حطت مكتبات الرصيف أخيراً، رحالها، عند السور الشرقي للمتحف الوطني، بصفة" استقرار مؤقت"، ريثما يتم تخصيصها بطريق أو جسر، أو ردهةٍ لا تعيق فيها أقدام المارة، ولا تسيء للمشهد البصري، في مدينة أثخنتها البسطات.
هكذا اصطفّ خير جليسٍ، ضمن أرتال عشوائية، لا تراعي عناوين الكتب واختصاصاتها أو سنوات إصدارها، لأن أمر الإخلاء وارد في أية لحظة، تبعاً لما قالته محافظة دمشق، لباعة الكتب.
وكجزء من المشهد، تجري على الرصيف المقابل، عمليات كرّ وفرّ يومية، بين دوريات المحافظة، وأصحاب بسطات الأحذية والألبسة، الذين يفرشون بضاعتهم فوق شوادر يسهل ضبها بسرعة، إذا ما صرخ أحد الباعة محذراً: " محافظة"، أي أن شاحنة الدورية، تتجه نحو مصادرة البسطات، بحسب ما رصد موقع تلفزيون سوريا.
بيع المكتبات الخاصة يظهر حال الثقافةالمتابع لأحوال مكتبات الرصيف، يكتشف بسرعة أن دفعة جديدة من الكتب المستعملة، انضمت حديثاً لقافلة المعروضات.
ونسأل صاحب إحدى البسطات، إن كان وَرَثَةُ أحد الكتّاب قد باعوا مكتبته المنزلية، أو ربما بعض القراء، تخلوا عن عناوينهم القديمة، لصالح كتب أخرى؟
ويؤكد صاحب بسطة الكتب، أن مورده يعتمد على مكتبات المنازل، التي يتوفّى أصحابها، أو الأشخاص المهاجرين خارج البلد الذين لا يمكنهم حمل الكتب معهم.
لكن ازدحام عناوين كتب اليسار المعروضة للبيع، يشير بشكل ما، إلى الثقافة الرائجة حالياً، حيث تتربع كتب الفقه والتفسير على الرفوف في الأعلى، أما على الأرض فتتكىء كتب الماركسية واللينينية إلى جانب كتب الفلسفة والنقد الأدبي.
ويبرر صاحب مكتبة الرصيف وضع الكتب الكلاسيكية الدينية في الواجهة، بازدياد الطلب عليها من قبل الزبائن، ويقول: " هذه أحوال السوق الثقافية اليوم، ونحن هدفنا البيع بغض النظر عن العناوين".
خلف الأغلفة القديمة.
قصص موازية لمواضيع الكتبلكن العبارات التي تركها القراء، على الصفحات الأولى بعد أغلفة الكتب، تؤكد أن للكتب عائلات، كانت تنتمي إليها، قبل أن يتم إحضارها إلى هنا.
إنها التواقيع وعبارات الإهداء، وخربشات الأطفال الذين رسموا على كتب آبائهم خطوطاً وعلامات غامضة.
وللحصول على إجابات سأل موقع" تلفزيون سوريا"، باعة البسطات، عن أصحاب الكتب الحقيقيين.
من هم وأين يسكنون؟ هل مروا بضائقة مالية حتى باعوا مكتباتهم؟ أم أنهم رحلوا منذ أمد بعيد، وباتت كتبهم عبئاً على رفوف الصالون وسقائف البيوت؟
لكن أسرار المهنة، لا تسمح لصاحب البسطة بفضح المستور، وفي بعض الأحيان، لا يكون البائع، هو مالك البسطة وعارف أسرارها ومواردها الأساسية.
نتنفس الصعداء، ونحن نفتش أغلفة الكتب وصفحاتها الأولى، ونرجو من البائع الاتصال بنا، إذا جاءته دفعة جديدة من الكتب القديمة، المختصة بالترجمات الأجنبية والنقد الأدبي ودواوين الشعر الصادرة في السبعينيات والثمانينيات.
فيقول إن العديد من الزائرين طلبوا منه ذلك، ويسألنا عن سبب الاهتمام بهذه العناوين!
فنقول له، إنها قد تصبح عملة نادرة بعد حين!
تمثال" أسد اللات" التدمري يدير ظهره لمكتبات الرصيفشاءت المصادفة، أن تُخصص بسطات الكتب المستعملة، بالسور الشرقي للمتحف الوطني، حيث تمثال" أسد اللات" التدمري، الذي يحتضن حملاً وديعاً، وتحته عبارة تقول: " لن يُسفك دم في المعبد"، يبدو وكأنه يدير ظهره لمكتبات الرصيف، علامةً على عدم الرضا، عما آلت إليه أحوال الثقافة والكتب، عند أمة" اقرأ".
لكن المسنّ صاحب بسطة الكتب الجامعية، يردّ بأن تمثال" أسد اللات"، الناجي من عمليات تحطيم الآثار في تدمر، يستقر منذ زمن طويل هنا، ولا علاقة له ببسطات الكتب، ثم يستغرب محاولتنا أنسنة تمثالٍ مصنوع من حجر!
في المقابل، يبدو المشهد البصري المحيط بالمتحف الحربي، وبداية الحلبوني، يقدم إجابات للعديد من الأسئلة، بقدر ما يحمل من تناقضات.
فبدءاً من عبارة أسد اللات التدمري، المكتوبة بالآرامية السورية منذ آلاف السنين، إلى مشهد الكتب المستعملة، ومطبوعات الماورائيات، وعناوين كسب الثروة، وصولاً إلى مشهد الباعة الهاربين من دوريات المحافظة، وهم يحملون على ظهورهم، الشوادر المعبأة بالقمصان الأوروبية وأحذية التهريب.
تظهر سوريا وكأنها تقول كل شيء!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك