في بلد تمتد سواحله على مسافة 1300 كيلومتر، ويعد نشاط الصيد البحري فيه من أقدم الأنشطة الاقتصادية، لم تعد الأسماك تحضر على موائد التونسيين بالقدر الكافي، حيث يحوّل الغلاء منتجات البحر إلى غذاء عصيّ على طيف واسع من المواطنين.
لطالما شكلت بعض أنواع الأسماك، ولا سيما الشعبية مثل السردين والماكريل، بديلاً غذائياً منخفض الكلفة للعائلات التونسية محدودة الدخل، خصوصاً في المدن الساحلية؛ حيث وفرت هذه الأصناف لعقود مصدراً أساسياً للبروتين الحيواني بأسعار أقل من اللحوم الحمراء والدواجن، ما جعلها حاضرة بشكل شبه يومي على موائد آلاف الأسر.
غير أن الارتفاع المتواصل للأسعار خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تآكل هذه الميزة التاريخية، حيث أصبحت العديد من العائلات عاجزة عن اقتناء الكميات نفسها التي كانت تستهلكها سابقاً، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار مختلف المواد الأساسية.
وأظهرت بيانات رسمية أن أسعار السمك الطازج ارتفعت خلال عام 2025 بنسبة تجاوزت 13%، بينما زادت الأسعار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي بنسبة 11.
9%.
وتقول زينب علوي (موظفة وأم لثلاثة أطفال) لـ" العربي الجديد"، إن السمك كان يمثل الوجبة الرئيسية لعائلتها مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً، لكن الأمر تغير كثيراً خلال الفترة الأخيرة.
وتضيف: " كنا نشتري السردين بأسعار معقولة، لا تتجاوز 4 دينارات للكيلوغرام (1.
5 دولار)، أما اليوم، فأصبح ثمنها مرتفعاً مقارنة بدخل الأسرة؛ إذ يصل إلى 12 ديناراً (4 دولارات)، ما يضطر الأسر إلى تقليص استهلاكها مثل بقية المواد الغذائية".
وتشير علوي إلى أن ارتفاع أسعار الأسماك لم يعد يختلف كثيراً عن غلاء اللحوم، قائلة: " في السابق، عند ارتفاع أسعار اللحوم، كنا نتجه إلى السمك.
أما اليوم، فأصبح الاختيار بينهما صعباً، لأن الفارق في الأسعار تقلص كثيراً".
وأضافت: " يقلص الغلاء إمكانية الوصول إلى الأسماك بأسعار مناسبة، ما يدفع الأسر إلى البحث عن بدائل غذائية أقل جودة من الناحية الصحية، أو إلى تقليص استهلاك البروتين الحيواني عموماً، وهو ما قد تكون له انعكاسات غذائية واجتماعية على المدى الطويل".
وتعد تونس من أهم منتجي الأسماك والمنتجات البحرية في المنطقة المتوسطية، حيث تصل منتجاتها إلى أكثر من 40 سوقاً عالمية، وفق بيانات رسمية للمرصد الوطني للفلاحة (حكومي).
ويبرر بائع الأسماك في السوق المركزية بالعاصمة تونس، فتحي العبيدي، أسباب الارتفاع اللافت في أسعار الأسماك بنقص المعروض وتصحر المياه نتيجة التغيرات المناخية في البحر الأبيض المتوسط، الذي يعد أهم رافد لمكامن الأسماك في سواحل تونس.
وقال العبيدي في تصريح لـ" العربي الجديد"، إن التجار لا يستفيدون من ارتفاع الأسعار كما يعتقد البعض، موضحاً أن تراجع القدرة الشرائية أدى إلى انخفاض حجم المبيعات كثيراً.
وأوضح أن" الزبون يدخل السوق ويسأل عن الأسعار ثم يغادر دون شراء، أو يقتني كميات صغيرة جداً.
صحيح أن الأسعار ارتفعت، لكن حركة البيع تراجعت كثيراً مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات".
ويضيف أن العديد من التجار يواجهون بدورهم ارتفاعاً في تكاليف النقل والتبريد والحفظ، فضلاً عن تذبذب الكميات الواردة إلى الأسواق، ما يجعل التحكم في الأسعار أمراً صعباً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك