في كل مرة تُطرح فيها فكرة" السلام مع إسرائيل" في لبنان، يخرج من يقدّم الدولة العبرية على أنها نموذج للديمقراطية واحترام القانون وحقوق الإنسان.
تُرسم صورة براقة لدولة حديثة، متطورة، تحاسب نفسها وتحترم الآخر.
لكن بين الصورة التي تُسوَّق والواقع الذي يظهر يومياً على الأرض، مسافة شاسعة من الدم والنار والاحتلال.
ما جرى في بلدة حوارة الفلسطينية ليس حادثاً استثنائياً، بل مشهد جديد من مشاهد متكررة تكشف الوجه الحقيقي للمشروع الإسرائيلي.
مستوطنون ملثمون يقتحمون البلدة، يعتدون على السكان، يحطمون الممتلكات، يشعلون الحرائق، ويهاجمون المدنيين بالعصي والهراوات.
الأخطر أن مقاطع الفيديو التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية نفسها أظهرت جندياً من الجيش الإسرائيلي يشارك المستوطنين الاعتداء على الفلسطينيين.
هنا يسقط الخط الفاصل الذي تحاول إسرائيل رسمه بين" الدولة" و" المستوطنين".
فحين يتحول الجندي إلى شريك في الاعتداء، وحين تتأخر القوات لساعات قبل التدخل، وحين تنتهي الأحداث من دون توقيف المعتدين، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام تجاوزات أفراد، أم أمام ثقافة متجذرة ترى في الفلسطيني هدفاً مشروعاً للعنف؟المفارقة أن هذه الوقائع لا تخرج من تقارير عربية أو فلسطينية فقط، بل من الصحافة الإسرائيلية ذاتها.
بل إن قادة عسكريين إسرائيليين باتوا يتحدثون علناً عن" إرهاب يهودي" و" أعمال إرهابية" ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين.
وإذا كان كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي يستخدمون هذا الوصف، فما الذي يبقى من الرواية التي تصوّر إسرائيل كواحة للقيم الديمقراطية في الشرق الأوسط؟المسألة لا تتعلق بحادثة حوارة وحدها.
فمن غزة إلى الضفة الغربية، ومن جنوب لبنان إلى سوريا، يكشف سجل العقود الماضية أن العنف ليس استثناءً في السلوك الإسرائيلي، بل جزء من عقيدة أمنية وسياسية تأسست عليها الدولة نفسها.
فلسفة تقوم على القوة العسكرية، والردع بالنار، وفرض الوقائع بالقوة، وتبرير كل ذلك تحت عنوان" الأمن".
لهذا يبدو غريباً أن يتجاهل بعض المتحمسين لفكرة السلام هذه الوقائع كلها، وأن يكتفوا بالنظر إلى إسرائيل من زاوية التكنولوجيا والاقتصاد والتطور العلمي.
فالدول لا تُقاس فقط بما تنتجه من تقنيات، بل أيضاً بما تمارسه من سياسات، وكيف تتعامل مع الشعوب الواقعة تحت احتلالها.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وقد تتباين آراؤهم حول الصراع ومستقبله، لكن الوقائع تبقى أقوى من الدعاية.
وحوارة ليست سوى تذكير جديد بأن الصورة التي تحاول إسرائيل رسمها عن نفسها لا تشبه دائماً الحقيقة التي تظهر على الأرض.
فخلف شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ما زال هناك شعب يُضرب، ومنازل تُحرق، وأرض تُصادر، وجنود يشاركون في الاعتداءات.
وهذه ليست صورة دولة تبحث عن سلام، بل صورة دولة ما زالت ترى القوة وسيلتها الأولى لفرض إرادتها على الآخرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك