القدس العربي - «أن تخرس الطائرة» ألبوم غنائي يصهر الشعر والموسيقى والصوت والصورة ويتحدّى الحدود القدس العربي - ماذا ينتظر ريال مدريد بعد فوز فلورينتينو بيريز بالولاية الثامنة؟ قناة الغد - «فخورون بالأداء الرجولي».. أول تعليق قطري على التعادل أمام سويسرا القدس العربي - حرب إيران تعود إلى الواجهة… جدل واسع على شبكات التواصل بعد ضربات استهدفت الخليج والأردن القدس العربي - ما أشبه اليوم بالخداع الكبير قبل مونديال 2002! القدس العربي - الدمار والبطش يطفئان فرحة المونديال لعشاق كرة القدم في غزة! القدس العربي - سعادة الطفل المصري رفاهية محكومة بالحظ والتوزيع الجغرافي الجزيرة نت - كاتبة أمريكية: جيفري إبستين يطارد البيت الأبيض سياسيا وإعلاميا القدس العربي - تساؤلات وجودية حول المستقبل السوري القدس العربي - نزوح فلسطيني موروث على ايقاع حروب لا تنتهي…شتات يلد آخر
عامة

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (14

سودانايل الإلكترونية

توقّفنا في المقالات السابقة عن حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في عدّة محطات، شملت: إعلان فرانكفورت 1992، ومفاوضات أبوجا 1992 – 1993، ولقاء وإعلان نيروبي 1993، وإعلان واشنطن 1993، ومبادئ الإيقاد 199...

توقّفنا في المقالات السابقة عن حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في عدّة محطات، شملت: إعلان فرانكفورت 1992، ومفاوضات أبوجا 1992 – 1993، ولقاء وإعلان نيروبي 1993، وإعلان واشنطن 1993، ومبادئ الإيقاد 1994، واتفاق أسمرا 1994 (الاتفاق الرباعي)، ثم إعلان أسمرا (مؤتمر القرارات المصيرية) 1995.

انتقلنا بعد ذلك إلى اتفاقيات السلام من الداخل بين حكومة الإنقاذ والفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية الأم، والتي شملت الميثاق السياسي 1996، واتفاقية الخرطوم للسلام 1997، واتفاقية فشودة 1997.

وقد أوضحت هذه المقالاتُ الحنكةَ والمقدرات السياسية المُعتبرة التي استطاعت الحركة الشعبية لتحرير السودان، والفصائل الأخرى، من خلالها انتزاع حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

لكن كما ذكرنا في المقال السابق، فقد تعرضت فجأةً انجازات الحركة الشعبية المتمثّلة في انتزاعها لحق تقرير المصير إلى العديد من التحدّيات.

شملت تلك التحديات انقسام الحركة الإسلامية الحاكمة في الخرطوم إلى حزبي المؤتمر الوطني الذي نجح في التمسّك بمقاليد السلطة، والمؤتمر الشعبي الذي غادر إلى ساحة المعارضة.

وشملت أيضاً الانشقاق داخل التجمع الوطني الديمقراطي، ومغادرة حزب الأمة للتجمع، وكذلك الانشقاق داخل القيادة الشرعية للقوات المسلحة، ثم بروز المبادرة الليبية المصرية التي سنناقشها في المقال القادم.

سوف نتعرّض في هذا المقال (وهو الرابع عشر في سلسلة مقالات خفايا وخبايا مفاوضات واتفاقيات تقرير المصير لجنوب السودان) إلى اتفاق جنيف بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب المؤتمر الشعبي المنشقّ من الحركة الإسلامية الحاكمة في الخرطوم.

وسيوضّح المقال الأسباب التي دفعت بحزب المؤتمر الشعبي للدخول في هذا الاتفاق، والاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وسيناقش ببعض التفاصيل بنود الاتفاق ومدلولاته.

برزت مشاكل الصراع داخل حزب الحركة الإسلامية الحاكم، بدءاً بمذكرة العشرة، وانتهاءً بقرارات الرابع من رمضان (12 ديسمبر 1999).

وقد أدّى ذلك الصراع داخل حلبة الحركة الإسلامية في نهاية الأمر إلى المفاصلة بين جناحي القصر والمنشيّة في ذلك الشهر، وانشقاق الحزب الحاكم، وبروز حزب المؤتمر الشعبي في يوليو عام 2000 بقيادة الدكتور حسن الترابي، وحزب المؤتمر الوطني بقيادة الرئيس عمر البشير.

كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان قبل هذا الانقسام قد فرغت تماماً من انتزاع حق تقرير المصير من كل أحزاب المعارضة الشمالية فرادى ومجتمعةً.

وكانت حكومة الإنقاذ قد قبلت رسمياً مبادئ الإيقاد التي تتضمّن حق تقرير المصير وتنادي بالدولة السودانية العلمانية، بعد أن وقّعت الحكومة على اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997 مع الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية.

وقد بدأت جولة المفاوضات الخامسة تحت مظلة وساطة الإيقاد بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية في نوفمبر عام 1997 بعد أن تأكّد قبول الحكومة لهذه المبادئ.

ورغم انهيار المفاوضات بين الحركة الشعبية والحكومة بعد الجولة الثامنة من مفاوضات الإيقاد في يوليو عام 1999، الا أن أحد أسباب الانهيار الرئيسية كان رفض الحكومة تطبيق حق تقرير المصير على ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وليس على المديريات الجنوبية الثلاثة، إضافةً إلى رفضها العلمانية، والنظام الكونفيدرالي خلال الفترة الانتقالية.

كما برز انشطار الحزب الحاكم في الخرطوم إلى حزبين، مما هدّد بفتح ملف حق تقرير المصير، والعودة إلى مربع رفض مبادئ الإيقاد مرةً ثانية بواسطة الحزب الجديد، مثلما حدث في سبتمبر عام 1994 في نيروبي عندما قاد الدكتور غازي العتباني وفد السودان للجولة الرابعة من مفاوضات الإيقاد، وأعلن صراحةً ذلك الرفض.

أصبح الحزب الجديد – حزب المؤتمر الشعبي – الحزب الوحيد وسط أحزاب المعارضة الشمالية السودانية الذي ليس طرفاً في اتفاقٍ يُقرّ صراحةً بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

فجميع أحزاب المعارضة الشمالية وافقت على ذلك الحق في اتفاقياتها مع الحركة الشعبية الأم، بينما وافقت حكومة الإنقاذ على ذلك الحق في اتفاقياتها مع الفصائل المنشقّة، وكذلك بقبولها مبادئ الإيقاد، وفي دستور عام 1998.

وقد أكّد حزب الأمة الذي خرج من التجمّع الوطني الديمقراطي موافقته على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في اتفاق جيبوتي مع حكومة الإنقاذ في نوفمبر عام 1999، كما ناقشنا في المقال السابق.

عليه فقد رأت الحركة الشعبية الأم ضرورة معالجة ذلك التطوّر الخطير، وإكمال ذلك النقص على وجه السرعة، خصوصاً وأن قادة الحزب الجديد – حزب المؤتمر الشعبي – كفيلون بخلط كافة الأوراق السياسية، وإفساد نجاح الحركة الشعبية الرئيسي المتعلّق بانتزاع حق تقرير المصير من كل الأطراف.

وللدكتور حسن الترابي قولةٌ استخفافيةٌ مشهورةٌ، أشار فيها إلى ما وصفه بالفراغ الثقافي في جنوب السودان، وأكّد أن الإسلام والعروبة سيملآن ذلك الفراغ.

بدأت الاتصالات بين الحركة الشعبية وحزب المؤتمر الشعبي بعد أسابيع قليلة من المفاصلة.

كانت الحركة ترمي من لقائها بالمؤتمر الشعبي التأكّد من أن حق تقرير المصير في مأمنٍ، ولن يتمَّ فتح ملفه بواسطة قادة الحزب الجديد.

فلا أحد كان يدري في ذاك الوقت أي الفصيلين من البيت الحاكم الذي تصدّع ستكون له الغلبة في نهاية الصراع.

وللحركة الشعبية نفسها تجارب قاسية في الانقسامات وتأثيراتها السالبة على مجرى التفاوض.

ويبدو أن الحركة الشعبية قد تخوّفت من غلبة المؤتمر الشعبي على أساس أن أجنحة الآباء هي عادةً أقوى من أجنحة الأبناء (كما أشار الدكتور قرنق عدّة مرات في سخريةٍ إلى ذلك).

من الجانب الآخر قصد حزب المؤتمر الشعبي من لقائه الحركة الشعبية إيصال رسالة إلى إخوة الدين والدرب والانقلاب والأمس أنه قادرٌ على فتح جبهاتٍ عدّة مع أعداء الخرطوم، بما فيهم العدو الأكبر – الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم.

أثمرت تلك الاتصالات في اللقاء بين الطرفين (الحركة الشعبية وحزب المؤتمر الشعبي) في جنيف في 17 فبراير عام 2001، بعد حوالي العام من المفاصلة والانشقاق، وبعد قرابة العامين من لقاء جنيف السابق (الأول) بين السيد الصادق المهدي والدكتور حسن الترابي عام 1999.

وقد شاءت سخرية القدر أن من جاء يفاوض الحركة الشعبية في لقاء جنيف الثاني، معارضاً لنظام الإنقاذ، كان هو نفسه نظام الإنقاذ في لقاء جنيف الأول.

مثّل الحركة الشعبية في ذلك اللقاء السيدان باقان أموم، وياسر عرمان، بينما مثّل المؤتمر الشعبي السيدان المحبوب عبد السلام، وعمر إبراهيم الترابي.

بعد يومين من التفاوض وقّع المندوبون الأربعة في 19 فبراير عام 2001 على ما تمّت تسميته بـ “مذكرة تفاهم بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والمؤتمر الشعبي” وهو ما عُرِف أيضاً بـ “اتفاق جنيف.

”لا يختلف اتفاق جنيف في مسائل الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان عن أيٍ من الاتفاقيات التي وقّعتها الحركة الشعبية مع أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي المعارضة حول تقرير المصير، والتي ناقشناها من قبل.

لهذا السبب فقد يظنُّ القارئ لأول وهلةٍ أن الطرف الآخر لمذكرة التفاهم هذه مع الحركة الشعبية يمكن أن يكون التجمّع الوطني الديمقراطي نفسه، أو أيٍ من أحزاب التجمع، وليس حزباً كان قادته حتى قبل أشهرٍ قلائل الآمرين والناهين والحكام الحقيقيين في السودان، يمارسون البطش والتسلّط بلا رقيبٍ أو حسيب.

أشارت ديباجة الاتفاق إلى أن اللقاء بين الطرفين تمّ في إطار السعي لبلورة إجماعٍ وطنيٍ شامل بين كافة القوى السياسية السودانية كمدخلٍ صحيحٍ لتسويةٍ تاريخية، وحلٍ سلميٍ شاملٍ للأزمة الوطنية، وكبرى قضايا بلادنا، وفي مقدمتها إنهاء الحرب الأهلية عبر اتفاق سلامٍ عادل، وبناء ديمقراطية حقيقية، وتوحيد السودان على أسسٍ جديدةٍ عبر إرادة أهله الطوعية.

وأوضحت الديباجة أيضاً أن هذا اللقاء يُعدُّ الأولَ من نوعه في إدارة حوارٍ حرٍ ومفتوحٍ حول القضايا المصيرية السودانية بين تيارين فكريين وسياسيين فاعلين في الساحة السياسية السودانية، يتجاوز أجواء التفاوض السابقة مع النظام! !

أوضح الاتفاق أن الجانبين استعرضا تجارب البلاد السياسية منذ الاستقلال، والوضع السياسي الحالي، واتفقا على أن المشاريع الآحادية الرؤى للحكم وغياب المشروع الوطني المجمع عليه يشكلان أساس الأزمة الوطنية التي تعمّقت ووضعت بلادنا على حافة الانهيار في ظل النهج الشمولي السلطوي للنظام الحالي، والذي استفحل بقرارات 12 ديسمبر 1999، وبتمادي النظام في عدم الاعتراف بالازمة الوطنية والبحث عن حلول سلمية لها.

وأشار الاتفاق إلى أن ذلك أجّل الوصول لاتفاق سلامٍ عادلٍ، وبناء ديمقراطيةٍ حقيقيةٍ تصون الحريات والحقوق الأساسية، وتمكّن من التداول السلمي للسلطة خاصةً في وجه العدوان على الحقوق الأساسية الذي ينتهجه النظام.

وأكّد الاتفاق أنه لا بد من تصعيد المقاومة الشعبية السلمية حتى يتخلى النظام عن نهجه الشمولي ويتيح الفرصة للبديل الوطني الذي يقرّه الشعب السوداني وقواه السياسية كافةً.

أكّد الطرفان بعد ذلك مجموعةً من المبادئ، بدءاً من أن السودان بلدٌ متعدّدٌ سياسياً، ومتنوعٌ دينياً وثقافياً، ولا بُدّ من التراضي على عقدٍ اجتماعيٍ جديد لا يسمح بالتمييز بين المواطنين على أساس الدين أو الثقافة أو العرق أو النوع أو الإقليم.

كما أكّد الطرفان أن حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان حقٌ إنسانيٌ مشروعٌ، وأن وحدة السودان يجب أن تقوم على إرادة أهله الطوعية.

وقد أدان الطرفان محاولات النظام التنصّل عن حق تقرير المصير بعد أن التزم به في المبادرات والاتفاقيات السابقة.

كما أكّد الطرفان أن النهج الانقلابي فاقم الأزمة الوطنية، ولم يفلح في الوصول بالسودان للحل الوطني الشامل الدائم، وأن مبدأ المحاسبة على الفساد والجرائم التي ارتُكِبت أمرٌ مشروعٌ وضروريٌ لمستقبل الحياة العامة، ولا بد منه.

اتفق الطرفان على أن السودان بتعدّده وتنوّعه ومساحته الشاسعة لا يمكن إدارته مركزياً، ولا بد من صيغةٍ لامركزيةٍ للحكم تُنهي هيمنة المركز على الهامش، وتتوافق مع حاجة الأقاليم لإدارة نفسها بنفسها، وعبر مواطنيها، مع أداء المركز مهامه الوطنية والتزاماته الخارجية.

كما اتفقا في الفقرات الأخيرة من الاتفاق على أن المشروع الوطني السوداني لإنهاء الحرب واتفاق السلام العادل لبناء ديمقراطية حقيقية تضع البلاد على اعتاب الاستقرار، يرتكز على التعاون الإقليمي وعلاقات حسن الجوار والتعاون الدولي وعدم التدخل في شئون الآخرين، واحترام خياراتهم، والحرص على الاستقرار الإقليمي والدولي.

بتوقيعِ اتفاقِ جنيف في 19 فبراير عام 2001 تأكّد للحركة الشعبية لتحرير السودان أن المفاصلة داخل البيت الحاكم في السودان لم ولن تؤثر على إنجازها السياسي والقانوني التاريخي الكبير، وأن الحزب السوداني الوليد – حزب المؤتمر الشعبي – قد انضم إلى ركب المعترفين بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

تم هذا بتأكيد الحزب الجديد الوليد، مثلما فعل التجمّع الوطني الديمقراطي، أن حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان حقٌ إنسانيٌ مشروعٌ، وأن وحدة السودان يجب أن تقوم على إرادة أهله الطوعية.

كما تم أيضاً بإدانة الحزب محاولات نظام الإنقاذ التنصّل عن حق تقرير المصير بعد أن التزم به في المبادرات والاتفاقيات السابقة.

ولا بد من ملاحظة تضمين اتفاق جنيف للكثير من مبادئ و”أدبيات” الحركة الشعبية التي كانت الحركة الإسلامية السودانية تسخر منها.

عليه، وبعد هذا الاتفاق التاريخي الفاصل، لم يعد الاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان يستثني أيَّ حزبٍ سياسيٍ شمالي.

فقد شمل ذلك الاعتراف بحق تقرير المصير الحزب الحاكم، وأحزاب المعارضة في التجمّع الوطني الديمقراطي، وحزب المعارضة خارج التجمّع – حزب المؤتمر الشعبي الجديد،كما أن حزب الأمة الذي غادر التجمع عاد وأكّد وقوفه مع حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في اتفاق جيبوتي عام 1999، كما ناقشنا في المقال السايق.

من المؤكد أن قادة الحركة الشعبية قد تنفسوا الصعداء، من هواء بحيرة جنيف الطلق النقي، بعد التوقيع على مذكرة التفاهم تلك.

لا بد من ملاحظة طرح اتفاق جنيف السيريالي لقضايا الديمقراطية والحريات والتداول السلمي للسلطة في السودان، وكأنّ أحد طرفيها لم يكن اللاعب الأساسي لما كان يجري في الخرطوم على مدى العشرة أعوامٍ الماضية.

وكأن هذا اللاعب الجديد لم يكن المسئول عن انقلاب 30 يونيو عام 1989، وما جرى إثر ذلك من وأدٍ للديمقراطية، ومصادرةٍ للحريات، ومن اعتقالاتٍ واعداماتٍ وسجونٍ وبيوت أشباحٍ وتعذيبٍ وبطشٍ وفصلٍ تعسفي من الجيش والشرطة والخدمة المدنية والجامعات، وتحويل النزاع في جنوب السودان إلى حربٍ جهاديةٍ طاحنةٍ – جهاد تقوده الحكومة ضد جزءٍ من شعبها.

فقد طالب الاتفاق بإلغاء القوانين المقيّدة للحريات وعدم سنّ أخرى جديدة، ورفع حالة الطوارئ، وإتاحة الحرية للنشاط السياسي، وحرية الصحافة والتعبير، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.

وحيا الطرفان وقوف القوى السياسية في مواجهة القمع وانتهاكات حقوق الإنسان في البلاد.

يبدو أن الحزب الوليد – المؤتمر الشعبي – كان يأمل أن يستغل اتفاق جنيف ليضغط به على إخوة الدرب والدين القدامى في المؤتمر الوطني، وليؤكّد قادته لكل الأحزاب السودانية والمراقبين الآخرين أنهم ما يزالون قوّةً فاعلةً في ميدان السياسة السوداني، سواءٌ من داخل أسوار الحكومة، أو من مقاعد المعارضة.

قد يكون هذا هو المقابل الذي كان المؤتمر الشعبي يتوقّعه من اتفاقه مع الحركة الشعبية لتحرير السودان.

لكن يبدو أن الحركة الشعبية قد وعدت من فاوضتهم في جنيف بأكثر من هذا.

فقد أشارت المادة الثامنة من اتفاق جنيف إلى أن الحركة الشعبية:“ترحّب برغبة المؤتمر الشعبي في إجراء حوارٍ بنّاء مع القوى السياسية الأخرى سعياً إلى أرضيّة مشتركة معها.

”وهكذا وافقت الحركة الشعبية أن تكون وسيطاً بين من كان ألدَّ أعدائها ومن لايزال أقرب أصدقائها، حتى قبل أن تجسَّ نبض رفاق التجمّع الوطني الديمقراطي القدامى حول القادم الجديد، وتحكي لهم قصة لقاء جنيف واتفاقه، والتي لم يسمع أحدٌ منهم عنها شيئاً حتى تلك اللحظة.

ترى هل هي عبثيّة المسرح السياسي السوداني، أم ذكاء وسخرية الحركة الشعبية من السياسة والسياسيين الشماليين، أم الاثنان معاً؟لا بُدّ من التذكير بالتصريح الصحفي الذي أدلى به الدكتور حسن الترابي، ونقلته صحف الخرطوم ومن بينها جريدة الرأي العام في 3 ديسمبر عام 1997، بعد اكتمال التوقيعات على اتفاقيات السلام من الداخل بين حكومة الإنقاذ والحركات الجنوبية المنشقة من الحركة الشعبية أو التي لا تتبع للحركة.

فقد ذكر دكتور الترابي:“إن التجمع الوطني وحركة قرنق مجموعةٌ انتهازية اجتمعت فقط على إسقاط النظام حتى تعود للسودان بتناقضاتها التي شهدناها، وحتى إذا جاءت وتولت السلطة غداً فسيكون رأيها هو رأي أمريكا المستمرة في معاداة أي قوة تملك بقايا من عروبة أو إسلام.

”بعد حوالي الثلاثة أعوام من ذلك التصريح عاد حزب الدكتور الترابي ليعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وليترجّى الحركة الشعبية أن تتوسّط لحزبه في “إجراء حوارٍ بنّاء مع القوى السياسية الأخرى سعياً إلى أرضيّة مشتركة معها.

” هذه القوى السياسية الأخرى هي بالطبع التجمع الوطني الديمقراطي (من سماهم الدكتور حسن الترابي مع الحركة الشعبية ب “المجموعة الانتهازية”).

تُشير بعض الكتابات إلى لقاء واتفاق جنيف هذا باسم “جنيف الثانية.

” السبب في هذه التسمية أنه حدث لقاءٌ سياسيٌ سودانيٌ سابقٌ تتم الإشارة إليه أحياناً ب “جنيف الأولى” بين الدكتور حسن الترابي والسيد الصادق المهدي، والذي ناقشناه ببعض التفاصيل في المقال السابق.

قد ينظر البعض إلى اتفاق جنيف على أنه لم يؤخّر أو يقدّم في مفاوضات الحركة الشعبية مع أحزاب المعارضة، أو يضفْ إليها شيئاً.

غير أن الاتفاق، كان في الوقت الذي تمّ التوقيع عليه، صمام الأمان، وورقة تأمينٍ ثمينةٍ للحركة الشعبية.

فقد كانت الحركة الشعبية تخشى أن يعلن الحزب الجديد عدم التزامه بالاتفاقات التي منحت شعب جنوب السودان حق تقرير المصير، رغم أن عدداً من قادة الحزب الجديد وقّعوا عليها أو شاركوا فيها (الدكتور علي الحاج الذي وقّع على إعلان فرانكفورت، العقيد محمد الأمين خليفة الذي لعب دوراً كبيراً في مبادرة السلام من الداخل، خاصةً اتفاق الخرطوم للسلام، والدكتور حسن الترابي الذي أعدّ دستور عام 1998 مُتضمّناً حق تقرير المصير).

عليه ففي ظرف سبعة أعوامٍ فقط (1994 – 2001) استطاعت الحركة الشعبية لتحرير السودان انتزاع حق تقرير المصير من كل أحزاب المعارضة الشمالية، كالآتي:من الحزب الاتحادي الديمقراطي في إعلان القاهرة في 13 يوليو 1994.

من حزب الأمة في اتفاق شقدوم في 12 ديسمبر عام 1994.

من الحزب الاتحادي الديمقراطي والأمة وقوات التحالف السودانية في الاتفاق الرباعي في 27 ديسمبر عام 1994.

من كل أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي (الاتحادي الديمقراطي والامة والحزب الشيوعي) والنقابات، في إعلان أسمرا في 23 يونيو عام 1995.

من حزب المؤتمر الشعبي في اتفاق جنيف في 19 فبراير عام 2001.

من الجانب الآخر، استطاعت الفصائل المنشقة من الحركة الشعبية (فصيل الناصر ثم الفصيل المتّحد) وفصائل جنوبية أخرى، انتزاع حق تقرير المصير من حكومة الإنقاذ في ظرف ستة أعوامٍ (1992 – 1998) كما يلي:في علان فرانكفورت في 25 يناير 1992.

في ميثاق السلام في 10 أبريل عام 1996.

في اتفاقية الخرطوم للسلام في 21 أبريل عام 1997.

في اتفاقية فشودة في 20 سبتمبر 1997.

في دستور السودان لعام 1998من المؤكد أن اتفاق جنيف كان انجازاً وانتصاراً كبيراً للحركة الشعبية لتحرير السودان.

لكن قبل أن تحتفل الحركة الشعبية بهذا الإنجاز الكبير برز تحدٍ آخر في غاية الخطورة.

فقد قفزت ليبيا ومصر في حلبة النزاع السوداني المعقّد بمبادرةٍ جديدةٍ تتناقض تماماً مع مبادرة الإيقاد.

بل إن المبادرة الجديدة كانت تهدف في حقيقة الأمر إلى نسف الإنجازات الكبيرة التي حققتها الحركة الشعبية، والمتمثّلة في انتزاع الحركة لحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان من كل الأحزاب الشمالية، وانتزاع الفصائل الجنوبية الأخرى لنفس الحق من حكومة الإنقاذ.

فقد حاولت المبادرة الليبية المصرية القفز فوق حق تقرير المصير واستبداله بمؤتمرٍ عامٍ للقوى السياسية السودانية لمناقشة كافة القضايا السودانية، بما في ذلك قضية الجنوب.

وقد كانت معركة المبادرة الليبية المصرية معركةً أخرى صعبةً وقاسيةً، خاضتها الحركة الشعبية بحنكةٍ وذكاءٍ سياسيٍ وتفاوضيٍ كبير، وخرجت منها، في نهاية الأمر، منتصرةً، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك