طبق الطيب صالح في كتابة رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) تقنية “قصة داخل القصة” أو القصة الإطار بمعنى ان تكون هناك في النص الأدبي قصة تشكل اطارا مرجعيا لقصة أو قصص أخرى.
وهذه التقنية هي أبرز ما يميز بنية حكايات (الف ليلة وليلة) والتي نهض على اساسها فن القصة والرواية في الأدب العالمي الحديث.
فإذا نظرنا في البنية السردية لرواية موسم الهجرة إلى الشمال، نجدها تتألف من قصتين أو حكايتين متداخلتين متشابكتين جرى نسجهمها معا بمهارة منقطعة النظير في نص سردي واحد.
القصة الأولى هي قصة الراوي التي شكلت الإطار أو الخلفية المرجعية لقصة مصطفى سعيد.
وتمثل القصتانمرحلتين مختلفتين من مراحل تاريخ السودان الحديث، أو قل من مراحل الصراع الحضاري بين الشرق العربي وإفريقيا من ناحية، وأوربا من ناحية أخرى.
المرحلة الأولى، مرحلة الاحتلال الانجليزي للسودان والمقاومة ويمثّلها مصطفى سعيد.
والمرحلة الثانية مرحلة الاستقلال وما بعده، ويمثّلها الراوي.
وكلٌّ من مصطفى سعيد والراوي هاجر إلى أوروبا وتخرّج في جامعاتها وعاد إلى بلده ولكن بطريقة مختلفة ورؤى مختلفة، كما سنرى.
مصطفى سعيد وجيل مناهضة الاستعمار:ولد مصطفى سعيد بالخرطوم في 17 أغسطس 1898 في ذات السنة التي أكمل فيها الجنرال الإنجليزي اللورد كتشنر احتلال السودان بعد أن هزم جيوش الدولة المهدية في توشكي وأتبرا وكرري.
وتلقّى مصطفى سعيد تعليمه الابتدائي في كلّية غردون، وهي أوّل مدرسة أنشأها الإنجليز في الخرطوم تخليداً لذكرى لورد غردون الذي قتله أنصار الإمام المهدي، كانت: “كلية غردون مدرسة ابتدائية، كانوا يعطونها من العلم ما يكفي فقط لملء الوظائف الحكومية الصغرى”.
هكذا يصفها أحد زملاء مصطفى سعيد بهذه المدرسة، والتي تحوّلت فيما بعد إلى كلّية جامعيّة.
ويلخّص الزميل المتحدّث سياسة الإنجليز من تعليم الوطنيين في ذلك الوقت بقوله: “أوّل ما تخرجت اشتغلت محاسباً في مركز الفاشر، وبعد جهدٍ جهيد قبلوا أن أجلس لامتحان الإدارة، وقضيت ثلاثين عاماً نائب مأمور، تصوّر! وقبل أن أُحال على المعاش بعامين اثنين فقط رقّيت مأموراً، كان مفتش المركز الإنجليزي إلهاً يتصرّف في رقعةٍ أكبر من الجزر البريطانيّة كلّها، يسكن في قصر طويل عريض مملوء بالخدم ومحاط بالجنود، وكانوا يتصرّفون كالآلهة، يسخروننا نحن الموظّفين الصّغار أولاد البلد لجلب العوائد ويتذمّر النّاس منّا، ويشكون إلى المفتّش الإنجليزي، وكان المفتّش الإنجليزي طبعاً هو الذي يغفر ويرحم، هكذا غرسوا في قلوب النّاس بغضنا، نحن أبناء البلد، وحبّهم هم (المستعمرين الدخلاء)”.
هكذا يصور زميل مصطفى سعيد بالمدرسة الابتدائية سياسية الانجليز من تعليم أبناء البلد، وهذه هي نفسها نظرة مصطفى سعيد إلى دافع الإنجليز من فتح المدارس: “البواخر مخرت عرض النّيل أوّل مرّة، تحمل المدافع، لا الخبز، وسكك الحديد أنشئت أصلاً لنقل الجنود، وأنشأوا المدارس ليعلّمونا كيف نقول نعم بلغتهم”.
كان مصطفى سعيد نابغة، فقد قطع المرحلة الابتدائية في أقلّ من السنوات المقررة، ولمّا كان التعليم الابتدائي أقصى ما يمكن أن يصل إليه الفرد في تلك الفترة، ابتعث بسبب نبوغه إلى القاهرة لإكمال تعليمه، ثمّ إلى لندن التي وصلها سنة 1916 للالتحاق بجامعة أكسفورد حيث يتفوّق في دراسته، ويُعيّن بعد تخرّجه في ذات الجامعة محاضراً في الاقتصاد، وهو في سنّ الرابعة والعشرين.
إلى جانب تفوّقه الأكاديمي كان مصطفى سعيد ناشطاً سياسيّاً وفكريّاً، فقد كان رئيساً لجمعية تحرير إفريقيا، وعضواً في الحركة الاشتراكيّة الفابيّة، وقد ألّف العديد من الكتب في مناهضة الاستعمار والهيمنة الإمبرياليّة.
كتب: “اقتصاد الاستعمار”، “الاستعمار والاحتكار”، “الصليب والبارود” و”اغتصاب إفريقيا”، حتى حظي بفضل هذا التفوّق الأكاديمي والنشاط الفكري باحترام المجتمع البريطاني، وربطته صداقات وثيقة بالأوساط اليساريّة والارستقراطيّة.
ومع ذلك، كان مصطفى سعيد يحس في دخيلته أنّ ذلك ليس كافياً لإشباع طموحه بالتفوّق وردّ الاعتبار لكرامة بلده، فتقوده غريزته الفحوليّة إلى طريقٍ آخر في الثأر وردّ الاعتبار، الطريق الملتوي (حسب وصف الرواية)، فينغمس في حياة بوهيميّة مع الفتيات الإنجليزيات ظنّاً منه أنّ الثأر للكرامة لا يكون إلا بهتك عرض الأوربيين، كان لسان حاله يقول:“نعم يا سادتي، إنّني جئتكم غازياً في عقر داركم، قطرة من السمّ الذي حقنتم به شرايين التاريخ، ” وكان يقول: “سأحرّر إفريقيا بــ…” أي بفحولتي.
سألته ايزابيلا سيمور التي التقاها في ركن الخطباء في حديقة هايدبارك تستمع إلى خطيب يتحدّث عن مشكلة الملوّنين، عن بلده “فرويت لها حكايات ملفقة عن صحارى ذهبيّة الرمال وأدغال تتصايح فيها حيوانات لا وجود لها.
قلت لها إنّ شوارع عاصمة بلادي تعجّ بالأفيال والأسود، وتزحف عليها التماسيح عند القيلولة.
وكانت تستمع إليَّ بين مصدقة ومكذبة، وأحيانًا تصغي إليَّ في صمت وفي عينيها عطف مسيحي.
وجاءت لحظة أحسست فيها أنّني انقلبت في نظرها مخلوقًا بدائيًّا عاريًا يمسك بيده رمحًا وبالأخرى نشّابًا يصيد الفيلة والأسود في الأدغال”.
انتهى.
ثم دعاها لكي يتمشيا قليلاً.
قالت له: “هذا لقاء عجيب، ورجل غريب، لا أعرفه، يدعوني.
هذا لا يجوز ولكن.
صمتت.
ثمّ قالت: “نعم، لم لا؟ هيئتك لا تدلّ على أنّك من أكلة لحوم البشر”.
قال لها وموجة الفرح تتحرّك في جذور قلبه: “ستجدين أنّني تمساح عجوز سقطت أسنانه، لن أقوى على أكلك حتى لو أردت”.
في بيته: “لفحتها رائحة الصندل المحروق والند فملأت رئتيها بعبير لم تعلم أنّه عبير قاتل”.
وعندما استسلمت له كانت تناجيه قائلة: “اقتلني أيّها الغول الأفريقي.
أحرقني في نار معبدك أيّها الإله الأفريقي الأسود.
دعني أتلوى في طقوس معبدك العربيدة المهيجة”.
وإضافة للطقوس الفلكلورية كان مصطفى سعيد يتوسّل للإيقاع بضحاياه بالحديث في الدين والفلسفة وروحانيات الشرق، وينقد الرسم، ويقرأ الشعر، ويفعل كلّ شيء حتى يدخل المرأة إلى فراشه.
آن همند كانت صيدا سهلاً، لأنّها كانت تدرس اللغات الشرقيّة في أكسفورد وتريد أن تصبح مستشرقة.
ولكنّ الشرق في ذهنها هو ذلك الشرق الرومانسي.
شرق العجائب وألف ليلة وليلة، شرق شهريار وشهرزاد وبلاد الواق واق، شرق “سقاة الكأس من عهد الرشيد”.
يقول عنها: “رأتني فرأت شفقًا داكنًا كفجرٍ كاذب.
كانت، عكسي، تحنّ إلى مناخات استوائيّة وشموس قاسية وآفاق أرجوانيّة.
كنت في عينيها رمزًا لكلّ ذلك الحنين”.
“كانت تدفن وجهها تحت إبطي وتستنشق كأنّها تستنشق دخانًا مخدّرًا.
وجهها يتقلّص باللذة وتقول كأنّها تردد طقوس في معبد: أحبّ عرقك أريد رائحتك كاملة.
رائحة الأوراق المبتلة في غابات أفريقيا.
رائحة المنقة والباباي والتوابل الاستوائيّة.
رائحة الأمطار في صحارى بلاد العرب”.
انتهى.
وكان مصطفى سعيد قد التقى آن همند إثر محاضرة ألقاها في أكسفورد عن أبي نواس: “قلت لهم إنّ عمر الخيام لا يساوي شيئًا إلى جانب أبي نواس.
وقرأت لهم من شعر أبي نواس في الخمر بطريقة خطابيّة مضحكة زاعمًا لهم أنّها الطريقة التي كان الشعر يُلقى بها في العصر العباسي.
وقلت في المحاضرة إنّ أبي نواس كان متصوّفًا وإنّه جعل من الخمر رمزًا حمّله جميع أشواقه الروحية وإنّ توقه إلى الخمر في شعره كان في الواقع توقًا إلى الفناء في ذات الله.
”.
“كنت ملهمًا تلك الليلة أحسّ بالأكاذيب تتدفق على لساني كأنّها معانٍ سامية.
وكنت أحسّ بالنشوة تسري منّي إلى الجمهور فأمضي في الكذب.
وبعد المحاضرة التفوا حولي: موظّفون عملوا في الشرق، ونساء طاعنات في السنّ مات أزواجهن في مصر والعراق والسودان، ورجال حاربوا مع كتشنر واللنبي، ومستشرقون وموظّفون في وزارة المستعمرات، وموظّفون في قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجيّة”.
ومن بين هذا الجمع اندفعت آن همند: “فجأةً رأيتُ فتاةً في الثامنة أو التاسعة عشر تثب نحوي وثبًا مخترقةً الصفوف، وطوّقتني بذراعيها وقبّلتني، وقالت باللغة العربية: أنت جميل تجلّ عن الوصف، وأنا أحبّك حبًّا يجلّ عن الوصف.
قلت لها بعاطفة أخافتني حدّتها: وأخيرًا وجدتك يا سوسن! إنّني أبحث عنك في كلّ مكان، وخفت ألا أجدك أبدًا.
هل تذكرين؟ قالت بعاطفة لا تقلّ عن عاطفتي حدّة: كيف أنسى دارنا في الكرخ في بغداد على ضفّة نهر دجلة أيّام المأمون؟ أنا أيضًا تقفّيت أثرك عبر القرون ولكنّني كنت واثقة أنّنا سنلتقي.
وهأنتذا يا حبيبي مصطفى.
لم تتغيّر منذ افترقنا”.
انتهى.
وعندما دخلت بيته بلندن لأول مرة، ركعتْ وقبّلت قدمه وقالت: “أنت مصطفى مولاي وسيّدي، وأنا سوسن جاريتك.
هكذا كلّ واحد منا اختار دوره في صمت هي تمثّل دور الجارية وأنا أُمثّل دور السيّد.
لبستُ أنا عباءةً وعقالاً، وتمددتُ على السرير.
فجاءت ودلكت صدري وساقي ورقبتي وكتفي.
فقلت بصوت آمر: تعالي.
فأجابتني بصوت خفيض: سمعًا وطاعةً يا مولاي.
في غمرة الوهم والسُكر والجنون أخذتها فقبلت.
لأنّ الذي كان بيننا كان منذ ألف عام.
وجدوها في شقتها في هامستيد ميتة انتحارًا بالغاز ورسالة تقول: مستر سعيد لعنة الله عليك”.
انتهى.
كذلك كانت من بين ضحايا مصطفى سعيد، من نساء الإنجليز، إيزابيلا سيمور، التي قالت له: “المسيحيون يقولون إنّ إلههم صُلب ليحمل عنهم وزر خطاياهم.
إنّه إذن مات عبثًا، فما يسمونه الخطيئة ما هو إلا زفرة الاكتفاء بمعانقتك يا إله وثنيتي.
أنت إلهي ولا إله غيرك.
لا بد أنّ هذا سبب انتحارها، وليس مرضها بالسرطان.
كانت مؤمنة، حين قابلته، كفرت بدينها وعبدت إلهًا كعجل بني إسرائيل.
يا للغرابة! يا للسخرية! الإنسان لمجرد أنّه خُلِق عند خطّ الاستواء، بعض المجانيين يعتبرونه عبدًا، وبعضهم يعتبرونه إلهًا.
أين الاعتدال؟ أين الاستواء؟ ” انتهى.
أمّا شيلا غرينود، ضحية أخرى، فقد كانت خادمة في مطعم بحي سوهو بلندن، فيقول عنها: “جذبها عالمي الجديد عليها دوّختها رائحة الصندل المحروق والند ووقفت وقتًا تضحك لخيالها في المرآة، وتعبث بعقد العاج الذي وضعته كأنشوطة حول جيدها الجميل.
كانت تلحس وجهي بلسانها وتقول لي: لسانك قرمزي بلون الغروب في المناطق الاستوائية.
تتأملني كلّ مرة وكأنّها تكتشف شيئًا جديدًا.
تقول لي: ما أروع لونك الأسود لون الغموض والسحر والغموض والأعمال الفاضحة.
دخلت غرفة نومي بتولاً بكرًا، وخرجت منها تحمل جرثوم المرض في دمها.
ماتت دون أن تنبس ببنت شفة”.
انتهى.
امرأة واحدة لم تستسلم للوهم، إنّها جين موريس.
كلّ النساء، آن همند وإيزابيلا سيمور وشيلا غرينود، استسلمن بسهولة.
وقعن في شباكه.
دوّختهن رائحة الصندل والبخور والند، وجذبهن عالمه السحري الغرائبي وكانت نهايتهن كلّهن مأساوية، “لأنهنّ أردن أن يسرن عكس حركة التّاريخ، واتّجاه النّهر، وطلبن الجنوب/الشرق وهنّ من الشمال في عصر هو عصر الهجرة إلى الشمال.
كنّ كلهنّ طرائد وهو الصيّاد”.
أمّا جين موريس، زوجته “فقد أرغمته على أن يعكس الأدوار وأن يتحوّل من صيّاد إلى فريسة من جديد.
كلاّ، المدينة لم تتحوّل إلى امرأة، ولندن ليست مدينة مفتوحة، وجين موريس لها أسنان لبوة وأظافر كالمخالب، وساقان لا تفتحهما إلا لتركله بين فخذيه ركلاً عنيفًا حتى يغيب عن الوعي”.
وهنا نتفق تمامًا مع تأويل النّاقد والمفكّر جورج طرابيشي لرمزيّة استعصاء جين موريس على مصطفى سعيد.
فهي لم تستعصِ عليه لأنّها عصيّة المنال، وإنّما لأنّه كان عليه أن يؤدّي ثمن وصالها.
وثمن وصالها باهظ أهون منه الموت.
ومع ذلك قبل أن يدفعه صاغرًا.
ولمّا دفعه كانت مكافأته الوحيدة منها ركلةً بين فخذيه أذهبته في غيبوبة.
فالزهريّة الثمينة، والمخطوط العربي النادر، ومصلاة الحرير الأصفهاني؛ هي الثمن الذي تصرّ جين موريس على أن تتقاضاه، وهي، إن أخذت مجتمعةً، ربّما تمثّل القيم التي تصرّ على أن تحطمها وتدوسها بقدميها قبل أن تهب مصطفى سعيد نفسها.
إنّ الحضارة الغربية لا تسلّم نفسها لطالبها الآتي من الشرق أو الجنوب إلا إذا خلعته من تاريخه وقطعته عن ماضيه وجردته من تراثه وقصمته عن شخصيته الحضاريّة”.
الحضارة الغربية، والحديث لجورج طرابيشي “لا تقوم إلا على أشلاء الحضارات الأخرى.
فجين موريس، حتى بعد أن تزوجها مصطفى سعيد، كانت في سلوكها أشبه بالعاهر.
كانت في عهرها رمزًا إلى دعوتها العالميّة، فهي تستأثر بمصطفى سعيد لكنّه لا يستطيع أن يستأثر بها.
إنّه لها وهي للجميع.
ليس في العالم سوى جين موريس واحدة وفيه، بالمقابل لها، من شتى أرجائه طلابٌ كثرٌ من أنداد مصطفى سعيد.
إنّ عالم جيم موريس هو قبلة العالم”.
فلو كان مصطفى سعيد فردًا، كما يقول طرابيشي، لكان ملّ الطراد قبل الزواج والصدود والهوان.
لكن مصطفى سعيد لم يكن شخصًا بل كان جيلاً: ذلك الرعيل الأوّل من روّاد الهجرة الذين أصابتهم عدوى الرحيل فأسلسوا قيادهم كملوك المجوس لنجمة الشمال تقودهم أنّى شاءت ولو إلى حتفهم.
لم تكن هنالك طريقة أخرى لامتلاك جين موريس غير اغتيالها مثلما لا يلتقي الفلك فلكًا إلا ويفجره.
جين موريس كانت عالَمًا ومصطفى سعيد كان عالَمًا مختلفًا.
ولم يكن بين العالمين من سبب غير الصراع والعنف.
لم يكن هذا العنف ابن يومه، بل يعود تاريخه “إلى ألف عام”.
وهكذا يقود الطريق “الملتوي” حسب وصف الرواية، الذي انتهجه مصطفى سعيد في التحرّر والانتقام إلى المأساة وإلى الفشل؛ إذ يتسبّب في انتحار ثلاث نساء إنجليزيّات وفي قتل من يتزوّجها، فيُقدّم إلى المحاكمة ويحكم عليه بالسجن سبع سنوات، وبعد خروجه من السجن يتشرّد في أصقاع الأرض، ويقرّر أخيراً العودة إلى السودان، ولكنّه لا يعود إلى الخرطوم ليخوض غمار الحياة المدنيّة، ويزاحم الأفنديّة في المناصب والوظائف الحكوميّة التي كانت متيسّرة في فترة “السودنة” التي أعقبت الاستقلال؛ بل يختار قرية نائية في شمال السودان ليستقرّ فيها، حيث يشتري مزرعة ويتزوّج وينجب ولدين، ويساهم في تطوير القرية عن طريق توظيف أفكاره الاشتراكيّة في إقامة جمعيّة تعاونيّة، واستحداث إدارة جماعيّة للمشروع الزراعي، وإنشاء فرع للحزب الوطني الاشتراكي الديمقراطي بالقرية.
إلا أنّ مصطفى سعيد يختفي فجأة في أحد الفيضانات التي فُقِد فيها عدد من النّاس، وتبقى نهايته يلفّها الغموض، فليس مؤكّداً إن كان قد مات غرقاً في الفيضان، أم قرّر أن يُنهي حياته بتلك الكيفية.
الراوي وجيل ما بعد الاستقلال:يستهل الطيب صالح رواية موسم الهجرة إلى الشمال بحديث الراوي: “عدت، يا سادتي، إلى أهلي بعد غيبة طويلة دامت سبع سنوات، كنت خلالها اتعلم في أوربا”.
ينتمي الراوي إلى جيل ما بعد الاستقلال، ولكنه لم يكن له دور سياسي واضح في الرواية، فهو يمثّل فئة الأفنديّة التي اكتفت بالوظيفة الحكوميّة.
فبعد عودته من أوربا، التي نال منها درجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، يلتحق موظّفاً بوزارة المعارف (التعليم).
ومن خلاله نتعرّف على أوجه الحياة في السودان في ظلّ الأنظمة الوطنيّة التي تسلّمت السلطة من الإنجليز، كما نتعرّف من خلاله أيضاً على العلاقة بين الدول المستقلة والبلدان الأوربية التي كانت تستعمرها، وكيف أنّ بعض المثقّفين كان يرى في تلك العلاقة، نوعاً من الاستعمار الجديد.
لم يكن الراوي مسكونًا بهاجس الانتقام من المستعمر، ولم يكن يحمل هم تحرير بلده من الاحتلال الأوروبي.
فقد خرج الاستعمار وتحرّرت البلاد من حكم الإنجليز.
لذلك كانت تجربته في أوروبا مختلفة تمامًا عن تجربة مصطفى سعيد.
بل إن الراوي لا يذكر شيئاً عن ذكرياته في أوروبا.
فقد خلت حياته هنالك من ذلك التوتر الذي لازم مصطفى سعيد، وعاش حياةً عاديةً ليس فيها ما يستحقّ أن يتحوّل إلى قصّة أو رواية تُروى، يقول عن نفسه:“لقد عشتُ أيضًا معهم، ولكن على السطح لا أحبهّم ولا أكرههم.
هنالك مثل هنا.
لا أحسن ولا أسوأ.
وكونهم جاءوا إلى ديارنا، لا أدري لماذا، هل معنى ذلك أن نُسمِّم حاضرنا ومستقبلنا”.
فإذا كان مصطفى سعيد قد ربط بين تعلّم اللغة الإنجليزية والخضوع للاستعمار في قوله بالرواية: “البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز.
وسكك الحديد أنْشئت أصلاً لنقل الجنود.
وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول نعم بلغتهم”،فإن دراسة الراوي للغة الإنجليزيّة جاءت بمحض اختياره ودون إحساس بأيّ ذنب.
لذلك كانت نظرته مغايره لنظرة مصطفى سعيد، إذ يقول: “سكك الحديد والبواخر والمستشفيات والمصانع والمدارس ستكون لنا.
وسنتحدث بلغتهم دون إحساس بالذنب ولا إحساس بالجميل”.
لقد تحرّر جيل الراوي من الروح الانتقاميّة التي حملها جيل مصطفى سعيد، وصار الاستعمار بالنسبة لهم مجرد ذكرى وتاريخ يُروى.
حتى إن فكرة الغزو التي جاء بها مصطفى سعيد إلى أوروبا تبدو للراوي شيئاً يثير الضحك والأسى في ذات الوقت، يقول الراوي: “مصطفى سعيد قال لهم إنّني جئتكم غازيًا.
عبارة ميلودراميّة ولا شك.
لكن مجيئهم هم أيضًا لم يكن مأساة، كما نتصوّر نحن، ولا نعمة كما يتصوّرون هم.
كان عملاً ميلودراميًا سيتحوّل مع مرور الأيّام إلى خرافة عظمى”.
لقد صارت صورة الآخر الغربي عند جيل ما بعد المرحلة الكولونياليّة أكثر واقعيّة.
وانقشع الضباب الذي كان يغلّف رؤيتنا لهم ورؤيتهم لنا ممّا مهّد لقيام علاقات إنسانيّة سويّة، على الأقل، على مستوى الأفراد، خاليةً من توترات الصراع الحضاري التي لازمت جيل مصطفى سعيد.
فحينما عاد الراوي إلى أهله بعد غيبة في أوروبا دامت سبع سنوات، سألوه عن الأوروبيين وعن حياتهم: “دهشوا حينما قلت لهم إنّ الأوروبيين إذا استثنينا فوارق ضئيلة، مثلنا تماماً، يتزوّجون ويربّون أولادهم حسب التقاليد والأصول ولهم أخلاق حسنة، وهم عمومًا قوم طيّبون”.
سأله محجوب: هل بينهم مزارعون؟ قال له في نفسه: “نعم بينهم مزارعون وبينهم كلّ شيء.
منهم العامل والطبيب والمزارع والمعلّم مثلنا تماماً.
يولدون ويموتون، وفي الرحلة من المهد إلى اللحد يحلمون أحلاماً بعضها يخيبوبعضها يصدق.
يخافون من المجهول، وينشدون الحبّ، ويبحثون عن الطمأنينة في الزوج والولد.
فيهم أقوياء وبينهم مستضعفون.
بعضهم أعطته الحياة أكثر ممّا يستحق، وبعضهم حرمته الحياة.
ولكنّ الفروق تضيق، وأغلب الضعفاء لم يعودوا ضعفاء”.
انتهى.
وبعيد جلاء الإنجليز عن السودان، يدور نقاش في جلسة ببيت أستاذ بجامعة الخرطوم، بين الراوي والأستاذ الجامعي وموظّف إنجليزي في وزارة الماليّة بالخرطوم، يقول الموظّف الإنجليزي مخاطباً الأستاذ الجامعي بعد احتدام النقاش: “ها أنتم الآن تؤمنون بخرافات من نوع جديد خرافة التأميم والوحدة العربية، وخرافة الوحدة الإفريقيّة، إنّكم كالأطفال تؤمنون أنّ في جوف الأرض كنزاً ستحصلون عليه بمعجزة وستحلّون مشاكلكم وتقيمون فردوساً”.
فيردّ الأستاذ الجامعي على الموظّف الإنجليزي: “لقد نقلتم إلينا مرض اقتصادكم الرأسمالي، ماذا أعطيتمونا غير حفنة من الشركات الاستعماريّة نزفت دماءنا وما تزال”، فيعقّب الرجل الإنجليزي: “كلّ هذا يدلّ على أنّكم لا تستطيعون الحياة بدوننا، كنتم تشكون من الاستعمار ولمّا خرجنا خلقتم أسطورة الاستعمار المستتر، يبدو أن وجودنا بشكل واضح أو مستتر ضروري لكم كالماء والهواء”.
كان النقاش بين الرجلين ودّياً رغم احتدامه “فلم يكونا غاضبين، كانا يقولان كلاماً مثل هذا ويضحكان على مرمى حجر من خطّ الاستواء تفصل بينهما هوّة تاريخيّة ليس لها قرار”.
فقد زال التوتر في العلاقة بين المثقّفين والمستعمر، ذلك التوتر الذي وسم تجربة مصطفى سعيد.
لم يتدخّل الراوي في النقاش حول هذه النقطة، ولكنّه قال، في نفسه، معلّقاً على حديث الرجل الإنجليزي:“هذا الرجل متعصّب بشكلٍ أو بآخر، الرجل الأبيض لمجرد أنّه حكمنا في حقبة من تاريخنا سيظلّ أمداً طويلاً يحسّ نحونا بإحساس الاحتقار الذي يحسّه القوي تجاه الضعيف، مصطفى سعيد قال لهم إنّني جئتكم غازياً، عبارة مليودراميّة ولا شك، لكنّ مجيئهم أيضاً لم يكن مأساة، كما نتصوّر نحن، ولا نعمة كما يتصوّرن هم، كان عملاً مليودراميّاً سيتحوّل مع مرور الأيّام إلى خرافة عظمى”.
كذلك نتعرّف من الراوي على عمل الحكومات الوطنيّة التي جاءت بعد الاستقلال، وعلى الجوانب التي ينتقدها في عمل هذه الحكومات مثل الفساد الإداري والمالي وسوء استخدامهم للسلطة وسوء التخطيط، وتبديد موارد البلاد في خدمة المصالح الخاصة والنزوات الشخصيّة.
قال الراوي لمحجوب، عند زيارة له للقرية: “وزارة المعارف نظّمت مؤتمراً دعت له مندوبين عن عشرين قطراً إفريقياً لمناقشة سبل توحيد أساليب التعليم في القارة كلّها، كنت عضواً في سكرتارية المؤتمر”.
يقول محجوب: “فليبنوا المدارس أوّلاً ثمّ يناقشوا توحيد التعليم، كيف يفكّر هؤلاء النّاس؟ يضيعون الوقت في المؤتمرات والكلام الفارغ، ونحن هنا أولادنا يسافرون كذا ميلاً للمدرسة”.
فيقول الراوي في نفسه: “لن يصدّق محجوب لو قلت له إنّ سادة إفريقيا الجدد ملس الوجوه أفواههم كأفواه الذئاب تلمع في أيديهم ختم الحجارة الثمينة، وتفوح نواصيهم برائحة العطر، في أزياء بيضاء وزرقاء وسوداء وخضراء من الموهير والحرير الغالي تنزلق على أكتافهم كجلود القطط السياميّة، والأحذية تعكس أضواء الشمعدانات تصرّ صريراً على الرخام، لن يصدق محجوب أنهم تدارسوا تسعة أيّام في مصير التعليم في إفريقيا في قاعة الاستقلال، التي بنيت خصيصاً لهذا الغرض، وكلّفت أكثر من مليون جنيه”.
“كيف أقول لمحجوب إنّ الوزير الذي قال في خطابه الضافي الذي قوبل بالتصفيق: يجب ألا يحدث تناقض بين ما يتعلمه التلميذ في المدرسة وبين واقع الشعب، كلّ من يتعلّم اليوم يريد أن يجلس على مكتب وثير تحت مروحة ويسكن في بيت محاط بحديقة ومكيف الهواء، يروح ويجيء في سيارة أمريكية بعرض الشارع، إنّنا إذا لم نجتث هذا الداء من جذوره تكوّنت عندنا طبقة برجوازيّة لا تمتّ إلى واقع حياتنا بصلة، وهي أشدّ خطراً على مستقبل إفريقيا من الاستعمار نفسه”.
انتهى.
ويستمر الراوي مخاطباً نفسه: “كيف أقول لمحجوب إنّ هذا الرجل بعينه يهرب أشهر الصيف من إفريقيا إلى فيلته على بحيرة لوكارنو، وإنّ زوجته تشتري حاجياتها من هارودز في لندن، تجيئها في طائرة خاصة، أعضاء وفده أنفسهم يجاهرون بأنّه فاسدٌ مرتشٍ، ضيّع الضياع وأقام تجارة وعمارة، وكوّن ثروة فادحة من قطرات العرق التي تنضح على جباه المستضعفين أنصاف العراة في الغابات! هؤلاء قومٌ لا همّ لهم إلا بطونهم وفروجهم، لا يوجد عدل في الدنيا ولا اعتدال، وقد قال مصطفى سعيد: “أنا لا أطلب المجد، فمثلي لا يطلب المجد”، لو أنّه عاد عودة طبيعيّة لانضم إلى قطيع الذئاب هذا، كلّهم يشبهونه، وجوه وسيمة ووجوه وسمتها النعمة”.
انتهى.
هكذا، يصوّر لنا الراوي، سخريّة الناس العاديين من الحكومات الوطنيّة المتعاقبة بعد الاستقلال، وخيبة أملهم فيها، إلى الدرجة التي باتوا يتحسرون فيها على خروج الإنجليز من البلاد:“يقول عمي عبد المنان: حكومة كلام فارغ، كلّ الذي يفلحون فيه يجيئون إلينا مرة كلّ عامين أو ثلاثة بجماهيرهم ولواريهم ولافتاتهم، يعيش فلان ويسقط علان، كنّا مرتاحين أيّام الإنجليز من هذه الدوشة، وبالفعل يمر بنا جمع من النّاس في لوري قديم وهم يهتفون عاش الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي، هل هؤلاء النّاس الذين يطلق عليهم (الفلاحون) في الكتب؟ لو قلت لجدي إنّ الثورات تصنع باسمه، والحكومات تقوم وتقعد من أجله؛ لضحك.
الفكرة تبدو شاذة فعلاً.
كما أنّ حياة مصطفى سعيد وموته، في مكان مثل هذا، يبدو شيئاً صعباً تصديقه”انتهى.
١- لطيب صالح، موسم الهجرة الى الشمال، دار العودة، بيروت، طبعة 1987.
٢- جورج طرابيشي، موسم الهجرة إلى الشمال أو الجغرافيا التي قلبت معادلة التاريخ، فصل بكتاب: (غرب وشرق، رجولة وأنوثة – دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية) دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1982٣- يمنى العيد، زمن السرد الروائي في انتاجه دلالات التملك للوطن في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، فصل بكتاب: (في معرفة النص) دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة 1985٤- عبد المنعم عجب الفيا، في عوالم الطيب صالح، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى 2010٥- عبد المنعم عجب الفيا، في الأدب السوداني الحديث، دار نينوى، دمشق، الطبعة الأولى 2011.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك