سبّبت الحرب الإيرانية وما رافقها من تداعيات، أبرزها إغلاق مضيق هرمز، اضطراباً لوجستياً يعدّ من الأكبر خلال السنوات الأخيرة، ما دفع الدول والشركات إلى البحث بشكل عاجل عن طرق بديلة لضمان توفر الغذاء والأدوية والمواد الأساسية الأخرى.
وأصبحت الطرق البديلة عبر السعودية والإمارات وعُمان تعتبر ممرات حيوية، على الرغم من أنها لا تستطيع استيعاب سوى جزء من القدرة الاستيعابية للنقل البحري، فضلاً عن ارتفاع تكاليفها وطول المدة التي تستغرقها عمليات الشحن.
وتوصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق مؤقت فجر اليوم الاثنين، من المفترض أن يعيد تدفق حركة الملاحة عبر المضيق، إلا أن عودة التجارة إلى طبيعتها قد تستغرق شهوراً عدة.
ومن المقرر أن يلتقي الطرفان يوم الجمعة لتوقيع الاتفاق، من دون الكشف عن تفاصيله، ما يبقي شركات الشحن ومقدمي الخدمات اللوجستية في حالة ترقب.
ووفقاً لما ذكرت وكالة بلومبيرغ، أرسلت شركة" سيمنس إنرجي" شخصاً إلى ميناء جدة على البحر الأحمر في السعودية عبر شبه الجزيرة العربية إلى المركز الصناعي في الدمام لدراسة مسار بديل في حال إغلاق مضيق هرمز الحيوي، وذلك في أعقاب الحرب الإيرانية - الإسرائيلية التي استمرت 12 يوماً قبل عام.
وكلفت الشركة الألمانية ذلك الشخص بأخذ قياسات على طول الطريق الذي يبلغ طوله نحو 2000 كيلومتر (1240 ميلاً) لإعداد وثيقة تحلل إمكانية نقل توربينات غازية ضخمة بالشاحنات عبر الصحراء إلى منشآت الشركة في الدمام.
وبعد أقل من عام، جرى تنفيذ تلك الخطط عندما أدت الحرب في المنطقة إلى إغلاق الممر المائي وإجبار الشركات على إعادة توجيه سلاسل الإمداد للحفاظ على استمرار العمليات الاقتصادية والتجارية.
وبحسب ما ذكر رئيس وحدة خدمات الغاز في" سيمنس إنرجي" كريم أمين، الأسبوع الماضي: " إن ذلك يضيف مزيداً من الوقت وبعض التكاليف الإضافية أيضاً، لكنه لم يوقف الأعمال".
وفي سياق متصل، وللحفاظ على توفر السلع في المتاجر، استخدمت سلسلة متاجر البقالة" سبينيز" مساراً جديداً يتضمن نقل البضائع براً من بريطانيا إلى الإمارات، على مسافة تقارب 5000 كيلومتر، وفقاً لعرض أرباح الشركة في مايو/أيار الماضي.
أما شركة" دي بي وورلد"، إحدى أكبر مشغلي موانئ الحاويات في العالم، فباستخدام شبكة من الطرق البرية الممتدة عبر شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى تركيا والعراق، بعدما أدى شبه إغلاق مضيق هرمز إلى تقليص حركة الشحن إلى ميناء جبل علي الضخم في دبي.
وتعني المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز أن بعض الحلول البديلة التي تعتمد على الشاحنات والسكك الحديدية قد تصبح دائمة.
وتخطط شركة" سبينيز" للاستمرار في استخدام النقل البري لنقل المنتجات الأوروبية ذات فترة الصلاحية المتوسطة إلى الإمارات.
بدوره، قال كبير المحللين في منصة الشحن الرقمية" زينيتيا"، بيتر ساند، لوكالة بلومبيرغ، إن" الطرق البديلة، مثل الجسور البرية والموانئ الصغيرة، قد تكون أكثر تعقيداً ولكنها تؤدي الغرض".
وحتى إذا أُعيد فتح مضيق هرمز، فسيظل الشاحنون حذرين من الاعتماد المفرط مجدداً على موانئ مثل جبل علي، لأن الوضع الجيوسياسي سيظل هشاً، وأي تدهور مفاجئ سيعيدهم إلى نقطة الصفر".
أما الرئيس التنفيذي لشركة" غلفتينر" التي تدير ميناء خورفكان على الساحل الشرقي للإمارات خارج الخليج العربي ومضيق هرمز فريد بلبوعب، فقد قال لوكالة بلومبيرغ: " لقد دفعتنا الأزمة إلى التحرك بسرعة أكبر.
وعلى المدى الطويل، فإن الساحل الشرقي ليس مجرد بديل احتياطي، بل أصبح جزءاً أساسياً من البنية التجارية للإمارات".
وتعتزم" غلفتينر" ربط ميناء الذيد الجاف، الواقع على بعد 50 كيلومتراً من خورفكان، بميناء الصجعة الجاف الموسع الأقرب إلى دبي، بما يخلق ممراً لوجستياً متواصلاً.
وأضاف بلبوعب: " لسنا نتكيف مع الوضع فقط، بل نعيد موازنة المنظومة بأكملها لتعزيز المرونة، وليس الميناء وحده".
وأشار إلى أن الشركة زادت عدد بوابات الشاحنات إلى أكثر من أربعة أضعاف لتصل إلى تسع بوابات، كما مددت ساعات العمل، وأصبحت تستقبل نحو 7000 شاحنة يومياً مقارنة بـ100 شاحنة فقط قبل الحرب.
وأضاف أن الربط عبر السكك الحديدية هو الخطوة التالية، وهو خيار" لم يعد مجرد فكرة نظرية في المنطقة"، مؤكداً أن الهدف يتمثل في إنشاء نظام نقل متعدد الوسائط بشكل كامل.
ومع توزيع الشحنات على موانئ أصغر في أنحاء المنطقة، أصبحت مساحات الحاويات محدودة للغاية، فيما تشهد المستودعات الجمركية، التي تؤجل فيها الرسوم الجمركية مؤقتاً، ضغطاً متزايداً.
وقال أمادو ديالو؛ الرئيس التنفيذي لشركة" أرامكس" ومقرها دبي: هذه المستودعات تمتلئ بسرعة كبيرة جداً".
في السياق نفسه، تبدو السعودية حريصة خاصةً على الاستفادة من الطفرة اللوجستية الجديدة، باعتبارها فرصة للتعاون مع الإمارات وفي الوقت نفسه منافستها.
ولذلك يجرى التخطيط لمسارات أطول عبر الصحراء السعودية انطلاقاً من موانئ جدة ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية على البحر الأحمر.
وتسلك آلاف الشاحنات رحلة تستغرق نحو 20 ساعة من جدة مروراً بالرياض وصولاً إلى دبي، ما يبرز أهمية مشاريع السكك الحديدية السعودية.
ومن بين هذه المشاريع مشروع الجسر البري السعودي بطول يقارب 600 ميل، والذي يهدف إلى ربط جدة بالرياض مع التركيز على نقل البضائع.
وتخطط شركة" أم.
أس.
سي"، أكبر شركة شحن حاويات في العالم، لإطلاق خدمة تربط أوروبا بموانئ أصغر في الشرق الأوسط باستخدام النقل البري عبر السعودية.
وتقوم شركة" دي بي وورلد" بربط موانئ البحر الأحمر في السعودية بشبكة طرق تمتد آلاف الكيلومترات من إسطنبول في تركيا مروراً بالكويت وصولاً إلى سلطنة عُمان.
ويُعد مشروع سكة حديد الخليج، الذي يهدف إلى ربط دول مجلس التعاون الخليجي، أحد المشاريع الرئيسية التي تشارك فيها الخطوط الحديدية السعودية، وكان من المخطط استكماله بحلول عام 2030.
وفي عام 2021، أطلقت السعودية الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية التي تستهدف مضاعفة شبكة السكك الحديدية.
ويجري توسيع شبكات النقل البري وعمليات السكك الحديدية بوتيرة متسارعة، كما صنف صندوق الاستثمارات العامة السعودي خدمات النقل والتخزين والتوزيع ضمن القطاعات الأساسية في استراتيجية الاستثمارية طويلة الأجل التي أعلن عنها في إبريل/نيسان.
وقال غوراف بيسواس؛ الرئيس التنفيذي لشركة" تراكر"، إن أسعار النقل بالشاحنات في السعودية ارتفعت بنحو 40% منذ بداية الصراع، فيما تواجه الشاحنات في ميناء جدة الإسلامي فترات انتظار تتراوح بين أربعة وخمسة أيام بسبب الازدحام وارتفاع أحجام الشحن.
وقالت سمرو ألتوغ، الباحثة المشاركة في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في بيروت: " في منافستها مع الإمارات، يبدو أن السعودية تمتلك مزايا الجغرافيا والثقل الاقتصادي"، بحسب ما ذكرت وكالة بلومبيرغ.
وحالياً لا تمتلك شبكات الطرق في منطقة الخليج القدرة الكافية لاستيعاب كامل لحجم التجارة المتأثرة بقيود الشحن البحري، بحسب باتريك شوستر، المسؤول عن استراتيجية النقل البري في شركة كونيه + ناغل العالمية.
كما أشار إلى أن سلاسل الإمداد الإقليمية أصبحت مضطرة إلى إعطاء أولوية للسلع الحيوية مثل الغذاء والدواء، وهو أمر لم يكن ضرورياً بهذا الشكل سابقاً.
ووفقاً لـ" بلومبيرغ"، قال هندريك فينتر؛ الرئيس التنفيذي لقسم سلاسل الإمداد في DHL: " مستويات المخزون في القطاعات غير الأساسية، مثل قطع غيار السيارات، أصبحت أقل مما شهدناه في أي مرحلة سابقة، لذلك لا تزال هناك تحديات في تدفقات الواردات.
أما الإمدادات الحيوية مثل المنتجات الطبية والرعاية الصحية فلا تواجه مشكلة لأنها تُنقل جواً".
وأضاف: " لكن الموانئ تحتاج إلى العودة للعمل بشكل طبيعي قبل أن نشهد عودة كاملة للتدفقات التجارية المعتادة".
وأكد أن شركة DHL، التي تمتلك سبع منشآت كبيرة في دبي، تواصل الاستثمار والتوسع رغم الظروف الحالية.
وختم بالقول: " لقد اعتدنا على التقلبات، وما زلنا نؤمن بجدوى المنطقة.
نحن متفائلون للغاية، ولم نؤجل أياً من استثماراتنا المخطط لها، وهي استثمارات كبيرة".
وتعود جذور مكانة الشرق الأوسط كمركز عالمي للحاويات إلى ما يقرب من نصف قرن، عندما دعمت الملكة إليزابيث الثانية خطط الإمارات للتحول إلى مركز عالمي للتجارة.
وأصبحت منطقة جبل علي اليوم من أكثر موانئ الحاويات ازدحاماً خارج آسيا، وتضم منطقة حرة تستضيف أكثر من 12 ألف شركة.
وتغطي الموانئ والمنطقة الصناعية مساحة تزيد على ثلاثة أضعاف مساحة جزيرة مانهاتن.
ورغم ذلك، فإن حركة السفن في جبل علي لا تزال محدودة نسبياً، ما يفتح المجال أمام منافسين جدد في قطاع الخدمات اللوجستية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك