على وقع الأزمة المتصاعدة في مضيق هرمز، وما تسببت به من تعطّل لإمدادات الطاقة وتضرر خطوط النقل البحري، وربما الجوي، تبرز خطوة سعودية - تركية تهدف إلى إيجاد مسارات بديلة قد تسهم في تخفيف الضغوط على اقتصادات المنطقة والعالم.
ومن أنقرة إلى الرياض، يُفتح فصل جديد من التعاون في مجالي النقل والخدمات اللوجستية.
فقد أعلن وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو رؤية جديدة لمشروع" سكة حديد الحجاز الحديثة"، الذي يسعى إلى إحياء الخط التاريخي وتعزيز الربط الإقليمي بين آسيا والشرق الأوسط وصولًا إلى الأسواق العالمية.
وتشمل المرحلة الأولى من المشروع ربط تركيا بمدينة حلب السورية، على أن يمتد عبر خط حلب - دمشق - الأردن القائم حاليًا، وسط استمرار المباحثات بين الأطراف المعنية ودول المنطقة.
ويُظهر المسار المقترح انطلاق الخط من اسطنبول مرورًا بتركيا وسوريا والأردن والسعودية وصولًا إلى سواحل الخليج، في محاولة لتجاوز التحديات المرتبطة بمضيق هرمز وتوفير منفذ استراتيجي جديد للتجارة والنقل.
تخفيف الاعتماد على مضيق هرمزوفي هذا الإطار، يقول محرر الشؤون الاقتصادية في التلفزيون العربي، علي قيسية، إن أهمية الاتفاقية تكمن في أنها جاءت بعد زوال إحدى أبرز العقبات التي حالت دون تنفيذ مشاريع الربط الإقليمي خلال السنوات الماضية، والمتمثلة في الظروف التي شهدتها سوريا منذ عام 2010.
وأضاف أن المشروع يجمع دولتين من أعضاء مجموعة العشرين، هما تركيا والسعودية، ولكل منهما مصالح اقتصادية واسعة.
فتركيا تسعى إلى الوصول إلى أسواق الشرق الأوسط والحصول على مصادر الطاقة، بينما كانت الأحداث في سوريا تعرقل وصولها إلى أسواق دول الخليج، ما اضطرها إلى الاعتماد على مسارات بحرية أطول عبر البحر المتوسط والبحر الأحمر.
وأوضح أن الأمر ذاته ينطبق على السعودية، وكذلك على الأردن الذي كان يعتمد على الأراضي السورية لتصدير منتجاته الزراعية الشتوية إلى أوروبا عبر تركيا.
وقد أدى تعطل هذه المسارات إلى إعاقة حركة التجارة الإقليمية لسنوات.
ماذا عن خطط نقل النفط والغاز؟وأشار قيسية إلى أن المشروع ينسجم مع الاستراتيجية السعودية للنقل والخدمات اللوجستية، التي تهدف إلى تعزيز موقع المملكة كمركز عالمي للنقل والتجارة.
كما سيسهم في تسهيل وصول الصادرات السعودية إلى الأسواق الأوروبية، وفي المقابل يتيح للأسواق الأوروبية الوصول إلى منطقة الخليج والأسواق المجاورة.
وفي ما يتعلق بالطاقة، أوضح أن المشروع لا يتضمن حاليًا خططًا لنقل النفط أو الغاز، لأن ذلك يتطلب إنشاء بنية تحتية خاصة من الأنابيب ومنشآت الشحن والتأمين.
لكنه يركز بالدرجة الأولى على نقل البضائع والسلع والأفراد، ما قد يخفف من آثار أي اضطرابات محتملة في حركة التجارة عبر مضيق هرمز.
وأضاف أن دول الخليج قد تفكر مستقبلًا في مشاريع موازية لنقل الطاقة عبر مسارات بديلة، على أن تمر هذه المشاريع عبر السعودية أو العراق أو الأردن، بحسب طبيعة كل مشروع.
وفي السياق نفسه، أشار إلى أن العراق يمتلك مشروع" طريق التنمية" بالشراكة مع تركيا، وهو مشروع منفصل، إلا أن التكامل بينه وبين مشروع سكة حديد الحجاز قد يكون واردًا في المستقبل.
ومن الجانب الاقتصادي، ترى السعودية في المشروع فرصة لتعزيز جهودها الرامية إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على عائدات الطاقة، عبر الاستثمار في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والسياحة.
أما على الصعيد السياحي، وفق قيسية، فإن إحياء خط الحجاز يحمل أبعادًا تتجاوز النقل التجاري.
فالخط التاريخي كان في الأصل وسيلة لنقل الحجاج والمسافرين، وإعادة تشغيله قد تسهم في تنشيط السياحة الدينية والسياحة الإقليمية، خصوصًا في ظل الاستثمارات الضخمة التي تضخها المملكة في هذا القطاع.
صناعات وخدمات لوجستية وأسواق جديدةكما أن الربط مع تركيا يفتح المجال أمام مواطني دول آسيا الوسطى المسلمة للوصول بسهولة أكبر إلى الأراضي المقدسة لأداء الحج والعمرة، في وقت تشهد فيه المملكة توسعًا مستمرًا في البنية التحتية للحرمين الشريفين، إلى جانب تسهيلات متزايدة في إجراءات التأشيرات.
ومن المتوقع أن يؤدي المشروع إلى نشوء صناعات وخدمات لوجستية وأسواق جديدة على طول مساره، سواء في قطاع التجزئة أو التجارة أو النقل، ما ينعكس إيجابًا على المدن والمناطق التي يمر بها.
ويرى قيسية أن المستفيد الأكبر قد يكون سوريا، التي تسعى إلى تجاوز أزماتها الاقتصادية واستعادة دورها كممر تجاري إقليمي، إضافة إلى الأردن الذي يمتلك مناطق زراعية مهمة، ولا سيما منطقة الغور، القادرة على استعادة وصولها إلى الأسواق الأوروبية والخليجية عبر هذا المسار.
ويختم بالقول إن المنطقة التي يمر بها المشروع كانت على الدوام محورًا استراتيجيًا للقوى الكبرى عبر التاريخ، نظرًا لموقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين القارات والأسواق العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك