يدخل المشهد الدولي مرحلة حرجة من الترقب مع إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التوصل إلى اتفاق أولي مع إيران لإنهاء الحرب، جرى توقيعه" إلكترونيا" تمهيدا للمراسم الرسمية المرتقبة في جنيف.
ورغم الأجواء الدبلوماسية المحيطة بهذا الإعلان، فإن قرار إبقاء نص الوثيقة بعيدا عن التداول العلني فتح الباب أمام تضارب حاد في الروايات والتقديرات بين واشنطن وطهران بشأن حقيقة ما تم التوافق عليه خلف الكواليس.
ومع هذا التكتم، يجد المتابعون أنفسهم أمام مشهد معقد تتداخل فيه الملفات الاقتصادية الحساسة مثل مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، مع العقبات العسكرية الشائكة وعلى رأسها" العامل الإسرائيلي" ومصير الجبهة اللبنانية.
ولمحاولة تفكيك كواليس هذا التحول الدبلوماسي وأبعاده، نستعرض في هذا التقرير أربعة أسئلة رئيسية تلخص ما نعرفه وما لا نعرفه عن هذا الاتفاق:ما الخطوات والمدد الزمنية المحددة لتنفيذ الاتفاق؟أعلن الطرفان التوصل إلى اتفاق أولي -وصفته إيران بأنه مذكرة تفاهم- لإنهاء الحرب المستمرة منذ أشهر، والتي أسفرت عن مقتل الآلاف وألحقت أضرارا جسيمة بالاقتصاد العالمي.
يوفر هذا الاتفاق إطارا لوقف العمليات العسكرية، وتمديد وقف إطلاق النار الحالي بين واشنطن وطهران 60 يوما، ومن المتوقع أن تجري خلالها محادثات نووية.
وفي غضون ذلك، من المفترض فتح مضيق هرمز الإستراتيجي وإنهاء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، مما يوفر إغاثة كبيرة لأسواق الطاقة والاقتصاد الإيراني.
كما يتضمن الاتفاق إنهاء القتال بين حزب الله وإسرائيل في لبنان ضِمن الصفقة التي توسطت فيها باكستان وقطر بشكل أساسي.
ومن المقرر عقد حفل توقيع رسمي في جنيف بسويسرا يوم الجمعة 19 يونيو/حزيران، لتبدأ مهلة الـ60 يوما بالتحرك، في حين سيسهل الوسطاء سلسلة من الاجتماعات والمناقشات التمهيدية قبل التنفيذ لوضع الأساس للمحادثات الفنية.
ما نقاط الغموض وما التحذيرات السياسية والعسكرية المصاحبة لها؟يواجه الاتفاق غيابا في الوضوح، فرغم إعلان ترمب أن فتح مضيق هرمز سيكون" مجانيا ودون رسوم"، ألمحت وسائل الإعلام الإيرانية إلى أن طهران ستسعى للاستفادة ماليا من الشحن التجاري بعد فترة الـ60 يوما، كما أشار ترمب إلى أن فتح المضيق يحتاج إلى وقت لإزالة الألغام، مع عدم وضوح آلية رفع الحصار الأمريكي وموعده.
وتبرز الخلافات أيضا بشأن شروط المفاوضات، فبينما ألمح المسؤولون الإيرانيون إلى أن المرحلة التالية من المفاوضات لن تبدأ إلا بعد أن تفرج الولايات المتحدة عن الأصول المجمدة، أكدت إدارة ترمب أنها لن تتخذ مثل هذه الخطوات إلا استجابة للتقدم على الجبهة النووية.
ويُرجَّح أن تكون المحادثات بشأن برنامج إيران النووي على وجه الخصوص، التي ستغطي قضايا مثل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب والتخصيب في المستقبل، مثيرة للجدل للغاية، وستقف على الأرجح بوصفها أحد أكبر التحديات التي تواجه اتفاقا أوسع نطاقا.
ورغم أن ترمب احتفل بالصفقة المؤقتة، فإنه قال أيضا لصحيفة نيويورك تايمز -في مقابلة يوم الأحد- إن الولايات المتحدة يمكن أن تستأنف الهجمات العسكرية على إيران، من بين خطوات محتملة أخرى، إذا لم يُتوصَّل في النهاية إلى اتفاق نووي نهائي.
من جهة أخرى، صاغ نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي الصفقة على أنها انتصار لطهران، وقال المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في بيان إن" المفاوضات النهائية ستؤجَّل إلى ما بعد تنفيذ التزامات الطرف الآخر بموجب المذكرة".
وفي الداخل الأمريكي، توجه السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام -وهو أحد أبرز حلفاء ترمب في الكونغرس- إلى منصة إكس يوم الأحد، للتعبير عن مخاوفه بشأن التباين بين واشنطن وطهران حول جوانب من الاتفاقية، إذ قال" سأراقب من كثب المفاوضات اللاحقة بشأن برنامج إيران النووي وأمور أخرى.
إنني قلق نوعا ما من أن رؤية إيران للاتفاق تبدو مختلفة عما يدعيه فريق التفاوض الأمريكي".
وأشار غراهام أيضا إلى أنه بموجب القانون الأمريكي، فإن أي اتفاق نووي مع إيران سيُرسَل إلى الكونغرس" للمراجعة والتصويت".
ما دور" العامل الإسرائيلي" وتأثيره في اتفاق السلام الأمريكي الإيراني؟تمثل إسرائيل عقبة رئيسية قد تعرقل مسار المفاوضات الجارية، إذ أعلنت الحكومة الإسرائيلية صراحة عدم اعترافها بهذا الاتفاق لأنها ليست طرفا فيه.
وفي هذا السياق، أكد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أن اتفاق ترمب لا يلزم إسرائيل باعتبارها دولة مستقلة وذات سيادة، مشددا على رفضه لصفقة لا تضمن أمن بلاده.
وتشكل الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان تشابكا معقدا للمفاوضين، فبينما تحاول إدارة ترمب فصل هذا الصراع عن الملف الإيراني، تصر طهران وباكستان على أن لبنان جزء من المعادلة، وتربط إيران إتمام الاتفاق بوقف العمليات العسكرية هناك.
في المقابل، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغوطا سياسية داخلية، تدفعه إلى الاستمرار في حربه على لبنان مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
وقد تسببت الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على بيروت في قلق بالغ لدى إدارة ترمب من احتمال تقويض محادثات السلام، إذ انتقد ترمب الهجوم قائلا إنه ما كان ينبغي أن يحدث في وقت يقترب فيه الطرفان من توقيع الاتفاق.
كما كشف نائب الرئيس جيه دي فانس أن واشنطن رصدت مؤشرات على استعداد إيران لشن هجوم صاروخي ضخم ردا على ضربة بيروت، وهو ما تراجعت عنه طهران لاحقا بطلب من ترمب، رغم تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على بقاء قواته في جنوب لبنان وتوعده بالرد على أي هجوم إيراني.
وفي انعكاس لانزعاج البيت الأبيض من التحركات الإسرائيلية، وصف ترمب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه" رجل صعب"، مشيراً إلى أنه ينبغي على نتنياهو أن يكون ممتنا جدا للجهود الأمريكية، لأنه لو امتلكت إيران سلاحا نوويا لما تمكنت إسرائيل من الصمود ساعتين.
لماذا تحيط إدارة ترمب نص الاتفاق بالتكتم والغموض؟التفسير الأكثر واقعية لهذا التكتم لا يعود إلى" السرية الدبلوماسية" بقدر ما يعود إلى طبيعة الوثيقة نفسها، فهي مجرد إطار فضفاض واتفاق مبدئي على" مواصلة التفاوض" بشأن الملفات المعقدة لمدة 60 يوما، وليست تسوية نهائية شاملة.
وخلف كواليس هذا الغموض، تتقاطع دوافع سياسية واقتصادية حساسة للبيت الأبيض، إذ يسعى ترمب لانتزاع نصر دبلوماسي فوري يُسجَّل لصالح إدارته قبل الانتخابات النصفية لعام 2026.
إن إعلان" نهاية الحرب" -حتى لو كان شكليا- كفيل بتهدئة الأسواق وخفض أسعار النفط وكبح جماح التضخم، وهي أوراق انتخابية رابحة لا تحتمل انتظار التفاصيل الفنية المعقدة.
ويحمي التكتم إدارة ترمب من الحرج السياسي الداخلي والخارجي، فالكشف عن البنود الآن سيعري التضارب الصارخ بين الروايتين الأمريكية والإيرانية، ويسلط الضوء على حجم" التنازلات" التي قد تبدو واشنطن وكأنها قدمتها إلى النظام الإيراني دون الحصول على ضمانات حقيقية وموثقة حتى الآن.
ومن جهة أخرى، يتيح الغموض لإدارة ترمب تسويق الاتفاق بالشكل الذي تراه مناسبا للجمهور الأمريكي، وتجنب الصدام المبكر مع القوى المعارضة للصفقة داخليا، أو مع الحلفاء الإقليميين الذين يبدون توجسا كبيرا مما تسرّب من كواليس جنيف.
ويبقى غياب النص الكامل للاتفاق عاملا رئيسيا في استمرار الجدل بشأن مضمونه وفرص نجاحه، إلى حين اتضاح نتائج المفاوضات المرتقبة خلال الأسابيع المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك