مع اتساع تفشي فيروس إيبولا في شرق أفريقيا، يبرز سؤال جديد في دوائر الصحة العالمية، هل ستتقدم الصين لملء الفراغ الذي خلفه التراجع الأمريكي في الاستجابة للأوبئة الدولية؟ففي الوقت الذي تقلص فيه الدور الأمريكي مقارنة بالأزمات السابقة، تبدو بكين، بما تمتلكه من قدرات صناعية وخبرات في مكافحة الأوبئة وقطاع متنام للتكنولوجيا الحيوية، في موقع يؤهلها للعب دور محوري في احتواء ما قد يتحول إلى أخطر تفش للإيبولا في التاريخ الحديث، بحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
بؤرة التفشي في الكونغو الديمقراطيةوفي بلدة مونجبوالو بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تمثل بؤرة التفشي الحالية، تواجه المراكز الصحية نقصًا حادًا في المعدات والأدوية والمواد الأساسية، بينما أدى ضعف قدرات الفحص والتشخيص إلى صعوبة احتواء فيروس بونديبوجيو المسبب للمرض، والذي لا يتوفر له حتى الآن لقاح أو علاج معتمد.
ورغم الاستثمارات الصينية الضخمة في أفريقيا، لا يزال حجم الاستجابة التي تعتزم بكين تقديمها غير واضح، فمع انكفاء الولايات المتحدة عن الدور القيادي الذي اعتادت أداءه في الأزمات الصحية العالمية، تراجعت أيضًا الضغوط التي كانت تدفع الصين إلى إظهار حضور أكبر على الساحة الدولية.
اختبار حقيقي لطموحات الصينويرى خبراء أن الأزمة الحالية لفيروس الإيبولا تمثل اختبارًا حقيقيًا لطموحات الصين العالمية، إذ بات عليها أن تحدد ما إذا كانت مستعدة لتولي دور قيادي في مواجهة تهديد صحي عابر للحدود، أم أنها ستكتفي بالمراقبة وتقديم دعم محدود.
واتخذت بكين خطوة أولى هذا الأسبوع بإرسال فريق طبي مكوّن من خمسة خبراء إلى العاصمة الكونغولية كينشاسا، مصحوبين بمعدات وقاية ومستلزمات مخبرية.
ووصف رئيس البعثة الصينية هذه الخطوة بأنها جزء من مسؤوليات الصين كقوة دولية كبرى.
لكن في المقابل، لم تعلن الصين حتى الآن استجابة رسمية لنداء أفريقي لجمع 319 مليون دولار لمواجهة الوباء، كما أنها لا تشارك في اللجنة التابعة لمنظمة الصحة العالمية المكلفة بتنسيق الجهود الدولية للتعامل مع الأزمة.
مقومات الصين الفريدة لمكافحة الوباءويعتقد متخصصون في الصحة العالمية أن الصين تمتلك مقومات فريدة للمساهمة في مكافحة الوباء، إذ تستطيع مصانعها إنتاج وشحن الإمدادات الطبية بسرعة كبيرة، كما أن شركات التكنولوجيا الحيوية الصينية تطور أدوات تشخيص متقدمة ولقاحات مبتكرة منخفضة التكلفة يمكن أن تساهم في احتواء التفشي.
وخلال أزمة الإيبولا الكبرى في غرب أفريقيا بين عامي 2014 و2016، أطلقت الصين أكبر عملية مساعدات إنسانية خارجية في تاريخها، إذ أرسلت مئات العاملين الصحيين وأكثر من 100 مليون دولار من الإمدادات والمعدات الطبية، وأنشأت لأول مرة مختبرًا عالي الأمان ومركزًا متخصصًا للأمراض المعدية خارج أراضيها.
غير أن المشهد العالمي تغير منذ ذلك الوقت، خاصة بعد جائحة كورونا، إذ أصبحت القيادة الصينية أكثر حذرًا في الانخراط الخارجي، كما أصبحت عملية اتخاذ القرار أكثر مركزية وتعقيدًا، وفقًا لخبراء يتابعون سياسات بكين الصحية والدولية.
ويعتقد مراقبون أن أبرز مساهمة محتملة للصين في الأزمة الحالية قد تأتي من قطاع التكنولوجيا الحيوية المتطور لديها، فالشركات الصينية تعمل على تطوير أدوات تشخيص قادرة على اكتشاف عدة أنواع من فيروسات الإيبولا في وقت واحد، إضافة إلى أبحاث حول لقاحات تعتمد تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال mRNA للحماية من مجموعة أوسع من الحميات النزفية.
وفي المقابل، فإن تراجع الدور الأمريكي قد يكون أحد العوامل التي تقلل حماسة الصين للتحرك، فخلال أزمة 2014، رأى بعض الخبراء أن الاستجابة الصينية كانت مدفوعة جزئيًا بالرغبة في مضاهاة النفوذ الأمريكي وتعزيز القوة الناعمة لبكين في أفريقيا، أما اليوم، ومع انسحاب واشنطن من عدد من المؤسسات الصحية الدولية وتراجع حضورها، فإن دوافع المنافسة أصبحت أضعف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك