شاركت هيئة الطاقة الذرية السورية في اجتماعات تقنية بمقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، ناقشت خلالها الترتيبات الخاصة باستبدال وقود مفاعل البحوث السوري المصغر “منسر” (MNSR) عالي التخصيب بوقود منخفض التخصيب، حيث حضر الاجتماع وفد سوري إلى جانب فرق فنية من كندا والولايات المتحدة وعدة دول أخرى، وجرى بحث الجوانب الفنية والإجرائية لعملية استبدال قلب المفاعل.
وأكد رئيس الهيئة مضر العكلة أن هذه الخطوة تأتي تأكيداً على الالتزام الكامل لسوريا بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وتهدف إلى تنشيط العمل والنشاط البحثي والعلمي داخل منشأة المفاعل، مع فتح آفاق لتدريب الكوادر الوطنية الشابة بالتعاون مع الوكالة الدولية، وفق وكالة سانا.
مفاعل “منسر”: إرث علمي يواجه تحدياتمفاعل “منسر” (Miniature Neutron Source Reactor) هو مفاعل أبحاث صغير من نوع المصدر النيوتروني المصغر، صُنع في الصين ودخل الخدمة عام 1996 في مركز دير الحجر للأبحاث النووية قرب دمشق؛ تبلغ قدرته 30 كيلوواط فقط (صغير جداً مقارنة بمحطات الطاقة)، ويستخدم وقود اليورانيوم عالي التخصيب (HEU) بنسبة 89.
87% يورانيوم-235، ونظام تبريد بالحمل الطبيعي، وهو مصمم ليكون آمناً وسهل التشغيل.
واستخداماته الرئيسية هي تحليل القياسات النيوترونية (NAA) لتحليل العناصر الكيميائية في العينات (جيولوجية، بيئية، أثرية)، وإنتاج النظائر المشعة للاستخدامات الطبية (علاج الأورام) والصناعية، وتدريب الكوادر العلمية والفنية.
يقول فيزيائي سوري – فضل عدم الكشف عن اسمه – لقناة حلب اليوم، إن المفاعل واجه صعوبات منذ عام 2006، وهي فترة “دورة الوقود” الخاصة به (كل 10 سنوات)، حيث استنفد اليورانيوم المخصب البالغ وزنه حوالي 1 كيلوغرام منذ ذلك الحين، ولم يتمكن النظام البائد من تأمين الكمية المطلوبة لتعويض الفاقد حوالي ثلث الكمية في البداية، بسبب ضغوط أمريكية حالت دون تزويد الصين أو روسيا أو أي دولة أخرى بالوقود.
ولجأ العاملون إلى تقنية “التصفيح” أي إحاطة قلب المفاعل بطبقات عاكسة للنيوترونات لإطالة عمر الوقود، وهي حلول مؤقتة أدت إلى استمرار انخفاض مستوى التخصيب مع الوقت، وتراجع عمله.
الاجتماع الحالي في فيينا، بمشاركة خبراء من الولايات المتحدة وكندا ودول أخرى، يمثل انفراجة حقيقية، فالتحول من اليورانيوم عالي التخصيب (90%) إلى يورانيوم منخفض التخصيب (أقل من 20%) يقلل بشكل كبير من مخاطر الانتشار النووي لأنه لا يمكن استخدامه في صنع أسلحة، ويجعل المفاعل متوافقاً مع معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأهداف مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار.
وتظهر حسابات الوكالة الدولية التي أجريت منذ سنوات أنه يمكن استخدام وقود UO2 بنسبة تخصيب 12% أو 20%، مع تعديلات بسيطة في قلب المفاعل عبر إضافة 2-4 قضبان وقود إضافية، ورفع القدرة إلى 33 كيلوواط لتعويض النقص في الفيض النيوتروني البالغ قدره حوالي 10%.
وقد تمت دراسة المعاملات الحرارية والمائية والتفاعلية في المفاعل، وتبين أن هامش الإغلاق الآمن يظل سالباً ومقبولاً.
العكلة أكد أن هذه الخطوة “تأكيداً على الالتزام الكامل لسوريا بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”، وهذا يرد على الشكوك الغربية السابقة حول برنامج سوريا النووي، كما أنه يمهد الطريق لرفع العقوبات المتبقية عن هيئة الطاقة الذرية السورية، وفتح آفاق التعاون مع الوكالة الدولية والدول الغربية.
وتؤمن هذه الخطوة إزالة أي اعتراضات غربية، كما تظهر سوريا كدولة متعاونة مع الوكالة الدولية وتلتزم بالمعاهدات، مما يحسن صورتها دولياً، ومن شأن ذلك أن يدعم أيضا استمرار عمل المفاعل لأعوام قادمة بعد أن كان مهدداً بالتوقف، وتدريب أجيال جديدة من الفيزيائيين والمهندسين النوويين، وإنتاج النظائر المشعة للاستخدام الطبي وعلاج السرطان والاستخدام الصناعي والزراعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك