مشهد حامل السكين وهو يعتلي جسد ضحيته ويصوّب نحوه الطعنة تلو الأخرى كان مروّعاً ومثيراً للاشمئزاز.
لوهلة بدا الأمر مجرّد مشهد في فيلم رعب خيالي.
إلا أنّ الأمر لم يكن كذلك، وليس ثمّة خيال في الموضوع، بل واقع حزين ومرير، ومستفزّ للمشاعر الإنسانية، لا سيّما أنّ الهجوم حدث في مدينة أوروبية، بلفاست، التي لم تعتدْ شوارعها مثل هذه الحوادث، ولا ذلك النوع من الهجمات العنيفة.
ردّات الأفعال لم تتأخّر، فاجتاح الغضب الذي تحوّل إلى موجة من العنف والتخريب ساحات المدينة، قبل أن يمتدّ في طول البلاد وعرضها متغذّياً من نداءات المجموعات اليمينية المعادية للمهاجرين التي قدّمت لها هذه الحادثة مبرّراً جديداً لتعزيز خطابها الناقد سياسات اللجوء والاستقبال.
اللافت في أحداث العنف، بعد الهجوم، أنّها لم تظهر عفوية، بل بدت أشبه بعمل الجماعات المنظّمة، التي كانت تنتظر إشارةً أو حدثاً مماثلاً للظهور والتجرّؤ على تنفيذ مخطّطها، الذي يحمل رسالةً واضحةً: أنّ الأجانب، مهاجرين كانوا أو طالبي لجوء، ليس لهم مكان هنا، وعليهم أن يرحلوا قبل أن تتعرّض حياتهم للخطر.
من أجل إيصال هذه الرسالة، كان لا بدّ من استخدام أقصى درجات العنف والترويع، الذي وصل حدّ إلى حرق المتاجر والبيوت، التي يقيم فيها أجانب، والاعتداء على كلّ مَن يحمل ملامح غريبة في الشارع، بمَن فيهم أشخاص مجنّسون أو مقيمون في البلاد منذ عقود.
مشهد الشرطة وهي تحاول إخراج عائلة مختنقة بدخان الحريق من بيتها كان لا يقلّ ترويعاً عن مشهد القاتل والسكّينمشهد الشرطة وهي تحاول إخراج عائلة مختنقة بدخان الحريق من بيتها كان لا يقلّ ترويعاً عن مشهد القاتل والسكّين، وكذلك مشهد المتطرّفين اليمينيين وهم يجوبون الشوارع بحثاً عن أيّ لاجئ أو مهاجر للاعتداء عليه.
لإخراج الأمر بهذه الصورة الرهيبة المخيفة، نسّقت المجموعات المتطرّفة فيما بينها عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي استُغلّت من أجل دعوة الناس إلى النزول إلى الشوارع والانتقام.
كان من المُلاحَظ حرص جميع المنخرطين في أعمال العنف على تغطية وجوههم وارتداء سترات متشابهة من أجل جعل أمر كشف هُويّتهم وملاحقتهم صعباً.
دلّ هذا على إعداد وتهيئة مسبقَين من أجل ساعة صفر قريبة.
ليس الاعتداء على اللاجئين والمهاجرين ومداهمة بيوتهم ومساكنهم أمراً جديداً في إيرلندا الشمالية، حيث شهدت الشهور الماضية عدّة حوادث مؤسفة اندلعت بذريعة الردّ والانتقام.
وأطلقت منظمة العفو الدولية على الأشهر الاثني عشرة الماضية اسم" عام الكراهية".
قدر المسؤولون والمتحدّثون العقلانيون خطورة الانزلاق في دوامة عنف، وعلى الرغم من الإحساس بالغضب المبرَّر، الذي لا يمكن إغفاله، كانوا يعتبرون أن الردّ الأهلي العنيف واستهداف اللاجئين بشكل عنصري أو وفق لون البشرة لن يؤدّي إلى حلّ المشكلة بقدر ما سيعزّز الانقسام ويهدّد السلم الأهلي.
اكتفى المقيمون الأجانب بالصبر وضبط النفس أملاً في أن تنتهي موجة العنف والغضب في وقت قريب، أما إذا زادت وتيرة الهجمات وتقاعست السلطات عن حمايتهم، فسيتحوّل الأمر إلى هجمات عنصرية ضدّ جميع السود والملوَّنين، بمَن فيهم الذين يقيمون بشكل شرعي، وهم ملتزمون بالقانون ومتصالحون مع قيم المجتمع.
ما تخشاه السلطات أن تصل الأمور إلى مرحلة المواجهة المباشرة والكراهية المفتوحة اللتَين ستحوّلان البلاد كلّها إلى مكان غير آمن بالنسبة للجميعما تخشاه السلطات أن تصل الأمور إلى مرحلة المواجهة المباشرة والكراهية المفتوحة اللتَين ستحوّلان البلاد كلّها إلى مكان غير آمن بالنسبة للجميع، وهي نقطة لا أحد يرغب في الوصول إليها، بما في ذلك اليمينيون، الذين يقترحون حلّاً بديلاً غير واقعي، يتمثّل في طرد جميع الأجانب من أجل العيش بسلام.
ذلك كلّه لن يمنعنا من طرح الأسئلة الأكثر أهمّيةً: بماذا كان يفكر ذلك الشاب، وهو ينفّذ هجومه الوحشي على مرأى ومسمع من الجميع؟ هل كان في وعيه، وهل كان يقدر بالفعل خطورة ما سيُقدم عليه وآثاره التي لن تقتصر على الإضرار بسمعة السودان والسودانيين، الذين يحمل جواز سفرهم، وإنّما عموم الأفارقة والعرب، بل عموم المهاجرين المنحدرين من مختلف البلدان؟هل كان واعياً بالزمن الخاص الذي تمرّ به البلدان الأوروبية وعنوانه الأبرز: كراهية القادمين والوافدين، لا سيّما اللاجئين، الذين تمنحهم البلاد مساكن وإعانات وخدمات اجتماعية مقتطّعة من أموال دافعي الضرائب، وعلى حساب بنود صرف أساسية يرى كثيرون أنّه كان من الأولى أن تخصّص للمواطنين؟
لا نعلم ما إذا كان يفكّر بذلك كلّه، وما إذا كان يعلم أنّ ما سيُقدم عليه سيكون أشبه بتقديم هدية مجّانية لليمين المتطرّف الذي يبني روايته على قول إنّ القادمين هم مجرّد مجرمين برابرة مستغلّون لنظام الرعاية الاجتماعية، وأنّ البلاد لا تستفيد منهم في شيء، لأنّهم لا يقدّمون لها سوى الجريمة والأمراض.
يقترح اليمينيون في أوروبا حلّاً غير واقعي يتمثّل في طرد الأجانبهذا الخطاب الكريه تكذّبه شهادات من قابلوا مهاجرين أو تعاملوا معهم، كما يكذّبه الواقع الذي يخبرنا كيف يساعد الأجانب في عدّة قطاعات حيوية، لدرجة قول اقتصاديين غربيين بارزين إنّ انسحابهم من سوق العمل سيخلق أزمات كبيرة ويهدّد عجلة النمو والتنمية.
لفظاعة الحدث، استبعد متلقّون كثيرون أن يكون منفّذه سودانياً حقّاً، لأنّ هذه الجرائم غريبة وسط الجالية السودانية في المهاجر المختلفة، لكنّ المعلومات التي تم تناقلها منذ الساعات الأولى كانت تؤكّد جنسية الفاعل فتتكرّر كلمة" سوداني" أكثر من مرّة خلال الخبر.
جنسية المهاجم ليست النقطة الأهم، فسواء كان سودانياً، أو عرّف نفسه بأنه سوداني لتسهيل قبول طلب لجوئه تقديراً لظرف الحرب، فإنّ الأكيد أن الضرر قد حدث، وأنّ مثل هذه الأفعال الدموية ستطغى وقتاً طويلاً على أيّ صورة زاهية سابقة ارتبطت بالجاليات السودانية والأفريقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك