سحب التقلب الحاد في أسعار النفط العالمية جزءا كبيرا من سيولة السوق هذا العام، في وتيرة تصفها بيانات السوق بأنها الأسرع على الإطلاق، مع تزايد حذر المستثمرين من ضخ أموال جديدة في أصل بات يتحرك على وقع التصريحات السياسية السريعة بشأن الحرب على إيران.
وذكرت وكالة رويترز أن المراكز المفتوحة في عقود خام برنت الآجلة، أي عدد العقود التي يحتفظ بها المستثمرون ولم تُغلق بعد، تراجعت بنحو 17% منذ بداية العام، في أسرع انخفاض منذ 2009 على الأقل، وفق بيانات مجموعة بورصات لندن.
list 1 of 2قطر تنفي التنسيق مع إيران فيما يتعلق بإنتاج الغازlist 2 of 2حرب المسيرات تقترب من جيوب الروس عبر بوابة الوقودويمثل هذا المؤشر أحد أهم مقاييس السيولة في سوق النفط، فكلما انخفض عدد العقود المفتوحة تراجعت قدرة السوق على استيعاب أوامر البيع والشراء الكبيرة من دون تحركات حادة في الأسعار، وزادت احتمالات أن تؤدي الأخبار السياسية أو العسكرية إلى قفزات أو هبوط مفاجئ.
وتراجعت أسعار النفط اليوم الجمعة بنحو 3%، إذ انخفض خام برنت إلى نحو 87.
3 دولارا للبرميل، بعد أن لامس أدنى مستوى في نحو شهرين، مع تبدل توقعات المتعاملين بشأن احتمالات التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مسارات الإمداد عبر مضيق هرمز.
انكماش في السيولة بحالة الإرهاق التي أصابت المستثمرين بسبب الرسائل المتناقضة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بين التهديد بتصعيد عسكري ضد طهران ثم الحديث، بعد ساعات، عن اقتراب اتفاق سلام.
ونقلت رويترز عن مسؤول تنفيذي كبير في أحد مكاتب التداول قوله إن المستثمرين" مرهقون من هذه الفوضى"، مضيفا أنه لا يمكن تداول العقود الآجلة في بيئة تتغير فيها الرسائل بين ساعة وأخرى من دون تكبد خسائر مستمرة.
ولا تعني السيولة المنخفضة فقط تراجع اهتمام المضاربين، بل تغير طبيعة السوق نفسها، إذ يجد المشترون والبائعون صعوبة أكبر في إيجاد أطراف مقابلة عند الأسعار المرغوبة، ما يوسع الفجوة بين الأسعار المعروضة والمطلوبة، ويجعل كل خبر قابلا لإحداث حركة سعرية أكبر من المعتاد.
وتزداد هذه الحساسية لأن سوق النفط لا تواجه عاملا واحدا، بل مزيجا من الحرب، ومخاطر الشحن، واضطراب الإمدادات، وتوقعات الطلب العالمي، وقرارات أوبك بلس، فضلا عن الإشارات المتضاربة من واشنطن وطهران.
يبقى مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة، إذ تقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت في 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا، بما يعادل حوالي 20% من استهلاك العالم من النفط والسوائل البترولية.
وتوضح الإدارة أن حركة الشحن المحدودة عبر المضيق دفعت منتجين في الشرق الأوسط إلى خفض إنتاج الخام بأكثر من 11 مليون برميل يوميا في مايو/أيار مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، ما تسبب في سحب كبير من المخزونات العالمية لتلبية الطلب.
وعادة ما تؤدي مثل هذه الصدمات إلى ارتفاع أسعار النفط، لكن ما حدث هذا العام بدا أكثر تعقيدا؛ فقد قفزت الأسعار في مراحل التصعيد، ثم هبطت بقوة كلما ظهرت إشارات إلى قرب تسوية سياسية أو عودة محتملة للملاحة الطبيعية عبر هرمز.
ويتحدث المدير السابق لشؤون السلع الأولية في غولدمان ساكس جيفري كوري، عن فكرة" عزوف رأس المال" قائلا إن السبب الحقيقي لعدم استقرار النفط عند مستويات أعلى من 100 دولار للبرميل ليس وفرة المعروض، بل أن الضبابية السياسية جعلت النفط أصلا لا يمكن الاحتفاظ به بسهولة.
وكتب كوري على منصة إكس أن انخفاض المراكز المفتوحة منذ بداية 2026 هو الأسوأ على الإطلاق، مشيرا إلى أن ما يحدث ليس شبيها بعام 2022 حين فرضت صدمات الفائدة والعقوبات خروجا قسريا من السوق، بل يمثل هذه المرة انسحابا طوعيا لرأس المال.
على جانب العرض، تحاول أوبك بلس إدارة السوق عبر زيادات محدودة ومدروسة، إذ أعلنت سبع دول في التحالف في 7 يونيو/حزيران 2026 تعديل إنتاجها بالزيادة 188 ألف برميل يوميا في يوليو/تموز، ضمن العودة الجزئية للتخفيضات الطوعية السابقة.
لكن تأثير هذه الزيادة يبقى محدودا أمام حجم الاضطراب الناجم عن الحرب ومخاطر الشحن، خصوصا إذا استمرت قيود المرور في هرمز أو ظلت شركات التأمين والشحن تتعامل مع المنطقة باعتبارها منطقة عالية المخاطر.
على جانب الطلب، خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها في تقرير أبريل/نيسان، وقالت إن الطلب العالمي على النفط قد ينكمش بنحو 80 ألف برميل يوميا هذا العام بسبب الحرب على إيران، في تحول كبير عن توقعات سابقة كانت تشير إلى نمو الطلب.
وتوقعت الوكالة أن يشهد الربع الثاني من 2026 انخفاضا بنحو 1.
5 مليون برميل يوميا في الطلب، وهو أكبر هبوط فصلي منذ جائحة كورونا، مع تركز التراجع في الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادي، خصوصا في وقود الطائرات والغاز النفطي المسال والنافثا.
في الأسواق العادية، تمنح بيانات المخزونات والإنتاج والطلب المتعاملين أرضية لتسعير النفط، أما في الوضع الحالي، فإن تغريدة أو تصريحا سياسيا أو تسريبا عن مفاوضات قد يغير مسار السوق خلال دقائق.
وتخلق هذه البيئة دائرة مفرغة؛ فالتقلب يدفع المستثمرين إلى الخروج، وخروج المستثمرين يخفض السيولة، وانخفاض السيولة يجعل التقلب أشد عند ظهور أي خبر جديد، وهو ما يزيد عزوف الأموال عن العودة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك