ماذا بعد تصدعات تحالف البرهان؟في لحظات التحول الكبرى لا تنهار الدول دفعة واحدة، بل تبدأ أولاً في إعادة ترتيب نفسها بصمت.
تتغير مراكز الثقل دون إعلان، وتُسحب الأدوار تدريجياً من الأطراف، بينما تُمنح لأخرى، وكأن المشهد كله يُعاد تشكيله من الداخل دون ضجيج.
وما يجري في السودان اليوم لا يبدو خارج هذه القاعدة؛ بل أقرب إلى مرحلة إعادة توزيع السلطة داخل التحالف الذي حكم الحرب، قبل أن يُختبر في ما بعدها.
“السلطة لا تسقط حين تُهزم، بل حين يتغير منطق بقائها.
”منذ أن فرضت الحرب منطقها على الواقع السوداني، تشكل حول قيادة الجيش تحالف واسع، جمع السياسي والعسكري والإيديولوجي تحت سقف واحد: “سقف البقاء.
لكن هذا السقف لم يكن مصمماً ليكون بيتاً دائماً، بل ملجأً مؤقتاً من انهيار محتمل.
ومع امتداد الزمن، بدأ الملجأ يتحول إلى عبء، وبدأت أسئلة ما بعد الحرب تزاحم أسئلة الحرب نفسها.
في قلب هذا التحالف، يقف المؤتمر الوطني اليوم أمام لحظة غير مسبوقة من التصدع الداخلي.
انقسامات تتسع، مراكز قرار تتعدد، وخطاب لم يعد قادراً على إنتاج سردية موحدة حول المستقبل.
هذا التآكل لا يضعف الحزب وحده، بل ينعكس مباشرة على قدرته في أن يكون شريكاً مستقراً في أي معادلة حاضرة أو قادمة، ويحوّله من رصيد سياسي إلى عنصر قابل لإعادة التقييم في ميزان المرحلة المقبلة.
لكن ما هو أخطر من التصدع الحزبي، هو ما يحدث داخل بنية القرار نفسها.
فمجلس السيادة الذي يقود الدولة، كان يُقرأ باعتباره مركزاً متماسكاً نسبياً، لكنه فجأة بدأ يُظهر تحولات صامتة في توزيع الأدوار.
فشمس الدين كباشي، الذي كان حاضراً في واجهة المشهد، تراجع حضوره بشكل لافت، لا بل ابتعد تماما وربما غادر الكابينة، وفي المقابل، برز إبراهيم جابر في مساحة أوسع من إدارة الملفات التنفيذية، في مؤشر يعكس انتقالاً تدريجياً في هندسة القرار داخل الدولة.
هذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره تفاصيل إدارية، بل باعتباره مؤشراً على إعادة تشكيل داخل هرم السلطة.
فحين تتغير خرائط النفوذ داخل المركز، فإن ذلك لا يكون مجرد تبديل أدوار، بل إعادة تعريف لطبيعة من يملك القرار، وكيف يُدار، ولصالح أي مرحلة يُعاد تشكيله.
وهي إشارات لا تنفصل عن أسئلة التسوية المقبلة، بقدر ما ترتبط بالاستعداد لها.
وفي الخلفية، تآكلت الصورة التقليدية للتحالف الذي جمع المؤسسة العسكرية بالإسلاميين خلال الحرب.
فمع تصدع المؤتمر الوطني من الداخل، يفقد هذا التحالف أحد أهم أركانه السياسية.
ليس لأن الشراكة انتهت، بل لأن أحد أطرافها لم يعد قادراً على تقديم نفسه ككتلة موحدة قادرة على التأثير.
وهنا تبدأ السياسة في إعادة تعريف من يصلح لأن يكون شريكاً، ومن يتحول إلى عبء تفاوضي لهذه المرحلة في ميزان الداخل والخارج.
أما البرهان نفسه، فيبدو وكأنه يتحرك داخل مساحة أعيد رسم حدودها بصمت.
ضغوط الخارج لا تتراجع، بل تتكثف، وأسئلة التسوية لا تُطرح كخيار بل كمسار محتمل تفرضه الوقائع.
وفي هذه اللحظة، يصبح الحفاظ على تماسك المركز أكثر أهمية من الحفاظ على توازن التحالفات القديمة.
فالمعادلة لم تعد معادلة حرب فقط، بل معادلة عبور إلى مرحلة جديدة وبشروط مختلفة.
هكذا تتقاطع الخيوط: “تصدع في الحليف السياسي، وإعادة توزيع داخل مركز القرار، وتراجع بعض الواجهات العسكرية، مقابل صعود هادئ لوجوه تنفيذية أكثر التصاقاً بإدارة الدولة.
كل ذلك لا يبدو منفصلاً، بل أجزاء من عملية واحدة تُعيد تشكيل المشهد من الداخل، دون إعلان رسمي، لكنها واضحة لمن يراقب حركة البنية لا سطح الأحداث.
ما نود قوله هنا: أن السؤال المطروح اليوم لا يبدو متعلقاً بمن يملك القوة داخل التحالف، بل هل لا يزال هذا التحالف صالحاً أصلاً للمرحلة القادمة.
فالحروب تنتهي حين تتغير أدواتها، والتحالفات تنتهي حين تتغير شروط بقائها.
والواقع يقول أن الأدوات والشروط تغيرتا، وبين الاثنين، يقف السودان على حافة انتقال لا يُدار بالشعارات، بل بإعادة صياغة دقيقة لمراكز القوة ذاتها.
فالتغيير دائما ما يبدأ بصمت.
لكنه لا ينتهي بصمت أبداً.
إنا لله ياخ.
الله غالب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك