في كتابهما" هذه لعبتنا: داخل أعظم مدن كرة القدم في العالم" This Is Our Game: Inside the World’s Greatest Football Cities، يقدّم كل من البريطانيين جويل روكوود ودانييل فيلدسند قراءةً ثقافية لكرة القدم تتجاوز حدود المنافسة الرياضية إلى تفكيك علاقتها بالمدينة الحديثة، عبر مقاربةٍ تدمج بين أدب الرحلة والتاريخ الاجتماعي، في نصّ هجين يضع اللعبة داخل سياقها الحضري والرمزي.
العمل الصادر في 28 مايو/ أيار المنصرم، عن دار نشر أوغست بوكس البريطانية التابعة لمجموعة كانيلو للنشر ضمن شبكة DK (دورلينغ كيندرسلي)، يقدّم كرة القدم بوصفها بنيةً اجتماعيةً تتشكل خارج المستطيل الأخضر بقدر ما تتشكل داخله.
ينطلق المؤلفان من فرضيةٍ مفادها أنّ" مدينة كرة القدم" منظومةٌ ثقافية مكتملة، تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية؛ الجداريات، الشعارات، ألوان الحانات والهتافات التي تتحول إلى علامات هويةٍ جمعية، لتصبح اللعبة بناءً على هذا التصور لغةً حضريةً تعكس أنماط العيش والانتماء وإعادة إنتاج الذاكرة داخل المجال العام.
ويتوزع الكتاب على نحو اثنتين وعشرين مدينةً عبر قاراتٍ مختلفة، من بينها بوينس آيرس في الأرجنتين، نابولي وروما في إيطاليا، بلباو وبرشلونة في إسبانيا، ليفربول في إنكلترا، أمستردام في هولندا، ريو دي جانيرو في البرازيل وإسطنبول في تركيا، حيث يخصَّص لكل مدينة فصل يقرأ كرة القدم باعتبارها مدخلاً لفهم بنيتها الاجتماعية والتاريخية، في تقاطعٍ مباشر مع أسئلة الطبقة والهوية والتحولات السياسية.
يأتي هذا المشروع من مؤلفين يجمعان بين الخلفية الأكاديمية والخبرة الميدانية في عالم كرة القدمفي نابولي، تظهر كرة القدم جزءاً من سردية مدينة عاشت طويلاً على هامش المركز الإيطالي، بينما تكشف بلباو عن حضور الهوية الباسكية داخل ملعب سان ماميس لكونه فضاءً رمزياً بقدر ما هو رياضي.
أما بوينس آيرس، فينظر إليها بوصفها مدينةً تتوزع فيها الانتماءات الكروية على خطوط اجتماعية دقيقة، في حين تعكس ريو دي جانيرو نموذجاً لاندماج اللعبة في الحياة الشعبية اليومية حيث يتحول الاحتفال إلى جزء من الثقافة العامة.
ولا يغفل الكتاب حضور المدن العربية في هذا النسيج، إذ يشارك الإعلامي الرياضي المصري عمر البانوبي بفصلٍ خاص عن القاهرة، يتناول فيه تاريخ المدينة مع كرة القدم باعتباره تاريخاً اجتماعياً موازياً لتحولاتها الحديثة، مع تركيز على الدور المركزي لناديي الأهلي والزمالك بوصفهما قطبين شكّلا جزءاً من الذاكرة الجماعية والجدل الاجتماعي في مصر.
ويأتي هذا المشروع من مؤلفين يجمعان بين الخلفية الأكاديمية والخبرة الميدانية في عالم كرة القدم؛ إذ يرتبط جويل روكوود بعمل في الإدارة الرياضية وخبرة بحثية في هذا المجال، بينما يعمل دانييل فيلدسند ضمن منظومة كرة القدم الإنكليزية، وهو يعطي للكتاب ملمحاً يجمع بين التحليل والمعايشة المباشرة للعبة.
ولا يكتفي المؤلفان بالسرد الوصفي، إذ يضعان هذه المدن في مواجهة التحولات التي فرضتها العولمة الرياضية، حيث تتجه كرة القدم نحو مزيدٍ من التجانس التجاري.
في هذا السياق، تبدو" مدينة كرة القدم" مساحة مقاومةٍ تحفظ خصوصيتها الثقافية، وتعيد إنتاج الاختلاف عنصراً جوهرياً في هوية المكان.
ويستدعي الكتاب مقولة المؤلف الموسيقي الروسي دميتري شوستاكوفيتش إنّ" كرة القدم هي باليه الجماهير"، في إشارةٍ إلى البعد الأدائي الجماعي الذي تصنعه الجماهير داخل الملاعب وخارجها، حيث تتحول الهتافات والطقوس إلى شكل من أشكال التعبير الثقافي الذي يوازي الحدث الرياضي نفسه.
هكذا يبدو أن الكتاب يقدم قراءةً في المدينة وهي تصاغ من خلال اللعبة وفي الطريقة التي تتحول بها الملاعب إلى امتداد للفضاء الاجتماعي، حيث تتشكل الهوية وتبرز الانتماءات في عالم يزداد تشابهاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك