في كل مرة تُفتح فيها ملفات الملياردير المدان بجرائم الاتجار الجنسي والاغتصاب جيفري إبستين، تتكشف طبقة جديدة من العلاقات التي نسجها داخل أوساط النفوذ الأمريكية.
وفي مقال رأي مطول نشرته صحيفة نيويورك تايمز، سلط المحلل القانوني والمدعي الفيدرالي السابق أنكوش خاردوري الضوء على القصة الصادمة لكاثي روملر، التي شغلت منصب المستشارة القانونية للبيت الأبيض في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، وكيف تورطت في شبكة العلاقات المعقدة لجيفري إبستين.
list 1 of 2بين القنابل والتفاوض.
كيف قرأت الصحف الأمريكية إعلان ترمب بشأن إيران؟list 2 of 2السلاحف والأسماك.
الصين تلاحق أحدث جواسيس البحرويرى خاردوري أن قضية كاثي روملر تتجاوز كونها مجرد علاقة شخصية مع الملياردير الأمريكي الراحل، لتكشف عن أزمة أعمق داخل الثقافة المهنية لشركات المحاماة الكبرى في الولايات المتحدة.
إبستين تمكن على مدى سنوات من اختراق النخب السياسية والاقتصادية والأكاديمية عبر تقديم ما يحتاجون إليه من فرص وعلاقات ونفوذ، مستفيدا من ثروته وشبكة معارفه الواسعةوبدا من المستبعد أن تقع روملر في فخ إبستين، وهي التي عملت سابقا مدعية في قضايا الجرائم المالية ثم تولت مناصب رفيعة في وزارة العدل والبيت الأبيض.
ويشير الكاتب إلى أن إبستين تمكن على مدى سنوات من اختراق النخب السياسية والاقتصادية والأكاديمية عبر تقديم ما يحتاجون إليه من فرص وعلاقات ونفوذ، مستفيدا من ثروته وشبكة معارفه الواسعة.
لكن الرسائل الإلكترونية التي كُشف عنها ضمن ما يُعرف بملفات إبستين رسمت صورة مختلفة.
فقد تضمنت المراسلات عبارات ودية لافتة، ونقاشات حول محامي ضحايا إبستين، إضافة إلى إشارات إلى هدايا فاخرة تلقّتها روملر منه، شملت حقائب يد ومعطفا من الفرو، كما أظهر بعضها أنه عيّنها في مرحلة ما المُنفِّذة الاحتياطية لوصيته.
ويقول خاردوري إنه أجرى أول مقابلة معمقة مع روملر منذ ظهور هذه الوثائق، واستمرت أكثر من 3 ساعات على جلستين، ساعيا إلى فهم أسباب استمرار علاقتها بإبستين رغم إدانته عام 2008 بتهم تتعلق باستدراج قاصر لممارسة الدعارة.
وبحسب المقال، فإن روملر بررت تعاملها معه بأنها كانت تعمل في بيئة مهنية تعتمد بصورة كبيرة على بناء العلاقات وجذب العملاء.
فبعد مغادرتها البيت الأبيض عام 2014 وعودتها إلى شركة المحاماة العملاقة لاتام آند واتكينز، كانت مهمتها الأساسية تطوير الأعمال وجلب عملاء جدد للشركة.
وتروي روملر أن أول اتصال جمعها بإبستين جاء عندما عرض عليها ترتيب لقاء مع مؤسس مايكروسوفت، بيل غيتس، بشأن مشروع استثماري وخيري ضخم.
وسرعان ما وجدت نفسها تتناول الغداء مع الرجلين في فندق فور سيزونز في مانهاتن بنيويورك.
ويؤكد الكاتب أن معظم المحامين الكبار كانوا سيتخذون القرار نفسه في ظروف مشابهة، لأن المشروع المقترح كان يمكن أن يدر ملايين الدولارات من الأعمال القانونية على الشركة.
وتقول روملر إنها لم تتجاهل ماضي إبستين بالكامل، بل بحثت في ملف القضية واطلعت على تقييمات قانونية أقنعتها بأن الأدلة ضده لم تكن بالقوة التي صُورت لاحقا.
كما تأثرت برسالة كتبها أحد محاميه عام 2008 شككت في بعض عناصر القضية، إضافة إلى قناعتها بأن المدعين الفيدراليين كانوا قد فحصوا الأدلة بدقة قبل التوصل إلى اتفاق الإقرار بالذنب المثير للجدل.
وتنقل الصحيفة عنها قولها إنها لم تكن لتتعامل معه إطلاقا لو كانت تعرف الحجم الحقيقي لجرائمه، مضيفة: " لم أكن سأكون فعالة في عملي لو اتخذت موقفا يقضي بعدم مقابلة أي شخص أُدين أو اتُّهم بارتكاب جريمة".
ويرى خاردوري أن هذه العبارة تكشف جوهر المشكلة.
فالعلاقة لم تكن قائمة على الإعجاب الشخصي، بل على تبادل المنافع المهنية.
فقد كانت روملر تبحث عن العملاء والإحالات وفرص الأعمال، بينما كان إبستين يستفيد من ارتباطه بشخصيات مرموقة لتعزيز صورته واستعادة شرعيته داخل أوساط النخبة.
ويشير الكاتب إلى أن إبستين وصفها ذات مرة بأنها" نسوية متحمسة ومدافعة كبيرة عني"، في إشارة إلى القيمة الرمزية التي كانت تمثلها بالنسبة إليه.
فضيحة إبستين لم تُحدث تغييرا جوهريا في عالم النخب القانونية الأمريكية، وأن المشكلة الحقيقية تكمن في الحوافز والمؤسسات التي تتيح لأشخاص مثل إبستين العثور دائما على من يمنحهم الشرعية والحمايةورغم الانتقادات الواسعة التي تعرضت لها، يلفت خاردوري إلى أن كثيرا من المحامين المتخصصين في الجرائم المالية الذين تحدث إليهم أحجموا عن إدانتها بشكل قاطع، ليس دفاعا عن إبستين، بل لأن ما قامت به كان، في نظرهم، جزءا من الممارسات الاعتيادية داخل عالم المحاماة التجارية الكبرى.
وخلال المقابلات، أبدت روملر ندمها الشديد على ما حدث.
وقالت إنها شعرت بغضب وحزن طاغيين عندما تكشفت الحقائق الكاملة حول جرائم إبستين، مؤكدة أنها لو رأت أو سمعت أي مؤشر على استمراره في إيذاء النساء أو الفتيات لاتخذت إجراءات لوقفه.
كما دافعت عن نفسها أمام الاتهامات بأنها كانت متواطئة معه، معتبرة أن كثيرين وقعوا في فخ" التحيز بأثر رجعي"، أي الحكم على قرارات الماضي استنادا إلى معلومات لم تكن متاحة آنذاك.
شركات المحاماة الكبرى ما زالت تعمل بالآليات نفسها، وتعتمد على بناء العلاقات الشخصية واستقطاب العملاء من خلال شبكات النفوذ والتعارفومن أبرز اقتباساتها في هذا السياق قولها: " ما لم أُدركه آنذاك، وأندم عليه بعمق اليوم، هو أن إبستين استغلني، كما استغل كثيرين غيري، لإضفاء الشرعية على مكانته".
وفي ختام مقاله، يرفض خاردوري اختزال القضية في شخص روملر وحدها، معتبرا أن التركيز عليها لن يغير البنية التي سمحت لإبستين بالإفلات من المحاسبة لسنوات.
فشركات المحاماة الكبرى، بحسب وصفه، ما زالت تعمل بالآليات نفسها، وتعتمد على بناء العلاقات الشخصية واستقطاب العملاء من خلال شبكات النفوذ والتعارف.
ويخلص الكاتب إلى أن فضيحة إبستين لم تُحدث تغييرا جوهريا في عالم النخب القانونية الأمريكية، وأن المشكلة الحقيقية تكمن في الحوافز والمؤسسات التي تتيح لأشخاص مثل إبستين العثور دائما على من يمنحهم الشرعية والحماية الاجتماعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك