القدس العربي - نزوح فلسطيني موروث على ايقاع حروب لا تنتهي…شتات يلد آخر القدس العربي - المحلل التونسي هشام الحاجي: نحن أمام مشهد كروي عربي يطمح للندية والنجاح لن يقاس فقط بالنتائج القدس العربي - مدينة رفح المصرية… سيرة مكان كتبت الحدود ملامح تاريخه التلفزيون العربي - مشروع عائلة ترمب في ألبانيا.. سلطات مكافحة الفساد تلاحق 20 شخصًا القدس العربي - تونس بين ضغوط الهجرة واحتجاجات الشارع العربية نت - المكسيك تبحث عن مُلاك 23 هاتفاً مسروقاً في افتتاح كأس العالم القدس العربي - الحكومة السودانية ترفض الامتحانات الموازية في مناطق سيطرة الدعم السريع القدس العربي - 100 الـ«غارديان» للرواية: هل نحن خارج القائمة أم خارج الاعتراف؟ القدس العربي - اليمن: مخاوف من طوفان الجوع الصامت والانزلاق إلى كارثة أعمق القدس العربي - «بخلاف ما سبق» رواية الكاتب المصري عزت القمحاوي: التشبث بالذاكرة في مواجهة محو المعنى
عامة

البرهان يفاوض بالوقت ويقاتل بالزمن

سودانايل الإلكترونية

السودان يختنق تحت وطأة الحرب وتحت وطأة الرهانات التي تجعل الحرب نفسها خياراً مفضلاً لدى القوى الممسكة بالسلاح. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع القتال بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، تبدو البلاد عا...

السودان يختنق تحت وطأة الحرب وتحت وطأة الرهانات التي تجعل الحرب نفسها خياراً مفضلاً لدى القوى الممسكة بالسلاح.

فبعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع القتال بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، تبدو البلاد عالقة في معركة فقدت حدودها العسكرية التقليدية، وتحولت إلى صراع على شكل الدولة ومركز السلطة فيها، وإلى اختبار طويل لقدرة المجتمع على البقاء في مواجهة آلة استنزاف لا تتوقف.

وسط هذه المعادلة الشرسة يقف قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

فالرجل لا يتصرف كمن يقود مؤسسة تبحث عن مخرج سياسي من الأزمة، بقدر ما يتصرف باعتباره قائداً لمعركة وجودية يرى أن نهايتها قد تفرض ترتيبات تهدد النفوذ التاريخي للمؤسسة العسكرية وشبكات القوى المرتبطة بها.

لذلك لا تبدو تحركاته الخارجية خلال الفترة الأخيرة جزءاً من دبلوماسية تسعى إلى السلام، بقدر ما تبدو امتداداً لمساعٍ هدفها تأمين السلاح والغطاء السياسي والموارد اللازمة لمواصلة القتال.

ومنذ اندلاع الحرب تعاقبت المبادرات الإقليمية والدولية، وتعددت المنابر التفاوضية، وتكررت الدعوات إلى وقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية شاملة.

غير أن هذه المساعي اصطدمت في كل مرة بجدار الشروط المتبادلة والحسابات العسكرية التي لا تقيم وزناً للمواطن ولا للوطن في المحصلة النهائية.

وبينما يعلن طرفا النزاع استعدادهما للحوار، ظل الواقع الميداني يقول شيئاً مختلفاً: لا أحد يريد تقديم التنازل الذي يفتح الباب أمام تسوية حقيقية.

لكن تعثر السلام لا يرتبط فقط بحسابات الحرب المباشرة.

فداخل المؤسسة العسكرية تتعمّق شبكة من العلاقات والتحالفات الأيديولوجية التي تعود جذورها إلى العقود التي أمضاها الإسلاميون داخل أجهزة الدولة.

تلك الشبكات التي نجت من سقوط نظام البشير، وعبرت مرحلة ما بعد الثورة، ثم وجدت في انقلاب أكتوبر 2021 وما تلاه من حرب فوضوية فرصة جديدة لإعادة التموضع واستعادة النفوذ.

هنا تكتسب الحرب بعداً يتجاوز الصراع بين جنرالين.

فالوقائع تقول إن الجيش لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية، ما دام يحمل داخله تأثيرات سياسية وأيديولوجية متزايدة نتيجة مشاركة مجموعات وتيارات مرتبطة بالحركة الإسلامية في المعركة الحالية.

ومع اتساع هذا الحضور أصبحت الحدود بين الحساب العسكري والحساب السياسي أكثر ضبابية، وباتت المعركة مرتبطة أيضاً بمستقبل النفوذ الذي تسعى هذه القوى إلى الحفاظ عليه داخل الدولة.

لهذا السبب يبدو تمسك القيادة العسكرية بشروط قصوى، مثل القضاء الكامل على الدعم السريع قبل أي عملية سياسية، أقرب إلى استراتيجية لإدارة الحرب منها إلى خطة واقعية لإنهائها.

فبعد سنوات من القتال لم يتمكن أي طرف من تحقيق حسم عسكري نهائي، كما لم يعد ممكناً تجاهل حقيقة أن السودان تحول إلى ساحة استنزاف مفتوحة تستنزف الجميع دون استثناء.

ضمن هذا السياق يراهن البرهان على الزمن.

فاستمرار تدفق السلاح والدعم السياسي يمنح الجيش القدرة على الصمود وتأجيل الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل السلطة وإعادة بناء الدولة.

كما أن الانخراط في جولات تفاوضية متكررة من دون الوصول إلى اتفاق نهائي يساعد على تخفيف الضغوط الدولية وإبقاء قنوات الدعم الخارجي مفتوحة، بينما تستمر العمليات العسكرية على الأرض.

غير أن الزمن الذي يراهن عليه البرهان يواصل في الوقت نفسه تقويض الأرض التي يقف عليها السودان.

فالحرب التي يُراد لها أن تحمي الدولة تواصل استنزافها يوماً بعد يوم.

الاقتصاد يتراجع، والبنية التحتية تتآكل، وملايين السودانيين يدفعون ثمن النزوح واللجوء والجوع وانهيار الخدمات الأساسية.

ومع كل شهر إضافي من القتال تتعمق الانقسامات الاجتماعية والعرقية والسياسية، وتصبح مهمة إعادة بناء السودان أكثر صعوبة وتعقيداً.

وتزداد خطورة المشهد لأن تداعياته لم تعد محصورة داخل حدود البلاد.

فالسودان يحتل موقعاً حساساً على تخوم القرن الإفريقي والبحر الأحمر، في منطقة ترتبط بأمن الملاحة الدولية وسلاسل التجارة العالمية.

وأي انهيار طويل الأمد للدولة، أو أي تمدد إضافي للمشاريع المسلحة والأيديولوجية، يضيف عتبة جديدة من عدم الاستقرار إلى إقليم يعاني أصلاً أزمات متلاحقة.

لهذا لم يعد السؤال: من سينتصر؟السؤال الذي يزحف الآن فوق الخرائط والأنقاض هو: ماذا سيبقى من السودان إذا استمرت الحرب في التهام أعوامه وأبنائه ومدنه؟ فكل المؤشرات تؤكد أن أياً من الطرفين غير قادر على تحقيق نصر حاسم، وأن دبلوماسية السلاح، مهما وفرت من موارد ودعم، عاجزة عن تغيير هذه الحقيقة.

قد تستطيع إطالة أمد الصراع، لكنها تعجز عن إنتاج سلام، أو بناء دولة، أو مداواة الجروح العميقة التي تتسع مع كل يوم جديد من القتال.

على الضفة الأخرى من الضياع، لا يقدم محمد حمدان دقلو (حميدتي) سوى النسخة المقابلة من المأزق ذاته.

فالحرب التي يزعم السعي إلى إنهائها تمددت تحت ظلال قواته بالقتل والانتهاكات والنهب وتمزيق النسيج الاجتماعي.

وصارت الدعوات إلى السلام تخرج من فوهة البندقية نفسها التي صنعت جانباً كبيراً من المأساة.

هكذا يجد السودانيون أنفسهم محاصرين بين مشروعين يتقاتلان على السلطة، بينما يتراجع الوطن إلى الهامش وتتقدم المقابر ومخيمات النزوح إلى الواجهة.

على هذا الأساس المزري يجد السودان نفسه أسيراً لمعادلة قاتلة: قيادة عسكرية ترى في استمرار الحرب ضمانة لبقاء نفوذها وتحالفاتها، وشبكات أيديولوجية تعتبر المعركة فرصة لإعادة تثبيت حضورها داخل الدولة، وقوة مسلحة موازية لا تملك هي الأخرى مشروعاً وطنياً يتجاوز منطق القوة والغلبة، وواقع ميداني يثبت كل يوم أن النصر العسكري يبتعد كلما طال أمد الحرب.

بين هذه القوى جميعاً يبقى السودان هو الخاسر الأكبر.

بلد يتآكل زمنه بينما يتقاتل المتحاربون على ساعته.

ومع كل يوم تتراجع فرص السلام خطوة أخرى، كلما تقدمت دبلوماسية البنادق على دبلوماسية التسوية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك