هادف: الرقمنة تنقل المواطن من موقع المنتظر إلى شريك في الرقابة والمتابعةزواغي: الربط البيني للبيانات أغلق منافذ التحايل ورسّخ مبدأ الاستحقاقبن رُوان: “الهجرة العكسية” نحو الضواحي تعيد تشكيل الخريطة العمرانية للجزائر”عيساوي: “عدل” أعادت التوازن لسوق العقار…بين طلبات السّكن وملفات الطعون وشهادات الميلاد… كانت حياة المواطن تُختصر في أوراق تتكدّس، ثم تُحمل على عجل نحو الإدارات، في رحلة مرهقة بين المكاتب والشبابيك.
هناك يحسب الزمن بطول الطوابير، والأمل يُعلّق على قبول الملف.
لكن المشهد تغيّر، واقتحمت الرقمنة قطاع السكن، كخيار تقني وضرورة، فتحولت الرّزم الورقية الثقيلة إلى بيانات رقمية.
فكيف نجحت الدولة عبر الرقمنة في فرض العدالة والصرامة، وجعل الشفافية أساس دراسة الملفات واختيار المستفيدين من السكن؟حلم الحصول على سكن، لم يكن يوما مجرّد إجراء إداري عابر، بل كان رحلة طويلة محفوفة بالانتظار والقلق، تبدأ بملف ثقيل وتنتهي غالبا على أبواب مكاتب مكتظة، يلاحق فيها المواطن توقيعا هنا وختما هناك، في سباق مع الزمن والأمل.
البداية، باستخراج مجموعة وثائق ورقية، سرعان ما تنتهي صلاحيتها لتُجدد، ثم تكدس في مكاتب مع حيرة التخلص منها… إلى أن طرقت الرقمنة أبواب القطاع، وجاء معها الفرج.
والآن، المشهد تغيّر، والمعادلة انقلبت، والعلاقة بين المواطن والإدارة أعيد رسمها.
فبين نقرة زرّ وانتظار ردّ إلكتروني، تتشكل اليوم ملامح مرحلة جديدة، يعد فيها التحول الرقمي بإنهاء زمن المحاباة وفتح أبواب الشفافية.
فمنذ إطلاق مشاريع السكن الترقوي المدعم، “عدل”، وما رافقها من صيغ سكنية أخرى، دخل التسجيل الإلكتروني على الخط، حاملا معه حلولا ذكية لمشاكل كانت مستعصية.
وبين من يعتبر الرقمنة في قطاع السكن مكسبا حقيقيا عزّز الشفافية وكرّس مبدأ تكافؤ الفرص، ومن يرى أن هذا المسار لا يزال يواجه عقبات تستدعي حلولًا ناجعة لضمان نجاعته واستدامته، يبرز السؤال: كيف أسهمت المنصات الرقمية بقطاع السكن في استعادة ثقة المواطنين وإحياء آمالهم؟ وما السبل الكفيلة بتطوير هذه المنصات وتقليص الفجوة الرقمية، بما يضمن استفادة جميع فئات المجتمع منها؟ أم إن بلوغ منظومة سكنية رقمية متكاملة، لا يزال رهينا بتجاوز تحدّيات عديدة؟الخوارزميات هزمت المحسوبيةبات بإمكان أي مواطن إيداع طلب الحصول على سكن، ومتابعة ملفه عن بُعد، دون الحاجة إلى التنقل المتكرر أو الوقوف لساعات طويلة أمام الإدارات.
هذا التحول الرقمي، لم يقتصر على تسهيل الإجراءات فحسب، بل ساهم أيضا في تقليص الاحتكاك المباشر، وهو ما يُعد خطوة مهمة في الحدّ من بعض الممارسات السلبية كالمحسوبية والوساطة.
فإدخال الرقمنة في قطاع السكن، يقلّص الوقت وفرض مبدأ تكافؤ الفرص، بل وجعل المواطن يطلع على كل صغيرة وكبيرة متعلقة بشقته، ابتداء من سعرها وعدد غُرفها وموقعها وإمكانية تغييرها، كل هذا بنقرة زرّ.
كما فتحت الرقمنة آفاقا واعدة لإحداث نقلة نوعية في تسيير قطاع السكن، من خلال استغلال قواعد البيانات، وربط مختلف الهيئات المعنية، واعتماد تقنيات حديثة في التخطيط العمراني، يمكن أن تمهد الطريق مستقبلاً، نحو مفهوم “السكن الذكي”، الذي يدمج التكنولوجيا في تحسين جودة الحياة داخل الأحياء السكنية.
وهذه الخطوة، التي تبدو بسيطة في ظاهرها، تمثل تحولا عميقا في علاقة المواطن بالإدارة، عنوانه تقليص البيروقراطية وتعزيز الشفافية.
يروي هشام، وهو مستفيد من سكنات “عدل” بالعاصمة، معاناة سنوات طويلة قضاها في البحث عن مسكن.
ويقول إنه كان يتردد باستمرار على مقر بلدية الدويرة، أملاً في الظفر بسكن، ضمن الصيغ المتاحة آنذاك.
وقال: “أودعتُ ملفا لدى البلدية، وآخر على مستوى الديوان، وثالثا عند مقاول، لكن جميع محاولاتي لم تكلل بالنجاح”.
ويؤكد في حديثه لـ”الشروق” أن إطلاق منصة “عدل” شكل نقطة تحول حقيقية بالنسبة إليه، إذ مّكنه من إيداع ملفه ومتابعة طلبه إلكترونيا، دون عناء التنقل بين الإدارات والمكاتب، خاصة أنه موظف لا يملك مُتسعا من الوقت لإتمام الإجراءات التقليدية.
استشراف دقيق للاحتياجات الوطنيةوفي هذا الصدد، يؤكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، المختص في التكنولوجيا الرقمية، عبد الرحمان هادف، أن السيادة الرقمية وعصرنة الخدمة العمومية، هي أساس نموذج حوكمة ذكي ومستدام.
وقال لـ”الشروق” بأن تسارع مسار التحول الرقمي في الجزائر، تحت إشراف المحافظة السامية للرقمنة، يمثل اليوم حجر الزاوية في إستراتيجية الدولة لإعادة بناء العلاقة بين الإدارة والمواطن، على أسس من الثقة والفعالية.
هذا التوجه، بحسب المختص في الرقمية، لا يقتصر فقط على استبدال الورق بالشاشة، بل هو “انتقال عميق نحو ذكاء الدولة في تسيير مواردها”.
وأكد أن المنصات الرقمية، وعلى رأسها تجربة وكالة “عدل”، تعتبر “الأداة المثلى لضمان تكافؤ الفرص وتكريس العدالة الاجتماعية، بعيدا عن كلاسيكيات البيروقراطية المقيتة”.
وتتجلى قيمة هذه المنصات، بحسبه، في قدرتها الفائقة على خلق بيئة بيانات متكاملة تسمح لصناع القرار باستشراف الاحتياجات الوطنية بدقة.
فمن خلال نظام التشغيل البيني (Interoperability)، نجحت وكالة “عدل” في تحويل مسار السكن من طوابير ورقية عرضة للتلف، إلى تدفقات رقمية مؤمنة، تتيح للمواطن مراقبة حقه في السكن لحظة بلحظة، مع ضمان أعلى مستويات الشفافية في اختيار المستفيدين، بناء على خوارزميات محايدة لا تقبل التأويل.
ويؤكد عيد الرحمان هادف أن منصة “عدل” أحدثت “ثورة في تسيير الملفات، من خلال الانتقال إلى نظام معلوماتي مركزي مرتبط رقميا بالرقم التعريفي الوطني (NIN) ورقم الضمان الاجتماعي.
هذا الربط التقني، قضى نهائيا على ظاهرة “تكدس الملفات”، التي كانت سابقا عرضة للإهمال الإداري أو الضياع في أقبية الأرشيف غير المؤمنة، بما تحمله من بيانات شخصية حساسة”.
أما اليوم، يضيف، “فالبيانات تُعالج آليا ويتم التحقق من الأحقية عبر مقاطعة المعلومات مع البطاقية الوطنية للسكن” في ثوانٍ معدودة، مما يضمن وصول السكن لمن يستحقه فعليا”.
ولم يتوقف الأمر عند التسجيل، بل تعداه إلى رقمنة مسار المتابعة الشامل، حيث بات بإمكان المكتتب تفعيل حسابه، تحديث بياناته، والاطلاع على تقدم الأشغال في موقعه السكني عبر واجهة تفاعلية.
ليؤكد هادف أن “هذا المستوى من “الشفافية الرقمية” يمنح المواطن شعورا بالملكية والرقابة، باطلاعه على تفاصيل شقته المستقبلية وموقعها بدقة”.
وعن مستقبل الخدمات الرقمية في الجزائر، يرى المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، أن الخطوات التي قطعتها الجزائر في رقمنة قطاع السكن والخدمات العمومية “ليست سوى مرحلة تأسيسية لمسار أكثر طموحا، فالمستقبل القريب يستوجب الانتقال من “الرقمنة الإجرائية” التي تهدف إلى تبسيط المعاملات، إلى “الرقمنة الذكية”، القائمة على استباق احتياجات المواطن.
كما أن إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) في هذه المنصات سيسمح بتحليل البيانات الضخمة (Big Data) للتنبؤ بالاحتياجات العمرانية والخدماتية قبل وقوعها، وتخصيص الخدمات العمومية لتناسب متطلبات كل مواطن بشكل استباقي، ما يرفع من جودة الحياة ويجعل الإدارة شريكا ذكيا يتفاعل مع المواطن في الوقت الحقيقي”.
السيادة الرقمية… الرهان القادمعلاوة عن ذلك، يضيف هادف، فالبعد الاستشرافي يتطلب تعزيز الأمن السيبراني والسيادة الوطنية على البيانات، بالتوازي مع التحديث المستمر للبنية التحتية التكنولوجية.
وبالتالي، فالرهان القادم، بحسب محدثنا، يكمن في تحويل هذه المنصات إلى منظومة متكاملة تعمل بتقنيات متطورة مثل “البلوكشين” (Blockchain)، لضمان استحالة التلاعب بالبيانات أو تزوير السجلات، ما يرفع كفاءة الأداء الحكومي إلى مستويات تضاهي المعايير العالمية ويحسن جاذبية الاقتصاد الوطني، وهو ما يمهد الطريق لظهور مدن ذكية ومستدامة تعتمد على الرقمنة في إدارة استهلاك الطاقة والنفايات والنقل.
وختم قائلا: “إن استكمال هذا المسار، يتطلب استمرارية في تحديث المنظومة التشريعية والتقنية لمواكبة الطفرات التكنولوجية المتسارعة، مع التركيز على بناء المهارات الرقمية لدى المورد البشري”.
فالهدف الأسمى ليس فقط رقمنة الإدارة، بل صناعة مجتمع رقمي متكامل يساهم فيه كل فرد في بناء القيمة المضافة، وصولا إلى حوكمة راشدة، تعتمد على الابتكار كركيزة أساسية لتحقيق الرفاه الاجتماعي والسيادة الاقتصادية الشاملة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء تكنولوجيا.
التخلص الكامل من الورق… قريباويشاطره الطرح، المختص في التكنولوجيا، الباحث عبد العالي زواغي، الذي قال لـ “الشروق”: “إن التوجه نحو الرقمنة، هو نهج إستراتيجي للدولة الجزائرية، يتماشى مع التطورات التقنية الحديثة التي باتت تتغلغل في جميع المجالات، لاسيما في الاقتصاد والإدارة، التي تسهم بشكل فعال في إرساء ما يعرف بالحكامة الراشدة”.
فالرقمنة الآن، بحسب محدثنا، هي “العمود الفقري لعصرنة مختلف القطاعات الحكومية بما تضمنه من تنظيم وشفافية، السّرعة والكفاءة في الإنجاز، والتنوع والتحسين في مجمل الخدمات المقدمة للمواطنين، ضمن نمط إدارة إلكترونية حديثة ومتماسكة تسهل حياة المواطن وتضمن تسييرا أفضل للشأن العام، بشكل يتجاوز البيروقراطية التقليدية التي كثيرا ما أرهقت المواطنين”.
ويؤكد زواغي أن المنصات الرقمية التي أطلقتها معظم القطاعات الوزارية، لاسيما منصة التسجيل في “عدل”، تتيح “تحقيق العدالة في التسجيل والتوزيع بين جميع المواطنين، لأن العملية تعتمد على تقنيات تفرز الملفات بناء على معايير ومعطيات محددة سلفا وصارمة، دون النظر إلى معايير ما يعرف شعبيا بـ”المعريفة” أو الوساطة”.
فأي مواطن يمكنه التسجيل وإدخال البيانات المطلوبة من أي مكان وفي أي وقت، وهذا يحيل على ميزة أساسية في هذه المنصات، وهي القضاء على الطوابير التي كانت تتكدس أمام الإدارات بشكل مشين جدا، وقلصت الجهد والوقت الذي تتطلبه عملية معالجة الملفات، وساهمت في القضاء على ظاهرة الملفات الضخمة والوثائق التي كانت تُطلب عند تقديم ملف الحصول على السكن مثلا.
وصار بالإمكان الاستغناء عن الكثير منها، بفضل الرقمنة والتشبيك بين مختلف الإدارات والهيئات، في مسعى جاد للتخلص الكامل من الورق.
وأكد محدثنا أن المنصات الإلكترونية، ساهمت في ترشيد النفقات، بحيث تخلصت الإدارات من أعباء مالية ضخمة، نظير استهلاكها كميات ضخمة من الورق في معاملاتها، وبالمثل في أثناء عملية التخلص من الأرشيف، بما يحويه من معطيات شخصية للمواطنين.
وهذا الإشكال عالجته الرقمنة بشكل جذري، فالبيانات والمعطيات الشخصية للمواطن تحفظ إلكترونيا، مع ما يرافق العملية من إجراءات أمان وحماية عالية جدا، كرستها الدولة، التي أنشأت لأجل ذلك السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي سنة 2022، وكذا المحافظة السامية للرقمنة- ANPDP مع وضع منشأتين إستراتيجيتين من الجيل الأخير، للحوسبة السحابية، تضمنان تأمين وتحديث الخدمات العمومية والاقتصادية واحتضان البيانات الرقمية السيادية للجزائريين، في إطار التحول الرقمي المتسارع الذي تعرفه البلاد.
ليختم زواغي، مؤكدا أن الجزائر تمتلك الكفاءات والموارد التي يمكنها المساهمة بشكل فعال في عملية التحول الرقمي، والدفع بالبلاد للتموقع بشكل جيد في العالم الرقمي، “لاسيما إذا تمكنت هذه الكفاءات من إنشاء شركات ناشئة متخصصة في التكنولوجيا والتطوير التقني والابتكار، والاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي والحماية السيبرانية للبيانات”.
الإيجار تهاوى والأحياء العشوائية زالتوساهمت مشاريع “عدل” في إعادة التوازن داخل السوق العقارية، عن طريق تخفيف الضغط على سوق الإيجار، خاصة في المدن الكبرى التي كانت تعرف طلبا مرتفعا مقابل عرض محدود.
وبحسب رئيس المنظمة الجزائرية للدفاع عن المستهلك “حمايتك”، محمد عيساوي، فإنه مع انتقال عدد كبير من المستفيدين من وضعية الإيجار إلى التملك، أدى ذلك إلى تقليص الطلب على الكراء، وهو ما ساعد تدريجيا في كبح الارتفاع “الجنوني” لأسعار الإيجارات، خصوصا في بعض الولايات الكبرى، مثل الجزائر العاصمة، وهران، وقسنطينة.
كما أثرت هذه المشاريع على أسعار العقار بشكل عام، على حد قوله، إذ ساهمت وفرة العرض السكني في خلق نوع من التوازن داخل السوق، بعدما كانت المضاربة العقارية تتحكم بشكل كبير في الأسعار.
إضافة إلى ذلك، ساعدت أحياء “عدل” الجديدة في خلق نسيج عمراني حديث، مع توفير المرافق الضرورية من مدارس، وعيادات، ومحلات، ووسائل نقل، ما ساهم في نشوء مجتمعات عمرانية متكاملة بدل الأحياء العشوائية أو السكنات غير المهيأة، وهذا عزز مفهوم “العدالة الاجتماعية وربْط المواطن أكثر بالدولة ومؤسساتها”.
وبالتالي، فإن مشاريع “عدل” وما رافقها من صيغ سكنية أخرى، موجهة لمختلف الفئات “لم تكن مجرد استجابة لأزمة سكن، بل مثلت رافعة حقيقية للاستقرار الاجتماعي والراحة النفسية.
وهو ما جعلها من أبرز السياسات العمومية ذات الأثر المباشر على حياة المواطن”.
“عدل” تُغيّر خريطة العيش في المُدنوفي نقطة شكلت تحولا “كبيرا وغير مسبوق” في تفكير الفرد الجزائري، طالما سعت السلطات لفك شيفرتها، وهي متعلقة بنقل العائلات من اكتظاظ المدن إلى سعة الضواحي، أو ما يُعرف بـ”الهجرة العكسية”، التي كانت مرفوضة مُجتمعيا.
ولكن سكنات “عدل” ومنصتها الإلكترونية أعادت وفي صمْت، تشكيل علاقة الفرد بالمجال الحضري، وجعلت الجزائري يتقبل الاستقرار في أي مكان.
هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في مكان الإقامة، بل مسّ نمط العيش ذاته، بعدما وجدت العائلات نفسها أمام بيئة جديدة أكثر هدوءا مقارنة بصخب الأحياء الشعبية داخل المدن الكبرى.
ويبرز ذلك من خلال قصّة عبد الرّحمان، ابن حي “سَانتُوجانْ” بقلب حي باب الوادي الشعبي بالجزائر العاصمة، الذي روى لـ”الشروق”، كيف عاش صدمة الانتقال في البداية، ليلتحق بشقته بمنطقة “الأحياء الخضراء” على أطراف بلدية أولاد فايت بالعاصمة، حيث شعر بالاكتئاب والحنين إلى أجواء حيّه القديم، قبل أن يتأقلم تدريجيا ويكتشف مزايا الحياة في الضواحي من هدوء وطبيعة ونقاء هواء، حتى أصبحت العودة إلى مسقط رأسه مصدر إزعاج له بعدما اعتاد على نمط الحياة الجديد…!والظاهرة يفسرها المُختص في الأمراض النفسية، كمال بن روان، قائلا بأن هذا التوجه يعكس بحث الإنسان عن الراحة النفسية والتوازن الداخلي، في ظل الضغوط المتزايدة داخل المدن، مثل الضجيج والاكتظاظ وتسارع وتيرة الحياة.
وبحسبه، فالانتقال إلى الضواحي، حتى ولو رفضه ساكنة المدن في البداية وأصروا على المقاومة النفسية، ولكنهم سيتأقلمون ودون وعي منهم، لأن منصة ذكيّة هي من اختارت مكان شقتهم، وليس شخصا وراء مكتب قد يتهمونه بالمحاباة والتمييز… فيدخلون في مرحلة “الاستعادة النفسية” ويشعرون بسكينة وهدوء.
التملّك رفع نسبة الزواج بعد تراجعكما أن العيش في الضواحي وخصوصا مع تملّك سكن، يُعزّز شعور الفرد بالاستقلالية والقيمة الاجتماعية، حيث تصبح العلاقات الاجتماعية في الضواحي أكثر دفئا، ويُعاد تعريف النجاح بعيدا عن المظاهر والماديات المترسخة في المدن، ونتخلص من “الاغتراب الحضري”.
وفي المُحصلة، فإن “الهجرة العكسية”، التي فرضتها منصّة “عدل”، بحسب محدثنا، ليست فقط انتقالا جغرافيا، بل تحوّل عميق في نمط الحياة والهوية النفسيّة.
كما أن استقرار العائلات بعد الحصول على سكن مستقل، ساهم في التخفيف من ضغط الكراء والعيش المشترك، ورفع نسبة الإقبال على الزواج، بعد فترة من التراجع، وهو ما يعكس تحولا اجتماعيا مرتبطا بظاهرة تملك الشقق.
كما غرست أحياء “عدل” الجماعية، روح المسؤولية والحفاظ على الممتلكات في نفوس ساكنتها، فتأسست لجان الأحياء، وتقاسم السكان الأعباء المالية والمعنوية للحفاظ على أحيائهم، في ظاهرة أعادت العلاقات الودية التي كانت تربط “جيران زمان” وتلاشت في عصر العولمة و”الاغتراب المجتمعي”، فأحيتها مجددا الصّيغ السكينة الحديثة.
ليؤكد بن روان أن سكنات “عدل” حققت معجزة حقيقية في “التنفيس” عن المدن الكبرى، شرط توفر أساسيات العيش في الضواحي، من وسائل نقل ومدارس ومستوصفات وأسواق وأمن مجتمعي.
فـ”عدل”، ساهمت في إحداث تحوّلات اجتماعية ونفسية عميقة، جعلتها تتجاوز كونها مجرد برنامج لتوزيع السكن، إلى أداة حقيقية لتحقيق الاستقرار المجتمعي.
أما من الناحية النفسية، فيقول المختص: “إن امتلاك سكن يعتبر أحد أهم عوامل الطمأنينة لدى الفرد، فالمواطن الذي كان يعيش تحت ضغط الإيجار الشهري، أو الخوف من التنقل المستمر بين المنازل، أصبح أكثر هدوءا واستقرارا نفسيا بعد حصوله على مسكن دائم”.
هذا الشعور بالاستقرار ينعكس مباشرة على الصحة النفسية، وعلى الأداء المهني والاجتماعي، ويقلل من التوتر الأسري الناتج عن الضغوط المعيشية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك