تتوالى التقارير اليومية عن رصد مسيّرات مشبوهة في أجواء ألمانيا مع تزايد التحذيرات من سياسيين وخبراء وأمنيين من مخاطرها وقيامها بعمليات تجسس وتشويش فوق مناطق حساسة وبنية تحتية حيوية، تُعتبر روسيا مسؤولة عنها بشكل رئيسي.
وحذر المكتب الاتحادي لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) في بيان، نشرته صحيفة زود دويتشه تسايتونغ في التاسع من يونيو/حزيران الحالي، من تزايد طلعات المسيّرات الأجنبية ومحاولات التجسس بشكل ملحوظ على امتداد البلاد، وبأنها باتت تستخدم أيضاً ضد الشركات، بينها شركات صناعات الأسلحة، لتخريبها.
شتيفان شنايدر: إسقاط المسيّرات يُعدّ أمراً شبه مستحيل قانونياً، كونه يتعيّن أولاً إعلان حالة طوارىء أو حالة دفاعوفي ظل الترقب القائم، بيّنت هيئة خدمات الملاحة الجوية الألمانية (دي أف أس) في تقرير نشر في الثامن من يونيو الحالي، أنها سجلت ما يزيد عن مائة حالة اضطراب في المجال الجوي، ناجمة عن مسيّرات خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، أي أكثر من ضعف حالات حوادث المسيّرات المسجلة في الفترة نفسها من العام الماضي (47 حالة)، بينها مائة حالة قرب المطارات.
وكان مطار برلين/ براندنبورغ الأكثر تضرراً مع تسجيل 25 حالة اضطراب، يليه مطاري بريمن 22 حالة وفرانكفورت 15 حالة.
خسائر المطارات في ألمانياووفق هذه المعطيات، أفاد المركز الألماني لأبحاث الطيران والفضاء (دي أل آر) في الثامن من يونيو الحالي، بأن حوادث المسيّرات المشبوهة تكبد مطارات ألمانيا خسائر بملايين اليوروهات، والأرقام تفيد بأن خسائر القطاع وصلت العام الماضي لنحو 60 مليون يورو، نتيجة الاضطرابات التشغيلية الناجمة عن ترصد للمسيرات، وبوقوع 116 حادثة في 25 مطاراً على مساحة البلاد.
وكشف" دي أل آر"، أن آثار التحليق المشبوه للمسيّرات غير المصرح بها، تتراوح بين التأخير والانتظار في مسارات محددة، وصولاً إلى تحويل مسارات الرحلات وحتى الإغلاق الجزئي أو الكامل.
وهذا ما يؤثر بشكل مباشر على خطط الرحلات الجوية المجدولة بدقة، وتسبب بتبعات اقتصادية لشركات الطيران والمطارات على حد سواء، وتتكبد شركات الطيران تكاليف إضافية نتيجة لاستهلاك الوقود الاضافي ودفع التعويضات للمسافرين عن تأخير الرحلات أو إلغائها، ناهيك عن أن المطارات في ألمانيا تخسر من إيراداتها بسبب تراجع عدد عمليات الإقلاع، ما ينعكس أيضاً على متاجر التجزئة والمطاعم في المنطقة الحرة.
ومن ضمن سلسلة هذه الحوادث، ما حصل قبل أيام في مطار ميونخ الذي يعد مطاراً رئيسياً للرحلات الدولية، إذ تم تعليق جمع الرحلات الجوية لساعات على المدرجين تحسباً لمسألة مرتبطة بالأمن والحماية، وتم تحويل الطائرات إلى مطارات مثل شتوتغارت ونورنبرغ وفرانكفورت ولايبزيغ في ألمانيا، وسالزبورغ في النمسا، لتجنب أي خطر على حركة الطيران، بعد رصد طيارين لمسيّرة مشبوهة في مسار هبوط الطائرات في مطار ميونخ، الذي كان يتحضر يومها لحوالي 900 حركة طيران و120 ألف مسافر.
ووفقاً لبروتوكلات الأمن المطبقة على البنية التحتية الحيوية، تم إبلاغ الشرطة الفيدرالية بالتنسيق مع شرطة الولاية، للتدخل والمساعدة، حيث أجرت مروحية عملية بحث دقيقة في المنطقة بأكملها، استخدمت فيها كاميرات التصوير الحراري وأجهزة بصرية عالية الدقة، ونجمت عن ذلك أيضاً اضطرابات لوجستية كبيرة قبل إعادة فتح المطار.
وفي حين دعا متحدث باسم مجموعة لوفتهانزا، لم يكشف عن اسمه، في حديث مع صحيفة" دي فيلت" في الخامس من يونيو الحالي، إلى تحديد السلطات الأمنية لمسؤولياتها والإسراع في شراء تقنيات الكشف عن المسيرات الحديثة ومكافحتها، وتطبيقها، رأى الخبير في تكنولوجيا أمن المعلومات ماتي بوستر في حديثٍ مع" العربي الجديد"، أن الدفاع ضد المسيّرات وخطر الهجمات الروسية أمر بالغ الأهمية.
وعلّل ذلك، بتزايد أضرارها على الشركات والمطارات والصعوبات التي تواجهها الأجهزة الأمنية، لا سيما أن تكنولوجيا المسيّرات تتطور بوتيرة هائلة، وأمست أصغر حجماً وأقل وضوحاً وأكثر دقة، عدا عن قدرتها العالية على الحركة، والخشية من أن تصطدم بالطائرات التجارية لا سيما خلال مرحلتي الاقلاع والهبوط الحساسة، والتي قد تفضي إلى عواقب وخيمة.
وهو ما يجعل الحاجة ضرورية إلى حماية شاملة من التهديدات بأحدث التقنيات، وذلك يتطلب دفاعاً يحمل مزيجاً من الاستشعار والمؤثرات مثل أجهزة التشويش أو المسيرات الاعتراضية وشبكات الاتصالات الآمنة.
ولم ينفِ بوستر أن الحكومة الألمانية حققت استجابة أولية لمكافحة هذه الظاهرة والتي تشير بوضوح في أغلب الأحيان إلى تورط جهات أجنبية، توازياً مع الجهود المكثفة لحلف شمال الأطلسي" ناتو" والحكومات الأوروبية، مع إنشاء وزارة الداخلية الألمانية مركزاً للدفاع ضد المسيرات في البلاد، والذي يضم أجهزة الشرطة والجيش الألماني.
وفي الوقت نفسه، أعرب بوستر عن اعتقاده أن لا تتحقق نجاحات سريعة في مجال الدفاع ضد المسيرات، سيما وأن وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت، قال حينها إن الهدف توحيد الخبرات وإطلاق مشاريع بحثية جديدة.
وعن الخطوات التطويرية في هذا المجال في ألمانيا وضمن العمل على المسيرات التشغيلية القادرة على الوصول السريع إلى مواقع الخطر وبتنسيق أمثل بين جميع الجهات المعنية من أجل تحقيق الردع، أفاد بوستر بأن شركتي راينميتال للصناعات العسكرية ودويتشه تيليكوم للاتصالات، تتعاونان من أجل توفير القدرات لتطوير درعاً دفاعياً مضاداً للمسيرات لحماية البنية التحتية الحيوية، بعدما أصبحت تقنياتها أقلّ موثوقية.
والهدف، وفق ما ظهرت الشركتان في معرض" إيه أف سي إي أيه" لتكنولوجيا الأمن والدفاع في بون، الكشف المبكر عن طائرات التجسس المسيّرة وتعطيلها باستخدام إشارات التشويش أو اعتراض المسيرة، باعتماد أنظمة دفاع ضد المسيرات تعتمد على الليزر، حتى أن" تيليكوم" تتعاون مع شركة الصناعات الدفاعية (أم بي دي آي)، حيث تم اختبار نظام على فرقاطة" ساكسن" التابعة للبحرية الألمانية.
وعما يعيق مكافحة هذه الظواهر والتدابير لحماية ألمانيا من التجسس، رأى الباحث العلاقات الدولية والعلوم السياسية شتيفان شنايدر، في حديثٍ مع" العربي الجديد"، أن الشق القانوني يمثل عائقاً أساسياً لأن إسقاط المسيّرات يُعدّ أمراً شبه مستحيل قانوناً، كونه يتعيّن أولاً إعلان حالة طوارئ أو حالة دفاع، خرق أسراب منها الأجواء مثلاً، ما يسمح بنشر الجيش داخل البلاد.
وبرلين لا تزال في حالة سلام من الناحية القانونية رغم الاضطرابات الموجودة، ولا توجد أجواء محظورة، وهناك مسيرات لهواة وتحليقها مشروع.
وإن كان الهدف استهداف مسيرة فإنه لا يعدّ سبباً كافياً، ولا جدوى من إعلان حالة الدفاع.
والأمر صعب أساساً، لأنه يتطلب أولاً تعديل قانون الأمن الجوي، وموافقة أغلبية أعضاء البوندستاغ (البرلمان) وتصديق مجلس الولايات (البوندسرات)، ومنح الجيش صلاحيات أوسع.
تجدر الاشارة إلى أنه لا يسمح للجيش الألماني بالانتشار في البلاد إلا بمهام غير عسكرية، مثل الفيضانات والأعاصير وإجلاء نازحين أو تشييد مخيمات لاجئين.
من ناحية ثانية، فإن عقبات أخرى تبقى قائمة، لأن القوات المسلحة لن يكون بامكانها إطلاق النار على الأجسام التي تحلّق فوق البنية التحتية الحيوية، مثل محطات الطاقة أو المطارات أو الثكنات العسكرية، عدا عن أن الأمر يتطلب أولاً إذناً باسقاطها.
في موازاة ذلك، أشار شنايدر إلى وجود نقاشات مطروحة بما خص أمن المطارات التجارية الألمانية، ومن بينها التسجيل الإلزامي وتحديد هوية كل مسيّرة باستخدام نظام تحديد الهوية عن بعد، ما يسمح للأجهزة الأمنية بتحديد موقع الطيار في الوقت الفعلي، وأن جهوداً تُبذل في هذا الإطار على مستوى الاتحاد الأوروبي، وكالعادة غالباً ما يتأخر التطبيق والإنفاذ على أرض الواقع.
علاوة على ذلك، هناك حث من قبل خبراء وقانونيين لتحقيق تعامل كفء، وفرض عقوبات أشد وغرامات باهظة على مشغلي المسيرات عندما تحلق في أماكن محظورة، لكن انخفاض معدل اكتشاف مشغيلها لا يزال يمثل تحدياً للسلطات القضائية.
وعن طبيعة التشويش الخطير الذي تتعرض له الحركة الجوية للطائرات التجارية، أبرز تحقيق لشبكة" أن دي آر" الإخبارية قبل أيام، الكيفية التي تعطّل فيها روسيا نظام الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية لحركة الطيران الأوروبية، وهو مهم للطيارين لتحديد مكان موقع الطائرة، إذ يحدث تداخل ويتوقف النظام عن العمل في كثير من الأحيان.
ومع تكرار المشاكل في نظام تحديد المواقع العالمي" جي بي أس"، يضطر الطيارون، في مثل هذه الحالات، إلى تلقي تعليمات المسار من مراقبة الحركة الجوية عبر أجهزة الراديو، وعندها يتعين على الطيارين اتّباعها إلى أن يعود النظام الأساسي إلى العمل أو الهبوط.
ولفت التحقيق الذي تناول تداخل نظام تحديد المواقع العالمي إلى أنه لا يتم ببساطة حجب الاستقبال، بل تُرسل إشارات خاطئة عمداً، ما يضلّل الطائرة، فتعتقد أجهزة الكومبيوتر الموجودة على متن الطائرة فجأة أنها في موقع أو على ارتفاع مختلف عن موقعها الفعلي، وقد تترتب على ذلك عواقب وحوادث عند تزييف موقع نظام تحديد المواقع العالمي، ويؤدي ذلك إلى عدد من التحذيرات والإنذارات الخاطئة في قمرة القيادة.
ماتي بوستر: الدفاع ضد المسيّرات وخطر الهجمات الروسية أمر بالغ الأهميةووفقاً لمجموعة لوفتهانزا، فإن هناك ما يسمى بنظام الإنذار الموسع للاقتراب من الأرض، وهو مصمم لمنع الطائرة من الاصطدام بجبل عن طريق الخطأ على سبيل المثال.
وبسبب التزييف يمكن أن يصدر النظام تحذيرات خاطئة من أجهزة محاكاة يفيد بوجود تضاريس، ويتعين رفع مستوى طيران الطائرة.
لذا وأمام ذلك يعمد الكثير من الطيارين لإيقاف التشغيل عن هذا النظام، ما يُعدّ خطراً جسيماً على سلامة الطيران المدني، لأنه قد يكون أكثر أماناً من الاستجابة للتحذيرات غيرالموثوقة الناتجة عن بيانات موقع خاطئة، علماً أنه عادة ما يعتبر شبكة أمان.
وفي كثير من الحالات يعاد تشغيله بعد مغادرة المنطقة المتأثرة.
ووصف خبراء أمنيون ما يحصل من عمليات تشويش بالحرب الهجينة، نظراً لأن الطائرات ترسل رسائل خطأ إلى المحطات الأرضية، ويمكن لمزوّدي خدمات داتا المعلومات تحديد مواقع التشويش، حيث تعد ألمانيا وكل أوروبا بؤرة ساخنة لذلك.
وليس هذا فحسب، حتى أن البحرية الألمانية أبلغت بأن روسيا مصدر تشويش من البر ومن السفن الروسية.
وكشفت" إيه آر دي" الإخبارية عن تمكن باحثين في جامعة غدينيا البحرية في بولندا من تحديد موقع منشأة تشويش ضخمة يعتقد أنها تقع في جيب كالينينغراد الروسي.
وأكد الأمر نفسه الخبير في المجال الأمني نيكو لانغه، في مقابلته مع شبكة" أن دي آر" الاخبارية، مشدّداً على أن التشويش في ألمانيا يندرج ضمن الحرب الدائرة حالياً في أوروبا، وبأن الروس يحاولون التلاعب عمداً بالنظام لإعداد ساحة المعركة والتخطيط لعمليات عسكرية.
أما وزير الدولة في وزارة الخارجية الألمانية فلوريان هان، فقال إنه يتعين على ألمانيا أن تصبح قوة ردع، وبعدم القبول بهذا الوضع كأمر طبيعي.
وكانت هيئة الملاحة الجوية الألمانية (دي أف أس)، قد أفادت لشبكة" أن دي آر" الإخبارية، بأن عدداً من الطائرات تبلغ عن هذا النوع من الانقطاعات لمراقبي حركة الملاحة الجوية يومياً، وذكر رئيس خدمات الملاحة في الهيئة مورتن غراندت، أن عمل الطائرات من دون" جي بي أس" يتطلب المزيد من الاهتمام من المراقبين الجويين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك