وكالة الأناضول - ترامب يتوعد إيران بهجمات جديدة وشديدة CNN بالعربية - رئيس إيران: تهديد واشنطن باستهداف البنى التحتية الحيوية يظهر "عجزًا" سكاي نيوز عربية - القهوة الساخنة والمثلجة CNN بالعربية - ترامب يقلل من أحدث مؤشر لارتفاع الأسعار الجزيرة نت - رويترز: إنتاج أوبك عند أقل مستوى منذ عام 2000 يني شفق العربية - سفير أمريكي يلوح بهجوم وشيك على إيران وترامب يتوعد بضربة شديدة فرانس 24 - دورة كوينز: إصابة مبوكو تهدد مشوار سيرينا وليامس بالتوقف مبكرا فرانس 24 - أوروبـا:لا تهاون مـع عنف الـمـستوطنين - حدث اليوم - فرانس 24 يني شفق العربية - أبو صفية يطالب الاحتلال بالإفراج الفوري من داخل زنزانته الجزيرة نت - من هاطاي إلى دمشق وبيروت.. أردوغان يعيد رسم حدود الأمن التركي في مواجهة إسرائيل
عامة

كرة القدم والحق في المقهى والمدينة

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

أبحث عن مقهى هادئ من هذا الحي المُكتظ بالمقاهي، أمشي من شارع إلى شارع لعلّي أجده كالظلّ في زاوية ما، خارج هذه الحمى الجماعية. مقهى مريح بلا شاشة كبيرة، بلا عرض لهذا الجموح الكروي الذي لا ينتهي. . ففي ...

أبحث عن مقهى هادئ من هذا الحي المُكتظ بالمقاهي، أمشي من شارع إلى شارع لعلّي أجده كالظلّ في زاوية ما، خارج هذه الحمى الجماعية.

مقهى مريح بلا شاشة كبيرة، بلا عرض لهذا الجموح الكروي الذي لا ينتهي.

ففي كلّ مقهى تُنصب عين واسعة من البلازما، واسعة أكثر ممّا ينبغي.

مفتوحة بلا كلل، ولا ملل، وبأشدّ ما يكون من الشغف الجنوني بالمستطيل الأخضر، مع صوت المُعلّق الزاعق بالأسلوب المُحاكي ذاته، وهو يلاحق تدحرج الكرة على العشب مُحاولاً رفعها إلى لغة حماسية فقدت فتنتها الأولى من كثرة الاستعمال حدّ الابتذال.

لا يتعلّق الأمر بحدث كروي عابر، بل إنّه عرض يومي مداوم.

فمن الدوريات إلى الكؤوس، ومن كؤوس السوبر إلى دوري الأبطال، ومن البطولات المحلية إلى القارية ثم العالمية، تنسلُّ المباريات، الواحدة تلو الأخرى.

لا شيء يوقف، ولو يوماً واحداً، هذا الهوس المُعلن بساحرة صنعت جاذبيتها من براعة التمريرات وأهداف الشباك، كما لا ينتهي الأمر عند حياكة الفضول تجاه سوق التنقلات وأخبار نجومها الكبار.

أبحث عن مقهى خارج هذا السياق، ثم سرعان ما أُصاب بالخيبة ذاتها مع إحساس بالغبن وبالطرد من عالم لم يعد يسع أمثالي ممّن يبحثون عن حياة بمنأى عن هذا الصخب، فتسلّمني الخطوات إلى الحديقة الصغيرة.

وفي هذه المساحة المُخضرّة أيضاً، يعلو صياح الصبية والكرة تُتقاذف بين أرجلهم.

أفكّر: للحقيقة وجهان؛ إذ لا تزال وهي تتدحرج هنا، من قدم إلى قدم، نظيفة وبريئة، أقرب إلى الشِّعر وفرح الطفولة؛ عكس المقاهي حيث أضحت أفيوناً شائعاً يتعاطاه المرتادون بحثاً عن عدوى الفرح الجماعي، عن ملهاة خارج مأساة الواقع المر، وثقل الفقر، ووجع الحياة.

في كلّ مقهى تُنصب عين واسعة من البلازما، واسعة أكثر ممّا ينبغيوبدافع من الحنين أتساءل أيضاً وأنا أحدّقُ في البعيد: أين ذهبت مقاهي الأمس؟ تلك التي لم تكن تسمع فيها سوى أزيز عصارة القهوة، ووشوشات هنا وهناك عن قصص الحبّ، عن اليومي، وأحاديث في الأدب والفلسفة والسياسة.

مقاهي الزمن الجميل، تلك التي كانت قادرة أحياناً على أن تصنع من مرتاديها عشاقاً وشعراء ملهمين، وثوّاراً مُتقدين حماسة، وسياسيين بارزين.

مقاهي على مقاس تلك المقولة الإنكليزية التي يفهمها جيّداً رجال المخابرات: " حين كانت الحانات تبيع البهجة النعسانة، كان مُحمِّصو القهوة يحضِّرون فتنة مشتعلة".

لا تكتفي الكرة باعتراض لحظة صفاء أمام فنجان قهوة، بل تعترض طريقي أيضاً؛ تحاصرني وتجبرني على الرجوع أو تغيير المسار والدخول عنوة في متاهة.

لقد رُفع سيركها الهائل في طريقي: ملعب" الأمير مولاي عبد الله".

أسرع الملاعب التي شُيّدت في العالم وفقاً لمعايير الاتحاد الدولي لكرة القدم.

بمظهر معدني مستدير كصحن خرافي طائر، انبجس هكذا فجأة، بكلفة باهظة قُدِّرتْ بنحو 530 مليون دولار؛ في بلد ما زال يفترش فيه المرضى أرض المستشفيات المُكتظة، ويقف عاجزاً عن تعويض كلّ ضحايا زلزال الحوز الأخير من سكان الأرياف.

لا شيء يوقف، ولو يوماً واحداً، هذا الهوس المُعلن بساحرة صنعت جاذبيتها من براعة التمريرات وأهداف الشباكنتجه في طريقنا إلى مركز مدينة الرباط، ثم فجأة وبلا توقّع، تختنق حركة السير بشكل مزعج، ويرتفع معها مستوى الأدرينالين.

يأتي كلّ هذا بعد معاناة مع أزمة النقل الطارئة، إذ تتجاهل الحافلات محطّات وقوفها المعتادة، تغيّر خطوط سيرها، وتأنف عن حمل ركابها إلى أعمالهم وشؤونهم اليومية حتى تتفرّغ لنقل جحافل من المشجّعين بالمجان لملء المدرّجات الواسعة.

ينقلب محيط المكان إلى حالة من الاستنفار الأمني من الدرجة القصوى.

مئات من رجال الشرطة والقوات المساعدة، وحشود بشرية تأتي من كلّ حدب وصوب مثل النمل.

تتعطّل مشاغلنا وتدور عقارب ساعاتنا في وقت ضائع من أجل" لعبة" تضغط بكلّ ثقلها السياسي والإعلامي والمالي على حياتنا الصغيرة.

تستحوذ، وتتضخم كالشمس وتبتلع المدينة.

أشاهد الكرة خارج الملعب، كيف تُغيّر وجه الحياة في العاصمة.

كيف تهمّشُ وجودي لتفرض إيقاعها المُمل.

ثم كيف تصنع معارك، شتائم، انفعالات، شجارات، هُويّات قاتلة.

كيف تكون امتداداً للنزعات القومية، وكيف أمكنها أن تتحوّل من مجرّد لعبة فظّة للرعاع يعاقب عليها ملوك الإنكليز بسبب ما تخلّفه من فوضى وضحايا إلى لعبة ناعمة، ممتعة، جديرة باللعب والمتابعة، والحبّ.

أنيقة، جميلة، ثمّ مجمّلة حدّ البشاعة بيد مافيات القمار والشركات ورجال السياسة.

متغطرسة، قادرة بسحرها الأعمى على صرف الانتباه عن القضايا الجوهرية، وتعبئة الجموع ضدّ الجموع، وضد حقّ الفرد في المقهى والمدينة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك