.
في الشتاء، يتغير المشهد كليا.
تمتلئ المجاري بالمياه، وتتحول السفوح إلى مساحات خضراء واسعة، بينما يعلو صوت السيل كنبض مستمر يملأ المكان.
الضباب الذي يهبط فجرا يغلف الصخور والأشجار، فيحول الوادي إلى مشهد غامض تتداخل فيه الألوان وتذوب فيه الحدود بين الأرض والسماء، وكأن الطبيعة تعيد رسم نفسها من جديد في كل صباح.
تاريخيا، ارتبطت هذه المنطقة بامتدادات حضارية قديمة في جنوب عمان، حيث تعاقبت عليها فترات استقرار بشري منذ عصور بعيدة، وما زالت آثار ذلك الوجود ماثلة في طبيعة الأرض وتكوينها العام.
ورغم مرور الزمن، بقي الوادي محتفظا بطابعه البري، بعيدا عن التوسع العمراني الكبير، مما جعله أقرب إلى مساحة طبيعية مفتوحة على عناصرها الأولى.
ولأن البيئة هنا بقيت قريبة من شكلها الخام، فقد ارتبطت بالذاكرة الشعبية كموطن للحياة البرية.
كانت الذئاب والضباع تظهر في ساعات الليل بين السفوح والشعاب، تتحرك بصمت داخل الممرات الصخرية، مستفيدة من وعورة المكان وكثرة المخابئ الطبيعية فيه.
ومع الوقت تحولت هذه المشاهد إلى جزء من الحكايات المتداولة، التي تعكس علاقة الإنسان القديم بالمكان وبقي الوادي يحتفظ بجمال بصري أخاذ.
من أعالي التلال المحيطة، ينفتح الأفق نحو غور الأردن والبحر الميت وأراضي فلسطين، حيث يمتد المشهد بلا حدود واضحة، ويقف الإنسان أمام اتساع الطبيعة وهيبتها.
وعند الغروب، تتحول الصخور إلى درجات دافئة من اللون الذهبي، ويصبح الماء خيطا لامعا يعكس آخر ضوء للشمس قبل أن يغيب خلف الجبال.
ويؤكد محمد الحماد، الذي زار الوادي بدافع الفضول لمعرفة مسار سيل حسبان وعين المياه، أن التجربة كانت أعمق من مجرد زيارة، بل اكتشافا لمكان يحمل طبقات من الجمال والتاريخ في كل زاوية منه.
وفي السياق ذاته، يرى عبد الحميد السلامات أهمية الترويج لهذه المناطق التي ما تزال بعيدة عن الاهتمام السياحي الواسع، مشيرا إلى أنها تمثل فرصة حقيقية لسياحة المغامرة والاستكشاف والتأمل، لما تحتويه من تضاريس ومسارات طبيعية متنوعة.
ويضيف المخرج الدكتور هاشم المشاعلة أن الوادي يتميز أيضاً بتنوع نباتي لافت، حيث تنتشر فيه أعشاب برية مثل الشيح والقسوم وغيرها من النباتات الطبية المستخدمة في التداوي الشعبي، إلى جانب انتشار زراعة العنب والكروم على جوانب الوادي، والتي تشكل جزءا من المشهد الزراعي المحلي، وتمنح المكان طابعا ريفيا متكاملا يجمع بين الطبيعة والزراعة والحياة التقليدية.
وهكذا يبقى وادي الذئاب في حسبان مساحة نابضة بين الماء والصخر والزراعة والذاكرة، مكاناً لا يُقرأ بالعين فقط، بل يُحسّ كحكاية ممتدة في قلب الطبيعة، ما تزال تكتب نفسها كل يوم بصمت عميق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك