زيارة البابا ليون الرابع عشر لكنيسة ساجرادا فاميليا في برشلونة وافتتاح برج المسيح الجديد في الذكرى المئوية لوفاة أنطوني جودي، هو حدث أسطوري لا يتعلق فقط بتدشين بناء معماري مهيب استغرق أكثر من قرن، بل بالاحتفاء بفلسفة فريدة جعلت من الحجر لغة روحية ومن العمارة صلاة متجسدة في الفراغ والضوء.
لقد كان «جاودي» يرى أن المباني ليست مجرد جدران وأسقف، بل كائنات حية تنمو كما تنمو الأشجار، ولهذا أصبحت ساجرادا فاميليا أحد أكثر المباني فرادة في تاريخ الإنسانية، عبقرية «جاودي» تبدأ من رفضه لفكرة أن الإنسان هو المعلم الأول للعمارة، كان يؤمن بأن الطبيعة هي المهندس الأعظم، وأن على المعماري أن يتعلم منها لا أن يفرض عليها أشكاله الهندسية الجامدة.
لذلك استبدل بالخطوط المستقيمة المنحنيات العضوية، وجعل الأعمدة داخل الكنيسة تتفرع مثل جذوع الأشجار وأغصانها، بحيث يشعر الزائر كأنه يسير داخل غابة مضاءة بأشعة الشمس.
لم يكن هذا مجرد اختيار جمالي، بل فلسفة كاملة ترى أن الإيمان والطبيعة والعلم أجزاء من منظومة واحدة، وكان «جاودي» يعتبر الكنيسة «كتاباً من حجر»، يستطيع حتى الأمي أن يقرأها بعينيه، لذلك امتلأت الواجهات بالرموز والقصص الإنجيلية والمنحوتات التي تحكي حياة المسيح منذ الميلاد وحتى الصلب والقيامة.
لقد أراد أن تتحول العمارة نفسها إلى وسيلة تعليم روحي، بحيث يتلقى الزائر الرسالة الدينية من خلال الضوء والظل والشكل قبل أن يقرأ أي نص مكتوب، ومن أكثر أفكاره إدهاشاً أنه رفض أن يتفوق عمل الإنسان على هندسة الكون، لهذا صمم أعلى أبراج الكنيسة بارتفاع 172.
5 متر، أي أقل بقليل من أعلى تلال برشلونة، تعبيراً عن أن إبداع الطبيعة يظل أسمى من أي إنجاز بشري.
وحتى عندما اكتمل برج المسيح هذا العام وأصبح المبنى أعلى كنيسة في العالم، ظل يحمل الرسالة نفسها، التواضع أمام عظمة الكون، وكما سبق «جاودي» عصره بعقود طويلة، وبدلاً من أن يكون المذبح بعيداً عن الناس، جعله في قلب الفضاء المعماري بحيث يصبح المؤمنون جزءاً من الطقس الديني نفسه.
ويرى مؤرخو العمارة أن هذه الرؤية سبقت الإصلاحات الكنسية الحديثة بعشرات السنين، وكأن الرجل كان يرى المستقبل قبل أن يصل إليه الآخرون.
وربما تكمن عظمة جودي الحقيقية في أنه أدرك أن مشروعه أكبر من عمره، عندما توفي عام 1926 كانت الكنيسة بعيدة جداً عن الاكتمال، لكنه ترك نماذج وأفكاراً تسمح للأجيال التالية بمواصلة العمل.
وبعد مائة عام من رحيله ما زالت ساجرادا فاميليا تُبنى وفق رؤيته، وكأن الرجل لم يمت بل ترك عقله يعمل داخل الحجارة.
واليوم، مع افتتاح برج المسيح على يد البابا، يبدو المشهد أشبه بحوار بين قرنين من الزمن: مهندس رحل منذ مائة عام، وآلاف البنائين الذين أكملوا حلمه، وملايين الزوار الذين يقفون مبهورين أمام بناء لم يُشيد ليكون مجرد كنيسة، بل ليكون قصيدة حجرية عن العلاقة بين الإنسان والطبيعة والإيمان، لهذا لا تُعد ساجرادا فاميليا أعظم إنجازات جودي فحسب، بل أحد أجرأ الأحلام المعمارية في تاريخ البشر.
إنها دليل على أن العبقرية الحقيقية ليست في بناء مبنى مرتفع أو جميل، بل في تحويل الفلسفة إلى حجر، والروح إلى ضوء، والزمن نفسه إلى جزء من العمل الفني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك