عمان- أصوات أطفال تبعث الحياة في صباحات الأحياء والحارات، وفي باحات المدارس، وصوت تبادلهم الأدوار في اللعب، الذي لم يكن يوما ترفا للأطفال، بل حاجة ماسة لنموهم وقدرتهم على تعلم المهارات الحياتية؛ منذ كانت الفتاة تلعب دور الأم، والطفل دور الشرطي.
وسواء أكانت الألعاب ذهنية أم يدوية تقليدية أم إلكترونية، فإنها جميعا تصب في عالم واسع من التحديات الترفيهية التي تبدأ بتهيئة الطفل لفترة شبابه وحتى كبره.
وقد تكون طبيعة الألعاب التي يمارسها الطفل من العوامل التي تحدد مستقبله المهني والاجتماعي، وتؤثر بشكل مباشر على نموه النفسي والسلوكي، لذا لا يمكن إغفال أهميتها مهما بدا اللعب بسيطا في تفاصيله.
اضافة اعلانأهمية اللعب بوصفه حقا أساسياولأهمية اللعب في حياة الإنسان، التي تبدأ منذ خطواته الأولى، خصص يوم دولي للاحتفاء باللعب والتوعية بأهميته، حيث يحتفل العالم في الحادي عشر من حزيران باليوم العالمي للعب تحت شعار" احموا اللعب.
احموا الطفولة"، تأكيدا على أهمية اللعب بوصفه حقا أساسيا لكل طفل، ودوره المحوري في النمو النفسي والاجتماعي والعاطفي والمعرفي.
وتؤكد منظمات دولية، من بينها UNICEF، أن اللعب لا يقتصر على التسلية والترفيه، بل يعد وسيلة أساسية للتعلم واكتساب المهارات الحياتية، كما يساعد الأطفال على بناء العلاقات الاجتماعية، وتعزيز الإبداع والقدرة على حل المشكلات، وتنمية الثقة بالنفس والمرونة النفسية.
وبمناسبة هذا اليوم، كانت المديرة التنفيذية لليونيسف Catherine Russell قد صرحت بأن" اللعب يمنح الأطفال شعورا بالأمان والرعاية والمحبة، ويساعدهم على عيش طفولتهم حتى في أوقات الأزمات والظروف الصعبة"، عدا عن بيان الأمم المتحدة الذي يؤكد أن" التعلم القائم على اللعب من الأساليب التربوية الفاعلة التي تجعل العملية التعليمية أكثر متعة وارتباطا بحياة الأطفال، وتسهم في ترسيخ المعلومات وتعزيز دافعية التعلم لديهم".
اللعب يوفر مساحة للتعبير عن الخيال والإبداعوشدد البيان على أن" اللعب يوفر مساحة للتعبير عن الخيال والإبداع، وهما من المهارات الضرورية في عالم يقوم على الابتكار والتكنولوجيا، وتبرز أهميته بشكل أكبر في أوقات الأزمات والنزاعات، إذ يشكل متنفسا آمنا للأطفال، ويساعدهم على التكيف مع الضغوط والتجارب الصعبة، ويعزز شعورهم بالطمأنينة والاستقرار النفسي".
وبمناسبة هذا اليوم أيضا، أطلقت مجموعة من الدراسات المتعلقة باللعب وأهميته ومدى تأثيره على حياة الأطفال، وتضمنت تلك الدراسات مجموعة من الأرقام الإحصائية، من بينها أن 71 % من الأطفال يرون أن اللعب مهم لأنه يجعلهم أكثر سعادة، فيما يؤكد 58 % منهم أنه يساعدهم على تكوين الصداقات وقضاء أوقات ممتعة مع الآخرين.
في المقابل، تكمن الخطورة في رقم يستدعي اهتمام الجهات الأهلية والرسمية في العالم أجمع، إذ تشير الدراسات إلى أن نحو 160 مليون طفل حول العالم يعملون بدلا من اللعب أو التعلم، ما يعني احتمال نشوء أجيال تحرم من مرحلة أساسية في حياتها، ولا تعيش تفاصيل الطفولة كما ينبغي.
وتشير هذه الأرقام إلى أن اللعب لا يعني فقط قضاء وقت عابر في حياة الأطفال، بل يرتبط بشبكة كاملة من العوامل والمؤثرات التي تسهم في تنشئة طفل سوي ومتوازن، أو قد تؤثر سلبا في قدرته على مواجهة تحديات الحياة التي تبدأ منذ سنواته الأولى.
وفي هذا السياق، يقول مستشار الطب النفسي الدكتور وليد سرحان لـ" الغد" إن اللعب في حياة الطفل ليس نشاطا ثانويا أو مجرد وسيلة للتسلية، بل يعد حاجة أساسية من حاجات النمو النفسي والعقلي والاجتماعي.
فالطفل لا يتعلم فقط من خلال التوجيه والتعليم المباشر، وإنما يكتسب جزءا كبيرا من خبراته ومهاراته عبر اللعب، الذي يشكل مساحته الطبيعية للتعبير والاستكشاف والتعلم.
تعزيز الانتباه والذاكرة والمرونة النفسيةوأوضح سرحان أن اللعب يمثل من منظور نفسي وسلوكي، اللغة الأولى للطفل، فمن خلاله يعبر عن مشاعره المختلفة كالفرح والخوف والغضب والغيرة والقلق، وقد يكشف أثناء اللعب عن أفكار أو مشاعر لا يستطيع التعبير عنها بالكلمات.
كما يسهم اللعب في تنمية الخيال والقدرة على التفكير وحل المشكلات، ويعزز الانتباه والذاكرة والمرونة النفسية لدى الطفل.
ولا تقتصر أهمية اللعب على اللعب الفردي، كما يحدث حاليا مع الانفراد بالأجهزة الذكية، بل يشير سرحان إلى أن الفائدة تكون أكبر من خلال اللعب الجماعي، الذي يسهم في بناء شخصية الطفل، وتعليمه الانتظار واحترام الدور والمشاركة والتعاون وتقبل الخسارة والتفاوض وضبط الاندفاع، وهي مهارات اجتماعية وسلوكية أساسية يحتاجها الطفل في حياته اليومية وعلاقاته المستقبلية.
اللعب يعد أحد الحقوق الأساسية للأطفالمن جانبها، تتفق اختصاصية الإرشاد النفسي السلوكي والتربوي الدكتورة سعاد غيث مع سرحان في أن اللعب يعد أحد الحقوق الأساسية للأطفال، وليس مجرد وسيلة للترفيه أو قضاء وقت الفراغ، إذ يتجاوز كونه نشاطا ممتعا ليشكل ركنا أساسيا في النمو النفسي والتربوي والاجتماعي للطفل.
كما أشارت غيث إلى أن الدراسات المتخصصة في سيكولوجية الطفولة أولت اللعب اهتماما كبيرا، إلى درجة وجود فرع مستقل في علم النفس يعرف بـ" علم نفس اللعب"، وذلك لما يمثله اللعب من وسيلة طبيعية يعبر الطفل من خلالها عن مشاعره وانفعالاته، ويكتشف العالم من حوله، ويتعلم مهارات جديدة بطريقة تلقائية.
وأضافت أن اللعب يشكل البيئة الطبيعية التي يتعلم من خلالها الطفل، ويسهم في بناء شخصيته وتنمية قدراته المعرفية والانفعالية والاجتماعية والأخلاقية.
وفي الجانب المعرفي، تقول غيث إنه يساعد على تنمية المهارات اللغوية وتطوير هذه القدرات بصورة تلقائية، فيما يمكن توظيف بعض الألعاب بشكل مقصود ومخطط له لتحقيق أهداف تعليمية وتربوية محددة.
البيئات التفاعلية المخصصة للأطفالوتلفت غيث إلى أهمية البيئات التفاعلية المخصصة للأطفال، مثل المتاحف التعليمية والألعاب الاستكشافية، التي تتيح لهم التعرف إلى مجالات متعددة كالعلوم والحيوانات والفضاء والثقافات المختلفة، الأمر الذي قد يسهم في تشكيل اهتماماتهم وطموحاتهم المستقبلية.
عدا عن دور ذلك في الحياة الاجتماعية، إذ يعد اللعب نشاطا اجتماعيا يوفر لهم فرصا حقيقية للتفاعل مع الآخرين، ويتعلمون من خلاله التعاون والعمل الجماعي وتنمية مهارات التواصل اللفظي وغير اللفظي.
وفي السياق ذاته، يؤكد سرحان أن اللعب يؤدي دورا مهما في تعزيز الصحة النفسية للأطفال، ويمنحهم شعورا بالأمان والحرية والقدرة على المبادرة والاستكشاف.
فالطفل أثناء اللعب يتعلم التجربة والمحاولة والخطأ والتعلم من الفشل دون خوف أو قلق مفرط، ما يسهم في بناء ثقته بنفسه وتطوير قدرته على التعامل مع التحديات المختلفة.
كما بين أن هذه الخبرات اليومية البسيطة والمتكررة تساعد الطفل على تنظيم انفعالاته والتخفيف من مستويات التوتر والضغط النفسي، الأمر الذي يجعل من اللعب عاملا وقائيا مهما في الحفاظ على الصحة النفسية للأطفال، خاصة عندما يكون متوازنا وآمنا ومناسبا لمرحلتهم العمرية.
قيم المشاركة والتعاون وتحمل المسؤوليةفي حين تشير غيث إلى أن الألعاب الجماعية وألعاب التمثيل والأدوار، التي يجسد فيها الأطفال شخصيات ومواقف مختلفة، تسهم في غرس قيم المشاركة والتعاون والعدالة وتحمّل المسؤولية، بما يساعد على بناء شخصية متوازنة وقادرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع.
لكن غيث تتحدث أيضا عن تحديات تواجه الأطفال في الوقت الحاضر، تتمثل في الإفراط في استخدام الشاشات والأجهزة الذكية، التي تحد من فرص اللعب الحر والحركي، إلى جانب ازدحام جداول الأطفال بالواجبات الدراسية والأنشطة المختلفة، الأمر الذي يقلل من الوقت المخصص للعب ويؤثر في نموهم النفسي والاجتماعي.
تقليص فرص اللعب التفاعلي ينعكس على الأطفالوهذا أيضا ما حذر منه سرحان، إذ يرى أن تقليص فرص اللعب الواقعي والتفاعلي ينعكس سلبا على المهارات الاجتماعية والانفعالية للأطفال وعلى صحتهم النفسية والسلوكية، فقد يصبح الطفل أكثر توترا وعصبية، وأقل قدرة على التعبير عن مشاعره والتفاعل الاجتماعي السليم مع الآخرين، نتيجة غياب التوازن بين مختلف احتياجاته.
ولكون الطفل يقضي وقتا طويلا في المدرسة، تؤكد غيث أهمية دور الأسرة والمدرسة في إعادة الاعتبار للعب بوصفه وسيلة أساسية لبناء الإنسان، من خلال توفير أوقات كافية للعب الحر والمنظم، وتشجيع الأنشطة الحركية والتفاعلية، وتنظيم استخدام الأطفال للشاشات والأجهزة الإلكترونية، وإتاحة الفرصة لهم للتفاعل مع أقرانهم في بيئات آمنة وتحت إشراف الكبار.
كما يمكن للمدارس تبني إستراتيجيات التعلم من خلال اللعب، وإتاحة فرص أكبر للحركة والنشاط والتفاعل داخل البيئة الصفية وخارجها، كون اللعب لا يتعارض مع التعلم، بل يعد شريكا أساسيا له، وأن التعلم الأكثر عمقا واستدامة لدى الأطفال يحدث عندما يقترن بالمتعة والاستكشاف والمشاركة الفاعلة.
حق الطفل باللعب هو حماية لطفولته وصحته النفسيةكما دعا سرحان إلى أهمية مشاركة الأسر في بعض الأنشطة والألعاب مع أطفالهم، لما لذلك من أثر إيجابي في تعزيز الروابط الأسرية ودعم النمو النفسي السليم، مؤكدا أن" حق الطفل في اللعب هو حماية لطفولته وصحته النفسية، وأفضل إعداد له لبناء علاقات إنسانية صحية في المستقبل، وهو حاجة أساسية في حياته، وليس مجرد مكافأة مؤقتة أو نشاط يمكن الاستغناء عنه بعد الانتهاء من الواجبات والالتزامات اليومية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك