نعود ونواصل مشاهدة الفصل الاخير لمادار بين امام ورجل الاعمال ذو الثراء العريض الذي فقد نثر الرجل الدراهم بين يدي امام كما تُنثر الحبوب لجذب الطيور لصيدها غير ان امام كان أسمى من أن يصتاد بهكذا احابيل واغراءاتهذا المشهد ليس مجرد لحظة عابرة بين موظف ورجل أعمال بل هو مواجهة صامتة بين قيمتين قيمة المال وقيمة الضمير الذي لا يشترى فقد كان الرجل يحمل قناعة ويقينا راسخا استلهمها من بيئة الخدمة المدنية في عصرها الذهبيكانت الشنطة الممتلئة بالأوراق النقدية تمثل لصاحبها مفتاحا سريعا لحل عقدة البضائع المحجوزة ورسالة غير منطوقة تقول كل شيء قابل للتفاوض والمناورة كان لسان حاله يقول له الكاش يقلل النقاش لكنه لم يكن يتوقع أن يصطدم بجدار مختلف واكتشف ان امام شخصية لاتقبل التفاوض في سمعة بلاده كانت لغة السوق والتجارة في تلك الايام تؤمن بالتسهيلات وهي اسم الدلع للرشوة والتي تمددت كظاهرة في تلك الايام معظم مفاصل الدول والمجتمع علي السواءفهم امام الرسالة ولم يرتبك بل عاد بهدوء الي طربيزته ولم يخرج من وقاره ساد المكتب صمت وهدؤ عميق ولم ينطق لجليسه بكلمة لكنه استلم الرسالة وتاكد ان الرجل لايساوم علي مثل هكذا عروض ولا علي هكذا مواقف فقد كان رده من العيار الثقيل اقسي من اي ردوجم رجل الاعمال وتسمر في مكانه فهو لاول مرة يكتشف ان بعض الابواب لايفتحها المال فهو قد اعتاد ان يتجاوز كل عقبة بهذه الدراهم ومعها بعض الحديث الناعمجلس امام في كرسيه كما هو.
لم ينتصر بصوت عال ولم يخسر شيئا ظاهرا لكن ما حدث كان أبعد من صفقة لقد احتفظ بشيء لا يرى بسهولة اسمه الاتساق والتصالح مع النفسانزوي الرجل في زاوية المكتب وتحولت حقيبته الممتلئة إلى شاهد ثقيل على هزيمته أمام نزاهة لا يمكن مساومتها ومعروف عن امام انه احد اقطاب الحركة الاتحادية يلتقي برجل العمال في اجتماعات المكتب السياسي للحزب ولكن رغم هذه العلاقة لم تشفع له ولم تنجح الوساطات في اعفائه عن الضريبة المستحقة والواجبة السداد لحكومة السودانذهب الرجل والتقي في المساء باصحابه فسالوه هل نجحت الخطة وهل وجدت حلا للازمة ضحك ثم قال لهم كنت اعتقد ان عصر الصحابة قد انتهي ولكن اليوم وجدت احد الصحابة بلحمه وشحمه فهذا الذي يدعي امام اعطاني درسا في النزاهة والاخلاق وقصم ظهري بطهره وعفافه واعتقد ان السودان مازال بخير طالما هناك من هم مثل امام اخلاقا وانضباطا ومسئولية فهو ملاك في صورة انسان ولسانه يلهج بالثناء علي امام ورحم الله الحاج امام فقد كان يعلم الرشوة نار خفية تحرق الضمائر قبل أن تحرق الأوطان وتحول الحقوق إلى سلعة تباع لمن يدفع أكثر والموظف المرتشي يسقط من عيون الناس لأنه باع شرف الوظيفة بثمن زائل وخان الأمانة التي حملهاهذه القصة حكاها لي القطب الاتحادي المرحوم علي محمود حسنين حكاها له رجل الاعمال وروي له تفاصيل ماجري بينه والحاج امام حكاها لنا يوم كنا في منزل الاخ حسن الشريف بمدينة ايدهوفن بهولندا فقد دعاني الثاني لحضور مائدة اقيمت علي شرف الاستاذ علي محمود فتعرفت عليه وسالني عن مدينتي في دارفور فذكرت له انني من امكدادة فقال هل تعرف امام زين العابدين قلت له نعم فحكي لي هذه الواقعة وقال لي لوكان السودانيون بمثل نقاء امام ونظافته لما تعرض لمثل هذه الاضرار الاقتصادية التي انهكت جسده واقعدته كانت هذه الحادثة قد غيرت موقف الرجل ونقل مشاعره الي قادة الحزب وحكي لهم مادار بينه وامام واعتذر له وتوطدت علاقاتهم واصبحوا اصدقاءواذكر ان الاستاذ عبد الرحمن مختار رئيس تحرير جريدة الصحافة وهو صديق شخصي للاستاذ امام كتب مقالا ضافيا بصحيفته حول جدية وتفاني ومصداقية امام عندما كان بديوان المراجع وكان المقال شهادة وقلادة استعرض فيها مسيرته الباهرة في ديوان المراجع العام وديوان الضرائب فقد كان عليه الرحمة مراجعا ماليا وإداريا يتمتع بسمعة راسخة في الدقة والنزاهة والصرامة المهنية وكثيرا ما أوكلت إليه مهام مراجعة مؤسسات كبرى مثل بنك السودان ومشروع الجزيرة الزراعي وعدد من شركات الطيران الأجنبية من بينها شركة لفتهانز الالمانية وشركة الخطوط السوسرية والبريطانية وما إن يعلن عن موعد زيارته الي تلك المؤسسات حتى تستنفر الإدارات المختلفة طاقاتها ويعمل الموظفون لساعات متأخرة من الليل لمراجعة ملفاتهم وسجلاتهم فقد كانوا يدركون قدرته الاستثنائية على اكتشاف المخالفات والثغرات التي قد تغيب عن غيره من المراجعين وكان يمتلك عينا فاحصة وخبرة واسعة تمكنه من تتبع أدق التفاصيل وربطها ببعضها البعض لذلك شكلت تقاريره مرجعا مهما للإدارة العليا في تصحيح الأخطاء وتعزيز الشفافية وقد تركت مهنيته العالية أثرا وتاثيركبيرين في تطوير نظم الرقابة والالتزام المؤسسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك