تتفاقم معاناة النازحين السودانيين في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، وسط ظروف مزرية تهدّد الآلاف بالجوع والمرض، خصوصاً مع انعدام الخدمات الحيوية.
يعيش آلاف النازحين في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان ظروفاً إنسانية حادّة، بعد أن أجبرتهم الاشتباكات العسكرية الدائرة على الفرار من قراهم ومدنهم في رحلة نزوح شاقة سيراً على الأقدام، هرباً من قصف المسيّرات والانتهاكات الإنسانية، تاركين خلفهم منازلهم ومصادر رزقهم.
انتقل النازحون إلى مدنٍ أخرى في ولاية النيل الأزرق؛ من بينها الدمازين والروصيرص وود الماحي، حيث اضطرّوا إلى البقاء في مخيماتٍ عشوائية تفتقر إلى أبسط مقوّمات الحياة، وسط نقصٍ في الخدمات الأساسية، وفي ظلّ الظروف المُزرية داخل الخيام البدائية والأكواخ البسيطة، يواجه الأطفال والنساء وكبار السنّ أوضاعاً عصيبة تتمثل في ارتفاع معدلات الجوع وسوء التغذية وانتشار الأمراض.
وتتّسع فجوة الاحتياجات الإنسانية بالتزامن مع موسم الأمطار الخريفية في السودان (من يونيو/حزيران إلى أكتوبر/تشرين الأول)، إذ تحوّلت أرض المخيمات إلى برك ومستنقعات من الوحل والطين، ما زاد من مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة، علماً أنّ عدداً قليلاً من المراكز الصحية يعمل داخل المخيمات.
الأمر الذي يحرم آلاف النازحين من الرعاية الصحية، فضلاً عن انعدام الصرف الصحي ونُدرة المياه الصالحة للشرب.
وبحسب ناشطين، فإنّ المعارك العسكرية التي تجدّدت في ولاية النيل الأزرق في مارس/آذار الماضي، هجّرت سكان ثلاث مدنٍ وعشرات القرى في محافظتَي قيسان والكرمك، وتحوّلت المنطقة إلى جبهة عمليات عسكرية نشطة رغم هطول الأمطار التي أعاقت الحركة.
وفي مطلع يونيو الجاري، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، نزوح 59 ألفاً و742 شخصاً، نحو نصفهم من الأطفال، بين 11 يناير/كانون الثاني و21 مايو/ أيار.
نزح سليمان أحمد (63 سنة) من مدينة الكُرمك إلى أحد مخيمات مدينة الدمازين، ويصف أوضاع النازحين بأنها" غير إنسانية" نتيجة شحّ الطعام ومياه الشرب والمأوى.
ويقول الأب لستّة أبناء والعديد من الأحفاد: " آلاف الأسر النازحة تفترش العراء في خيامٍ بائسة مُشيّدة من الأقمشة البالية وجوالات البلاستيك وقطع المشمّعات الممزّقة، بحيث إنّها لا تحجب الحر ولا تقي من مياه الأمطار التي بدأت تهطل مع حلول فصل الخريف".
ويتابع لـ" العربي الجديد": " معظم النازحين بحاجة ماسّة إلى مأوى كريم يجنّبهم الأمطار، خصوصاً أنّ مخيمات عدّة تقع عند مجرى المياه، ووسط أراضٍ طينية غير صالحة للسكن".
بدورها، تشكو عائشة عبد الرسول (49 سنة) من صعوبة الحياة في المخيمات، بسبب نقص الخدمات الأساسية وعدم توفر الطعام ومياه الشرب الآمنة ومرافق الصرف الصحي، حيث يقضي آلاف النازحين حاجتهم في العراء، ما يهدّد بانتشار الأمراض، علماً أن العلاج والرعاية الصحية تكاد تكون معدومة، وفق قولها.
وتضيف عائشة لـ" العربي الجديد": " عندما نزحت الأسر من منازلها، لم تحمل معها أيّ أغراض شخصية، مثل الملابس والبطانيات والأواني المنزلية، وعندما وصلت تلك الأسر إلى المخيمات لم يكن أمامها أيّ خيار سوى افتراش الأرض من دون أغطية أو أسرّة نوم".
وتقول المرأة التي تعيل ثلاثة أبناء وتُقيم في خيمةٍ صغيرة بمدينة الدمازين: " مع هطول الأمطار بات محيط الخيام عبارة عن برك مليئة بالطين والوحل.
والمُحزن أن أغلب النازحين هم من النساء والأطفال وكبار السنّ، ما يهدّد صحة النساء الحوامل والمرضعات، والأطفال الذين يحتاجون لرعاية طبية غير متوفرة في المخيمات، إذ توجد فقط مراكز صحية بسيطة تقدّم الرعاية الأولية، علماً أن بعض النازحين يعانون من إصابات بليغة بسبب سيرهم مسافاتٍ طويلة ولأيامٍ عديدة".
ويتّهم عدد من النازحين طرفَي الحرب بتعمّد قصفهم بالمسيّرات لإجبارهم على النزوح، وفي بعض الأوقات يُقصفون أثناء رحلة النزوح، ما دفع عدداً من المدنيّين إلى الهروب سيراً على الأقدام، بدلاً من استخدام المركبات.
ويقول سيد آدم، وهو نازح من إحدى قرى الكرمك: " قُصفت الأسواق والتجمعات المدنية أكثر من مرّة بالمسيّرات التي لم يعترف أيّ طرف من أطراف الحرب بتبعيّتها له، رغم أنّها تسبّبت بمقتل عشرات المدنيّين، وكان آخرها في الثاني من مايو/ أيار الماضي عندما قصفت مسيّرة سوق بليلة بمحافظة الكرمك، وأسفرت عن مقتل عشرة مدنيّين وإصابة نحو 23 آخرين".
ويضيف آدم لـ" العربي الجديد": " حتى اليوم لم نرَ أو نسمع بمسيّرة قصفت قوات عسكرية تتبع لأحد أطراف الحرب، لكنّنا شاهدنا المسيّرات تقصف الأسواق والقرى والمستشفيات، وتُوقع عشرات الضحايا الأبرياء.
ولهذا، صار المواطنون يفضّلون النزوح على البقاء في مناطق الاشتباكات".
ويستطرد سيد، وهو أب لسبعة أبناء: " المُحزن أنّ النازحين لم يتلقّوا سوى القليل من المساعدات، رغم أنّهم وصلوا إلى المخيمات وهم يعانون أوضاعاً صحية ونفسية متدهورة، بعد يومين أو ثلاثة أيام من السير على الأقدام، ومن الظروف الإنسانية الصعبة".
وأنشأت حكومة ولاية النيل الأزرق وعدد من المنظمات المحلية وغرف الطوارئ مخيماتٍ عدّة حول مدينة الدمازين وفي مناطق أخرى، وسط شحّ كبير في الخدمات، ويقول مسؤول محلي، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ" العربي الجديد": " هناك ضعف في موارد الولاية التي تعيش حالة حربٍ منذ أكثر من ثلاثة أعوام عندما كانت قوات الدعم السريع تسيطر على أجزاءٍ من النيل الأزرق، وبعد عودتها للمرة الثانية اضطر القائمون على الولاية إلى تسخير كلّ إمكاناتها للمجهود الحربي، لأن العدو استطاع أن يسيطر على عدد من المحافظات والمناطق المهمّة منها محافظة الكرمك التي تربط بين السودان وجنوب السودان وإثيوبيا".
ورغم الزيادة المطّردة في أعداد النازحين في ولاية النيل الأزرق، إلا أن الجهات الحكومية لم توفّر مدارس لأبناء النازحين.
وتقول كوثر سيف الدين، وهي أم لخمسة أبناء: " للأسف، خسر أولادي فرصتهم في التعليم، ولا نسمع أيّ تصريح حكومي بشأن مستقبل الأطفال الذين أُغلقت مدارسهم في مناطق العمليات العسكرية"، مؤكدةً لـ" العربي الجديد" أنّ النازحين لا يملكون كذلك أيّ إمكانات لشراء الكتب والقرطاسية واللباس المدرسي، ولا حتى وجبة الإفطار لأبنائهم.
وتقول كوثر: " في المخيمات، هناك عائلات تفتقر حتّى إلى إناءٍ تأكل فيه، وبعضها يحتفظ بمياه الشرب في جرادل (دِلاء) مفتوحة، أما الأغطية والبطانيات وأسرّة النوم، فهي ترفٌ لا يحلم به النازحون.
وفي مثل هذه الأيام مع بداية فصل الخريف، نرى المياه تغمر كلّ شبر في المخيمات، في حين لا يملك النازحون أيّ خيار سوى افتراش الأرض الرطبة والمبلّلة بالمياه، إلى جانب انتشار البعوض والذباب".
ويقول الناشط في غرف الطوارئ بولاية النيل الأزرق، ياسر التوم لـ" العربي الجديد": " بعض النازحين ما زالوا يعيشون تحت الأشجار، ولم يتمكّنوا بعد من الوصول إلى المخيمات، بسبب عدم توفر وسائل النقل، ووعورة الطرقات وصعوبة الحركة في منطقةٍ هي عبارة عن غابات وجبال".
ويلفت إلى أن أعداد النازحين تزداد يومياً بسبب استمرار القتال وانتقال المعارك من منطقة إلى أخرى، وهو ما يصعّب إحصاء الأعداد الحقيقية للنازحين الذين يُقدّر عددهم بأكثر من 93 ألفاً، تفرّقوا بين مناطق ولاية النيل الأزرق، فيما ذهب بعضهم إلى ولاية القضارف المجاورة، مؤكداً أنّ أوضاع النازحين في الولايتَين متشابهة، من حيث نقص الخدمات الضرورية، وعدم توفر مستلزمات الإيواء، وتفشّي الجوع، وانعدام الرعاية الصحية، وصعوبة الحصول على مياه الشرب النظيفة التي تمثل الهاجس الأكبر لدى النازحين، لأن تلوّث المياه وعدم توفر مرافق الصرف الصحي قد يتسبّبان بتفشّي الأمراض مع استمرار هطول الأمطار".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك