روسيا اليوم - وزير الخارجية الإيراني: نحن أقرب من أي وقت مضى للتوصل لمذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة القدس العربي - مجزرة سبايكر: استخراج رفاة 1250 ضحية… وإعدام أكثر من 70 متورطاً القدس العربي - العراق يكشف عن إحباط مخطط «بعثي» لاغتيال رئيس الأمن الوطني روسيا اليوم - الاستخبارات الأمريكية تكشف تمويل واشنطن أكثر من 120 مختبرا لأبحاث بيولوجية خطيرة منها 40 في أوكرانيا Euronews عــربي - كيف تساعد اليابان فيتنام على تعزيز قدرتها للصمود في وجه الكوارث القدس العربي - الفساد في العراق: ملف «حوت نفط جديد» على طاولة الزيدي DW عربية - إيران: اتفاق مع واشنطن لإنهاء الحرب بات أقرب من أي وقت مضى وكالة الأناضول - باريس تستضيف منتدى دولي لدعم حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الجزيرة نت - تنافس ثلاثي في الكنيست الإسرائيلي.. استطلاع يظهر تآكل موقع نتنياهو السياسي القدس العربي - حوار موريتانيا السياسي يتعثر بين عقدة المأموريات وتناقض الأجندات وانشغال السكان بتكاليف المعيشة
عامة

تشانغشا: حين تتحوّل الطمأنينة إلى سياسة مدينة

جريدة المغرب
جريدة المغرب منذ ساعتين
1

يومًا في إيجاد عمل كريم، ولا في امتلاك منزل، ولا في مطاردة مشروع يضمن البقاء أو يفتح باب النجاة من الغد؟ مدينة تُسند لك فيها الحياة منذ البداية، كأنها قررت مسبقًا تذليل أرقك على قوتك وقوت صغارك، أوكأن...

يومًا في إيجاد عمل كريم، ولا في امتلاك منزل، ولا في مطاردة مشروع يضمن البقاء أو يفتح باب النجاة من الغد؟ مدينة تُسند لك فيها الحياة منذ البداية، كأنها قررت مسبقًا تذليل أرقك على قوتك وقوت صغارك، أوكأنها رسمت لخمسين سنة قادمة حدودًا للهمّ والغمّ، لا تحتاج إلى أن تُقاتل لتثبيتها.

ماذا لو وُلدت في مدينةٍ تُحيط بك بالكامل، مدينةٍ أُعلن فيها منذ زمنٍ انتصارٌ نهائي على الفقر والجهل، حتى بدا الأمر كأنه ليس قرارًا سياسيًا بقدر ما هو قدرٌ طويل استقرّ فوق البشر؟ مدينة تتفتح فيها الحياة داخل نظامٍ مكتمل الملامح، تتوزع فيها الموارد بانسياب دقيق، وتتقدّم فيها الخدمات كأنها جزء طبيعي من الهواء.

ويولد الإنسان فيها داخل طمأنينة تمتد معه منذ اللحظة الأولى، تتشكل معها طرق التعليم كبنية يومية مألوفة، وتظهر مسارات العمل كامتداد تلقائي للمعرفة، ويتخذ السكن موقعه داخل خريطة واضحة للعيش.

ما إن وطئت قدمي مدينة تشانغشا (Chángshā) الصينية مع وفد من الصحافة التونسية، في شهر ماي المنصرم، بدأ اليوم يتحرّك حولي كأنه يكتب إيقاعه الخاص بعيدًا عن توقعاتي.

كأن تلك المدينة تمتلك طريقة خاصة في تهدئة حضور الداخل دون إعلان.

مع حلول الليل، خرجت إلى شوارعها، بلا مرافقة وبلا اتجاه محدد، الوقت كان متأخرًا، ومع ذلك ظلّت الأرصفة ممتلئة بالحياة، أضواء دافئة، أصوات متداخلة، أكشاك طعام مفتوحة، ووجوه تمرّ بابتسامات عابرة كأنها جزء من الطقس اليومي لا من الاستثناء.

في تلك اللحظة، لم يعد المشي يحمل ثقله المعتاد.

يداي بقيتا في وضع طبيعي، هاتفي في متناول غير متوتر، ونظراتي لا تبحث عن ما وراء الزوايا.

وكأن المدينة أعادت ترتيب علاقتي بالفضاء العام دون شرح.

فالإحساس بالحذر الذي يرافقني عادة في ليالٍ مماثلة تراجع وانتفى.

ما أجمل أن تمشي في مدينة ليلا وجهازك العصبي مطمئن.

ومع استمرار خطواتي، بدا الليل أكثر قابلية لأن يُعاش دون مقاومة داخلية.

لم يكن الأمان فكرة أفكر فيها، إنما حالة تتسرّب إلى جسدي مع كل خطوة، وتحوّل التجوّل في مدينة غريبة إلى تجربة تشبه العودة المؤقتة إلى طمأنينة قديمة نسيتها التفاصيل.

خلال الأيام التي عشتها في هذه المدينة، بدا لي الناس سعداء بطريقة لا تحمل أثرًا للتكلّف.

وجوه تمرّ في الشارع بهدوء مطمئن، ابتسامات تظهر كجزء من الحركة اليومية لا كاستجابة ظرفية أو كحركة آلية.

أنا التي أعيش عادة داخل مساحة من الشك، وجدت نفسي أراقب هذا الانسياب البشري بحذر أول الأمر، ثم بشيء من الفهم التدريجي.

في مدينة تشانغشا (Chángshā) الصينية، تتقدّم السعادة كمؤشر حضري مُقاس داخل سياسات طويلة المدى، إذ تُصنّف المدينة كأسعد مدينة في الصين لمدة 18 سنة متتالية وفق استطلاعات أكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية ووسائل إعلام وطنية مثل CCTV وChina Youth Daily.

حيث تظهر في المدينة معادلة اقتصادية واضحة، إذ يبلغ متوسط سعر السكن نحو 9,667 يوان للمتر المربع مقارنة بمتوسط يتجاوز 16,740 يوان في مدن كبرى، ما يعكس توازنًا بين الدخل وتكاليف المعيشة وفق بيانات Beike Research Institute والمكتب الوطني الصيني للإحصاء.

وتتوسع هذه المعادلة عبر سياسات دعم مباشر للشباب تصل إلى 100,000 يوان للسكن والمعيشة، إضافة إلى 120,000 يوان لشراء منزل ضمن برامج بلدية منظمة، إلى جانب مساكن مؤقتة مجانية وقروض ريادية مدعومة قد تبلغ 5 ملايين يوان.

اقتصاديًا، تنشط المدينة داخل ما يُعرف باقتصاد الليل، حيث تمتد الحياة اليومية لساعات إضافية في فضاءات مثل شارع تايبينغ وسوق يانغفان، بينما تحمل ثقافيًا صفة" عاصمة الفنون الإعلامية" ضمن شبكة اليونسكو للمدن المبدعة، في توازن يجمع بين التاريخ الممتد لأكثر من ألف عام في معبد يوي لو، وبين حداثة المقاهي والموسيقى الحية.

في هذا التقاطع بين الاقتصاد والثقافة والسياسات العامة، تتشكل تشانغشا كمدينة تُبنى فيها السعادة كنتاج بنيوي، داخل منظومة تُعيد ضبط العلاقة بين المعيشة والاستقرار والفرص اليومية.

وفي هذا الامتداد المنظم، تتراكم تفاصيل الحياة في شكله الهادئ بعيدًا عن أي اضطراب.

حيث يستقر فيها الإنسان داخل بنية تمنح الأيام شكلًا ما قابلاً للتوقع على الأقل، بعيدا عن القلق والخوف.

ففي هذه المدينة يتخذ المشهد منحى آخر منذ البداية، كأن الحياة لا تُترك لتتشكل وحدها تحت ضغط اللحظة، إنما تُرسم ملامحها داخل أفق طويل المدى يمتد عبر عقود، يصل إلى خمسين سنة في التخطيط العمراني والاقتصادي.

هذا الامتداد الزمني في التخطيط يتجاوز كونه فكرة تقنية، ويتسرّب إلى شكل الحياة اليومية بهدوء مستمر.

تتشكّل المدينة كبنية تُنتج نوعًا من الطمأنينة، طمأنينة تستند إلى انتظام التفاصيل الصغيرة: طرق أقصر، خدمات أقرب، وتكلفة عيش تبقى قريبة من القدرة العامة.

في هذا التوازن بين الدخل وتكاليف المعيشة، تتكوّن طبقة خفيفة من الإحساس بالانسياب، تُعاش كإيقاع يومي أكثر من كونها امتيازًا ظاهرًا.

يتراجع ثقل السؤال المرتبط بالشهر القادم وبيوم غد داخل هذا السياق، ويخفّ حضور القلق في القرارات الصغيرة والكبيرة.

وتتراجع الحاجة إلى الحساب المستمر، ويتحوّل التنظيم المالي للحياة إلى حركة أقرب إلى السلاسة اليومية.

ومع هذا التحول، يتبدّل الإحساس الداخلي بالزمن، فيبدو المستقبل أكثر قربًا ووضوحًا، وأكثر قابلية للتصوّر.

في المدن الصينية المتوسطة، يتشكّل ما يمكن وصفه باقتصاد الخفة النفسية.

فلا يرتبط الأمر بالدخل وحده، إنما بما يتصل بتوازن دقيق بين ما يُكتسب وما يستهلكه الإنسان من طاقة كي يحافظ على استقراره اليومي.

ففي هذا المستوى، يُقاس الغنى بما يبقى من الجهد متاحًا بعد تفاصيل العيش اليومية، أي بمقدار الطاقة التي تُصرف كي يستمر اليوم دون إنهاك إضافي.

وهنا يتجلّى هذا التنظيم في تفاصيل الحياة اليومية: سكن أقرب إلى الإمكان، عمل أقرب إلى الوصول، ومسافات بين الحاجة وتلبيتها تأخذ شكلًا أقصر وأكثر مباشرة.

ومع تراكم هذه العناصر، تتشكّل حياة أقل صدامًا مع ذاتها، أكثر ميلًا إلى الاستمرارية الهادئة بدل التوتر المتصاعد.

وفي هذا المشهد، تتجاور مستويات مختلفة من التجربة داخل البلد نفسه، بين مدن أسرع نموًا وأخرى أكثر هدوءًا، وبين فئات تستفيد بدرجات متفاوتة من هذا التوازن.

غير أن الفكرة العامة تبقى حاضرة: إعادة تنظيم الحياة اليومية بطريقة تخفّف العبء عن الإنسان قبل أي شيء آخر.

ومع استمرار هذا النمط، يتحول التخطيط الطويل المدى إلى بنية تُعيد تشكيل الإحساس الداخلي بالثقة.

ثقة هادئة، متوازنة، تنشأ من الإحساس بأن الحياة تمتلك قابلية للاستمرار دون استنزاف دائم، وأن الإيقاع اليومي يحمل قدرًا من الاتساق يكفي لبناء استقرار ممتد.

في المحصلة، تتكشف المدن من خلال ما تتركه في وعي من يعيش فيها، أكثر مما تكشفه مبانيها أو أرقامها.

وتتباين التجارب بين مدن تُثقل الإنسان بإيقاعها اليومي، وأخرى تمنحه مساحة أوسع للعيش داخل يومه، حيث تتقدّم فكرة الاستمرار على فكرة الصراع مع التفاصيل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك