يشتكي مواطنون أتراك ومغتربون يعملون ويقيمون في تركيا من نسبة زيادة إيجار العقارات" الرسمية" لشهر يونيو/حزيران الجاري، بسبب ارتفاعها عن قدراتهم، ويرون أن تعويض أصحاب العقارات بنفس نسبة التضخم يجب أن يرافقه تعويض الدخول بنفس النسبة، فزيادة الأجور كانت لمرة واحدة هذا العام، وبنسبة 27%.
ويقول محمود آلتن باش، إنّ إيجار المنزل بحي الفاتح بإسطنبول، 20 ألف ليرة، كحد أدنى، يعتبر مرتفعاً جداً بالنسبة لدخل الأتراك، مضيفاً: " نحن نتكلم عن حد أدنى للأجور قدره 28 ألف ليرة، فزيادة الأجور كانت لمرة واحدة هذا العام، وبنسبة 27%".
وكانت هيئة الإحصاء التركية (TÜİK) قد حددت الحد الأقصى القانوني لزيادة إيجار المنازل والعقارات لشهر يونيو 2026 هو 32.
24%.
وهذه النسبة توازي التضخم" متوسط مؤشر أسعار المستهلك لاثني عشر شهراً الماضية".
ورغم أن الهيئة أكدت عدم أحقية صاحب العقار في رفع الإيجار بأعلى من النسبة الرسمية، إلا أن كثيرين من أصحاب العقارات، بحسب آلتن باش، رفعوا الايجار بنسبة أعلى، مهددين المستأجر بالإخلاء بهدف الترميم أو حاجة الأسرة للعقار، " وهي ذرائع يسمح بها القانون".
ولم ينعكس قرار إعادة فتح الأحياء أمام المستأجرين الأجانب، على كسر قيمة الإيجار الشهري، بحسب المتحدث، رغم التوقعات بأنّ إعادة فتح الأحياء سيبدل من خريطة العقارات، سعراً واستئجاراً.
وكانت إدارة الهجرة التركية قد بدأت، الشهر الجاري، فتح الأحياء المغلقة التي كانت محظورة على الأجانب الراغبين الاستئجار فيها أو الحصول على وثائق، وعقود إيجار، لتثبيت نفوسهم أو التقديم على إقامات سياحية جديدة.
واعتمدت تركيا، منذ عام 2022، نظام إغلاق الأحياء بوجه الأجانب، تخفيفاً للازدحام والتغيير الديموغرافي، كما حصل بأحياء عدة بإسطنبول مثل" الفاتح، إسنيورت، باغجولار" فأغلقت، وفق مصادر رسمية، نحو 1162 حياً في مختلف الولايات للحد من الكثافة السكانية الأجنبية، قبل أن تعيد النظر وتفتح الأحياء، الشهر الجاري، مبقية على بعض الاستثناءات لأحياء محددة ضمن مناطق تعج بالأجانب، مثل حي كوزا وظافر في إسنيورت ومثلها أحياء محددة بمنطقة الفاتح.
لكن عبء الإيجار على الأجانب المقيمين في تركيا له وقع أقسى مما يتحمله الأتراك ذوو الدخول المرتفعة، سواء في القطاع الخاص أو وظائف الدولة المحصورة بهم (متوسط الرواتب الحكومية 65 ألف ليرة) رغم أن الأتراك يشكون أيضاً من الارتفاع المستمر.
وعن تلك الحالة، تقول السورية غصون (32 سنة) لـ" العربي الجديد" إن الإيجار الذي تدفعه لقبو صغير وقديم في حي باغجولار يبلغ 15 ألف ليرة، وهذا المبلغ يزيد عن نصف دخل زوجها البالغ 28 ألف ليرة، مع إضافات قليلة لأنه يعمل خلال العطل ما يؤثر على إنفاق الأسرة على المتطلبات الأساسية، وفي مقدمتها الطعام، وتشرح أنهم يلغون معظم النفقات الكمالية ولا يخرجون للنزهة والأكل بالمطاعم إلا ما ندر.
وكذا، المصري محمد (49 عاماً) المستأجر بحي بيلك دوزو بإسطنبول، يدفع لقاء إيجار منزله 30 ألف ليرة، ما يدفعه، للعمل المضاعف في مطعم كي يتوازى الدخل مع الإنفاق المتزايد وارتفاع الأسعار، كما قال لـ" العربي الجديد".
وتشكل نفقات السكن والإيجار، بحسب مسح رسمي قام به معهد الإحصار التركي" TÜİK" النسبة الأكبر من إنفاق الأسر، بنسبة 29.
3%.
وفي حين خصصت الفئات ذات الدخل المنخفض حوالى 39% من ميزانيتها للسكن.
ودلت نتائج المسح أن نفقات السكن والإيجار، تشكل النسبة الأكبر من نفقات الاستهلاك المنزلي في تركيا، بنسبة 29.
3%.
ووفق الاقتصادي التركي، خليل أوزون فإن ارتفاع أسعار العقارات ولقاء الإيجارات، يؤثر على نمط الإنفاق وطرق الاستهلاك التي تبدلت، إذ" صار الشراء بالحبة للفواكه واختُصر البروتين الحيواني عن الموائد بعد وصول سعر كيلو اللحم إلى أكثر من 1100 ليرة".
ويضيف أوزون لـ" العربي الجديد" أن ارتفاع حصة السكن من دخل الأتراك" بعيداً عن الأسباب وزيادة الأسعار حسب التضخم" يؤثر على بقية الاحتياجات، وهذا مؤشر خطر على المدى البعيد، على الصحة والتعليم والرفاهية، كما، وهو الأهم، يؤثر على نسبة الزواج والابتعاد عن تكوين الأسرة، ولذلك مخاطر اقتصادية واجتماعية خطرة، علماً أن سن الزواج ارتفع إلى 28 سنة وتراجعت نسبة الخصوبة إلى 1.
42 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من حد الإحلال أو التجديد السكاني العالمي البالغ 2.
1 طفل.
أسباب ومبررات تستمر أسعار الإيجارات في تسجيل مستويات مرتفعة، خاصة في المدن الكبرى الثلاث، إسطنبول وأنقرة وإزمير التي تشهد طلباً متزايداً على السكن في مقابل تراجع أو محدودية العرض، بعد تراجع حركة البناء خلال العامين الأخيرين بسبب ارتفاع التكاليف، وتراجع القدرة الشرائية، وتوجه الرساميل للمصارف طمعاً بنسبة فائدة مرتفعة (الفائدة في تركيا 37%).
ويرى الخبير في الشؤون العقارية، أحمد الناعس أنّ ارتفاع أسعار الايجار والمنازل بتركيا عامة والمدن الكبرى خاصة" عدا استثناءات جنوبي تركيا بعد عودة سوريين" تعود لارتفاع الأسعار عامة" فالتضخم طاول كل شيء"، وتُضاف إلى ذلك أسباب ضمن القطاع ذاته، تتعلق بنقص معروض الوحدات السكنية وارتفاع أسعار مواد البناء، وإحجام كثير من المستثمرين، خلال السنوات الماضية وعادوا أخيراً، عن العقارات والتوجه إلى قطاعات أخرى، كالغذاء والسيارات أو الإيداع المصرفي.
ويضيف ناعس، وهو منسق عام شركة" يلدريم الإنشائية" في إسطنبول لـ" العربي الجديد"، أن العرض والطلب هي محدّدات السعر، إيجاراً ومبيعاً، فقطاع العقارات شهد طفرة كبيرة، عدداً وسعراً، خلال العقد الماضي، تلتها فورة أسعار كبيرة مما بعد كورونا، ولكن، بعد غلاء الأسعار وتراجع المبيعات، خاصة للأجانب بهدف الجنسية والاستثمار، تثبت أو زاد قليلاً سعر العقارات مخالفاً المنطق الاقتصادي، وظلت أسعار الإيجار ترتفع بسبب محدودية العرض" مع استثناءات سعرية بمواقع محددة وللأبنية الجديدة المقاومة للزلازل".
بدوره، يرى الخبير في الشؤون التركية، طه عودة أوغلو، أنّ الارتفاع الكبير في أسعار وإيجار العقارات" يشكل تحدياً هيكلياً للاقتصاد الكلي" ومواجهته لا تكمن بطرح 20 ألف مسكن من شركة" توكي" الحكومية، بل بإجراءات أخرى وموازية، ربما تبدأ وتنتهي بكسر حدة التضخم الذي زاد الشهر الماضي عن 32%، لأنّ العقارات سلعة بالنتيجة وتتأثر بارتفاع الأسعار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك