في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة واتساع نطاق الصراعات، يواجه العراق تحديات تتجاوز حدوده وقدرته على التأثير في مساراتها.
فقد أدّى التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى إدخال المنطقة مرحلة بالغة الحساسية، انعكست آثارها مباشرة على الأمن والاستقرار والاقتصاد، وقد تفضي إلى إعادة تشكيل ملامح النظام الإقليمي وتوازناته.
ومع تعطل الملاحة في مضيق هرمز وتزايد المخاطر التي تهدد خطوط التجارة والطاقة، امتدت تداعيات الأزمة إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.
ويضاعف تلك المخاطر على العراق، الذي يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على عائدات النفط والتجارة المرتبطة بالخليج العربي، ما يجعله أكثر عرضة للتأثر بأي اضطراب إقليمي طويل الأمد.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى تعزيز عوامل القوة الداخلية وترسيخ الشراكة الوطنية، ولا سيما بين بغداد وإقليم كوردستان، باعتبارها ركنًا أساسيًا لاستقرار الدولة.
فقد أثبتت التجارب أن استقرار العراق يرتبط إلى حد كبير بمستوى التعاون والتنسيق بين بغداد وأربيل، وأن حماية الأمن الوطني تبدأ من الداخل عبر توحيد الجهود لمواجهة المخاطر والتحديات، وإدارة العلاقات الإقليمية بما يخدم المصالح العليا للبلاد بعيدًا عن الانخراط في محاور قد تضع العراق أمام أعباء تفوق قدرته على التحمل.
كما تؤكد تطورات المنطقة أهمية إدارة الخلافات ضمن الأطر الدستورية والمؤسساتية، وترسيخ مبادئ الشراكة والتكامل بين المؤسسات الاتحادية ومؤسسات إقليم كوردستان.
فكلما تعزز التعاون والتنسيق بين الجانبين، بعيدًا عن القطيعة والانقطاع، ازدادت قدرة الدولة على التعامل مع التحديات التي تفرضها البيئة الإقليمية المتغيرة.
وبالرغم من عقود من الحروب والتهميش والسياسات المدمرة، نجح إقليم كوردستان في تطوير تجربته السياسية والمؤسساتية واكتساب خبرات مهمة في إدارة الأزمات والتعامل مع المتغيرات المعقدة.
وقد تجلى ذلك في دوره الفاعل بدعم استقرار العراق من خلال المشاركة في مكافحة الإرهاب، وتهيئة مساحات للحوار بين مختلف الأطراف، والإسهام في الحفاظ على التوازنات السياسية والأمنية ضمن إطار الدولة.
كما تعكس الزيارات المتبادلة بين بغداد وأربيل، ولا سيما زيارات رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني ورئيس حكومة الإقليم السيد مسرور بارزاني إلى بغداد، أهمية التواصل السياسي والمؤسسي في ظل التحديات الإقليمية المتسارعة.
وتؤكد هذه اللقاءات أن الحوار والتنسيق بين المؤسسات الدستورية يمثلان الخيار الأكثر فاعلية لمعالجة القضايا المشتركة وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بعيدًا عن سياسة الغلبة وفرض الإرادات التي تتبناها بعض التوجهات في ممارساتها، وتُعبِّر عنها بعض الشخصيات الرسمية عبر المنصات المختلفة.
ومن هذا المنطلق، تُعد كوردستان جزءًا أساسيًا من المنظومة السياسية والأمنية والاقتصادية للعراق، وتمتلك من المقومات ما يؤهلها لأداء دور محوري في تعزيز الاستقرار الوطني وترسيخ فرص الحوار والتنمية.
فاستقرار إقليم كوردستان واستقرار العراق وجهان لمعادلة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، إذ ينعكس أمن الإقليم وازدهاره وقوته إيجابًا على مجمل الواقع العراقي.
ولذلك، فإنَّ تعزيز مكانة كوردستان في إطار الدستور ومبادئ الشراكة الوطنية لا يخدم الإقليم وحده، بل يشكل ركيزة أساسية لأمن العراق واستقراره ومستقبله.
وفي زمن العواصف الإقليمية والتحديات المتشابكة، تبقى كوردستان رئة يتنفس منها العراق، ومصدرًا مهمًا للتوازن والاستقرار والأمل بمستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا لجميع العراقيين.
وهذا يؤكد أن قوة العراق لا تُقاس بحجم موارده وإمكاناته فحسب، بل بقدرته على توحيد عناصر قوته الداخلية واستثمارها بما يخدم الاستقرار والتنمية ويعزز وحدة البلاد ومصلحة شعبها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك