العربي الجديد - أكثر من 53 ألف بناية آيلة إلى السقوط في المغرب العربي الجديد - مهن خاصة للصم في الصين العربي الجديد - أوروبا الحارّة... كلفة التغيّر المناخي على الصحة والزراعة والاقتصاد روسيا اليوم - كندا تنتزع تعادلا تاريخيا أمام البوسنة في افتتاحيتها المونديالية قناه الحدث - وزير الطاقة الأميركي: نحو 7 ملايين برميل من النفط تخرج يوميا من الخليج العربي Independent عربية - تفاؤل أميركي إيراني بشأن الاتفاق وطهران تتهم إسرائيل بالسعي لإفشاله العربية نت - رئيسة المكسيك تشتكي من غلاء الأسعار في كأس العالم فرانس 24 - مونديال 2026: كندا تعادل البوسنة والهرسك 1-1 في أول مباراة على أرضها روسيا اليوم - "تاس": انفجار في منزل وزير أمن الدولة السابق لجمهورية دونيتسك بينشوك (فيديو) العربي الجديد - كايل لارين مهاجم من أصول جامايكية يُهدي كندا نقطتها الأولى تاريخياً
عامة

فلسطين ليست قضيتي: الهروب العربي من الأسئلة الصعبة

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

تتوسع نغمة فلسطين ليست قضيتي في أوساط عربية كثيرة، وآخرها التصريحات الصادمة التي أطلقها غيث التميمي القيادي السابق في التيار الصدري، قبل أن ينقلب على مبادئه ويصبح في عداءٍ صريحٍ معه، وينتقل بعد ذلك إل...

تتوسع نغمة فلسطين ليست قضيتي في أوساط عربية كثيرة، وآخرها التصريحات الصادمة التي أطلقها غيث التميمي القيادي السابق في التيار الصدري، قبل أن ينقلب على مبادئه ويصبح في عداءٍ صريحٍ معه، وينتقل بعد ذلك إلى لندن متفرغا للقاءاته التلفزيونية وتصريحاته اللاذعة.

لا تنحصر مشكلة تصريحات التميمي، التي أطلقها في أحد برامج البودكاست، في محتواها الذي يمكن مناقشته وتفكيكه، ولكن في نبرته العدائية، وما اشتملت عليه من تجاوزات وإساءات لنضالات الشعب الفلسطيني، بالموازاة مع تطبيع فكرة التوحش الإسرائيلية، وهو بذلك يدفع أكثر من مأساة حدثت في المنطقة، ليتهم من ينتقدون العنف الإسرائيلي بالعنصرية، والغيرة من التقدم الذي تشهده إسرائيل، مع أنه يعود في سياق آخر، ليتهم الفلسطينيين بالتخاذل والفشل، لأنهم يواجهون خصما ضعيفا من وجهة نظره، ويقارن ذلك ببلاده التي تعرضت للاحتلال لخمس مرات وتمكنت من تحقيق التحرير المرة بعد الأخرى.

بغض النظر أن فكرة الاحتلالات الخمسة تبدو هشة أمام الوقائع التاريخية، وبعضها لا يعدو أن يكون تعبيرا عن مخيلة التميمي، أو خللا في تعريفه للواقع وانفصالا مرعبا عنه، إلا أن فكرته الأساسية تجريد الحالة الفلسطينية من أية سياقات كبرى أو دولية، وجعلها وكأنها خلاف على ملكية عقارية في شارع جانبي.

يبدو التميمي أسيرا لفكرة النجومية في عالم الصرعات في فضاء التواصل الاجتماعي، وتحركه النشوة في الظهور والوجود، ولكن كثيرا من المتابعين العرب لم يكونوا قد سمعوا به أصلا، فعادة ما تكون الترندات أو الصرعات غير المصرية، ومهما بلغت من الذيوع في بلدها، غير شائعة على المستوى العربي، وبطرحه لفكرة فلسطين والتبرؤ المرعب من القضية واستحقاقاتها العربية، يتمكن من تحقيق الاختراق الذي يرضيه في مطاردة الإعجاب والاهتمام والحصول على وقت إضافي في دائرة الضوء.

مرة أخرى، لا يبدو التميمي مطلعا على فكرة المشروع الصهيوني الكارثي على اليهود والعرب معا، وخدمته الكبرى للمصالح الاستراتيجية للغرب، ولا لفلسفة الحكم في إسرائيل وإصرارها على تقديم نفسها بوصفها البلد المتقدم، الذي يعجب التميمي ويمدحه كثيرا، مقابل التخلف العربي، ولتبقي إسرائيل على هذه الوضعية، تسعى بصورة دائمة لأن تؤسس لحالة الإفشال في محيطها، والعراق نفسه تلقى ضربة إسرائيلية لمفاعله النووي الناشئ في 1981.

تفكيك خطاب التميمي أمر غير لائق بأي شخص يتعامل مع العالم بجدية، لأنه خطاب ينتجه العبث وتنقله الفوضى، ولكن الإشكالية الأساسية تتمثل في مئات التعليقات التي قامت بتأييده، ووجدت في فلسطين والفلسطينيين تفسيرا جاهزا لحالة الفشل البنيوي، التي عاشتها الدولة العراقية لقرون من الزمن، ولم يكن الأمر مختلفا في سوريا سابقا، ولمصر في مرحلة أسبق، فالأنظمة العربية هي التي دفعت فلسطين وقضيتها، لتكون ذريعة جاهزة لأي تقصير أو تأجيل، وأصبحت حالة التحشيد والتعبئة المستمرة من الأدوات الأمنية التي تجعل الجماهير تتطلع في اتجاه واحد، وهو الاتجاه المعاكس لما يحدث في كواليس بلادها والصراعات القائمة على السلطة.

يفقد الفلسطينيون في السنوات الأخيرة مؤسساتهم الإعلامية والثقافية، ويتركون الحديث عنهم مفتوحا لمغامري التواصل الاجتماعي، والتعدي على الصوت الفلسطيني من الأمور المتاحة التي لا تكلف أحيانا أكثر من ثمن كوفية تلقى على الكتفين، وكاميرا موبايل رخيصة، وكان طبيعيا أن تنقل هذه الفئة حالة من التراشق على المستوى العربي، تعمقت مع تآكل البنى المؤسسية وتصاعد التهديدات الأمنية التي أنتجت عجزا عموميا مؤرقا ومحرجا لجميع الشعوب العربية، وكان الصوت الفلسطيني الذي لا يضع نفسه لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، داخل السياق العام لمحنة عربية متصلة، تتمثل في انتهاء صلاحية عصر من غير تأسيس مدخل لعصر جديد، الأثر السلبي على تصور الفلسطينيين بين العرب، وتفتيت الرؤية لتصبح مجموعة من الشظايا التي تدمي الأصابع التي تحاول مقاربتها لغاية الفهم والتشخيص.

يمثل التميمي نموذجا فاشيا يصعد في المراحل التي تتكاثر فيها الأسئلة المغلقة أمام الإجابات المقنعة، بحيث يصبح أي حديث انفعالي وساخن غاية في حد ذاته، وهذه النوعية من الشخصيات تستدعي تذكر نموذج أدولف هتلر، الذي وجد نفسه صدفة بين مجموعة من النازيين، فما كان منه، وهو المحدود التعليم والثقافة، إلا أن يبدأ في الزعيق بصوت مرتفع وبشعارات ساخنة أقرب للشعبوية من الحديث النخبوي، الذي كان يجري في المقاهي المعتمة على هوامش المدن، وخلال سنوات قليلة يصبح الجندي المتقاعد والرسام الفاشل زعيما لمشروع كارثي على بلاده والعالم كله.

الشعوب العربية مهيأة للتعبئة الفاشية بصورة غير مسبوقة، لأن هذه العقلية التي تطلق الاتهامات بسهولة واستهانة، هي التي تستطيع أن تقدم المزيد من الوعود التي مهما بدت غامضة تظل أكثر صلابة من وضع متحرك ومفرط في السيولة، ولم يعد الأمر يتطلب حتى الوقوف جسديا في الميادين واعتلاء كرسي، أو مقدمة سيارة، فالأمر لا يستدعي أحيانا اجتياز عتبة المنزل، والأثر يتمدد بصورة أوسع، لأن فضاء احتمالات الوصول يبدو مفتوحا بغير نهاية، وحتى بين غير المهتمين بالسياسة أو القضايا الجدلية، فيمكن أن يعثروا أو يتعثروا بخطاب التميمي وأشباهه وهم يتجولون بين الفيديوهات القصيرة حول الطبخ أو منتجات التجميل.

لا يمكن أن يفترض بالتميمي أن يشكل زعامة وطنية عراقية، على الرغم من الشعارات الأنيقة التي يعلنها ويرفعها، ولا يمكن أيضا لكثير من المعلقين الذي يجدون في فلسطين موضوعا جذابا و(بياعا) أن يختزلوا الصوت الفلسطيني، ومع ذلك، فتغيب الإعلام العقلاني الذي يتبنى رسالة تنويرية تقوم على استعراض الحقائق الكاملة، أو بأوسع زاوية رؤية ممكنة، يغري بأن تتوسع خطابات الكراهية والاستعداء إلى حافة الهاوية التي تبدو مع التدافع الإقليمي والدولي على المنطقة ممكنة ومحتملة.

التميمي هو أحد وجوه المشكلة، ويمكن أن يختفي بعد قليل من الوقت أو يغير هويته مرة أخرى طالما وجد سوقا جديدا لأفكاره، ولكن الخوف يرتبط بالحالة العربية التي تبحث عن تفسيرات جاهزة لحالة العجز المتراكم، وتجد في فكرة اتهام الآخر ونفي النقد الذاتي ملاذا مريحا من الأسئلة الصعبة.

لم تكن فلسطين سبب الأزمات العربية، ولا هي المقدمة التي تنبني عليها النتيجة المتمثلة في الوضع الراهن، على العكس من ذلك، فاحتلال فلسطين هو نتيجة لمقدمات كثيرة بدأت في محيطها العربي الذي استهدفه المشروع الصهيوني، والقضية الفلسطينية والأداء الذي قدمه الفلسطينيون على مستوى خدمة قضيتهم ومطالبتهم بحقوقهم ليس معفى من النقد والمراجعة، ولكن حالة التبرؤ من القضية واختزالها في مناكفات المتابعين العرب، وبناء جمهور متعصب هنا وهناك، ومع فلسطين وضدها، أمر سينتج مزيدا من التعصب الذي سيجعل الإجابة النهائية أن القضية هي صراع الجميع مع الجميع، وإلقاء كرة اللهب والشوك من حضن إلى آخر لتتسع الحرائق وتلتهم المزيد من الأجيال والفرص.

القضية الفلسطينية ليست مشاجرة، ولكنها نقطة احتكاك صعبة وساخنة بين عالمين وفكرين ومشروعين، والانكفاء عن المواجهة داخل فلسفة هذه القضية وبتعدد مستويات الصراع من المقاومة إلى السلام، سيجعل أي مشروع ذاتي أو انغلاقي متعذرا من حيث المبدأ، لأنه سينغلق على الأسباب المؤسسة لحالة عقيمة من الاشتباك الاجتماعي والسياسي أنتجت كل الواقع العربي الراهن.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك