تشهد محافظات سورية عديدة خلال الفترة الأخيرة موجة احتجاجات متصاعدة، على خلفية رفض شعبي لعودة شخصيات يُتهم بعضها بالارتباط بمرحلة النظام المخلوع، وما يرافق ذلك من مطالب بتسريع مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وتطورت هذه الاحتجاجات في بعض المناطق إلى حراك يومي يترافق مع توتر أمني وحوادث متفرقة، في ظل جدل واسع بين الدعوات إلى تطبيق العدالة عبر مؤسسات الدولة، وتحذيرات من الانزلاق نحو ردود فعل خارج إطار القانون.
وتأكيداً على استمرارها في ملاحقة المتورطين بجرائم النظام المخلوع، نشرت وزارة الداخلية بياناً أكدت فيه مواصلة عمليات التوقيف بحق عدد من أصحاب الرتب العسكرية ممن يُشتبه بتورطهم في قضايا مرتبطة بسنوات النزاع، في إطار ما تصفه السلطات بمسار" العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات".
تأتي هذه الخطوة في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات في عدد من المحافظات السورية، على خلفية مطالب بتسريع مسار العدالة الانتقالية، ومحاسبة من يُتهمون بالضلوع في جرائم ارتُكبت خلال حقبة النظام المخلوع، مع تصاعد الدعوات لعدم إعادة تدوير شخصيات مثيرة للجدل أو السماح بعودتها إلى المشهد العام دون محاسبة واضحة.
وفي هذا السياق، تتباين القراءات السياسية والقانونية والشعبية لطبيعة هذا الحراك، وحدود التعامل معه، بين من يراه ضرورة تاريخية متأخرة، ومن يحذّر من تحوله إلى مسار خارج أطر الدولة والقانون.
العدالة الانتقالية ضرورة… لكن البطء والشفافية هما الأزمةيرى المحلل السياسي الدكتور أحمد الهواس أن العدالة الانتقالية ليست حالة سورية استثنائية، بل مسار عرفته دول خرجت من نزاعات وحروب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مشيراً إلى تجارب مثل جنوب أفريقيا ورواندا والجزائر، حيث خضعت ملفات الجرائم لآليات قانونية مختلفة.
ويؤكد الهواس أن جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، معتبراً أن النقاش في سوريا حول العدالة الانتقالية يجب أن ينطلق من هذا المبدأ، في ظل وجود أعداد كبيرة جداً من المجرمين ومن الشبيحة ومن الذين شاركوا بقتل الشعب السوري.
ويضيف الهواس لموقع تلفزيون سوريا أن جزءاً من المرحلة السابقة كان يقوم، وفق وصفه، على تحييد بعض الفئات أو التصالح معها لتجنب اتساع المواجهات، إلا أن الإشكالية اليوم، بحسب رأيه، تكمن في بطء عملية المحاسبة وغياب الشفافية في بدء تطبيق مسار العدالة الانتقالية الذي يطالب به السوريون.
ويشير الهواس إلى أن استمرار ظهور بعض الشخصيات التي كانت تمثل" ذراعاً خشناً للنظام" في العلن أو حصولها على استقبال علني من عائلاتها أو محيطها الاجتماعي، يترك أثراً بالغاً في الوعي العام، وقد يفاقم حالة الاحتقان في الشارع السوري.
وفي المقابل، يؤكد الهواس الاعتصامات والمظاهرات بأنها حالة صحية، لكنه يحذّر من إمكانية استغلالها لاحقاً كـ" حصان طروادة" ضد مسار الاستقرار، سواء تحت شعارات حماية الثورة أو ملاحقة الشبيحة، داعياً إلى عدم السماح بتوجيهها خارج سياقها الشعبي.
ويشدد على ضرورة أن تترافق العملية مع شفافية حكومية واضحة، عبر إصدار بيانات تشرح آليات عمل هيئة العدالة الانتقالية، وأسباب تأخير محاسبة بعض الأسماء، مع طرح هذا النقاش بشكل علني أمام الرأي العام، معتبراً أن ذلك ليس بالأمر الصعب.
كما يطرح الهواس تساؤلات حول عوامل إضافية قد تؤثر على المشهد، بينها الضغوط الدولية المحتملة على الحكومة السورية، ومدى انعكاسها على وتيرة تنفيذ العدالة الانتقالية، مؤكداً أنه في حال بدء المحاكم بإصدار أحكام رادعة، فإن ذلك سينعكس إيجاباً على الشارع السوري بدل قراءته كعامل تفجير.
لا عدالة انتقالية خارج القضاء… ولا تسويات مع القتلةمن جهته، يضع المحامي والقانوني أحمد شحادة ملف العدالة الانتقالية في إطار قانوني صارم، مؤكداً أن هذا المسار يجب أن يُدار حصراً عبر المؤسسات القضائية، باعتباره الطريق الأنجح لضمان الاستقرار بعد سقوط النظام المخلوع.
ويشير شحادة إلى أن ذوي الضحايا يرون أن العدالة تأخرت، وأن من يُتهمون بالمسؤولية عن الانتهاكات بدؤوا بالدخول إلى المدن والبلدات دون مراعاة لمعاناة الأهالي، وهو ما يجعل الملف، بحسب وصفه، حساساً للغاية ويتطلب معالجة حكومية دقيقة.
لكنه في المقابل يرفض بشكل واضح أي توجه نحو العدالة الانتقامية، محذراً من أنها قد تؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن العدالة الانتقالية يجب أن تتم تحت سقف القانون فقط، من خلال مراحل تقاضٍ متعددة تضمن حقوق جميع الأطراف، بما في ذلك حق الدفاع وتوكيل المحامين.
ويشدد شحادة على أن القانون هو المرجعية الوحيدة، وأنه لا يمكن اختزال العدالة في ردود فعل أو إجراءات خارج القضاء، بل عبر محاكمات عادلة ومنظمة تضمن عدم الظلم لأي طرف.
ويضيف أن كل من تلطخت أيديهم بالدماء، أو تسببوا بشكل مباشر أو غير مباشر في القتل أو الاعتقال أو كتابة التقارير الأمنية التي أدت إلى الانتهاكات، يجب أن يُحاكموا قضائياً، مؤكداً أن هذه الجرائم لا يمكن أن تموت بالتقادم.
كما يرفض شحادة أي حديث عن تسويات أو عفو في ملفات القتل، معتبراً أن العفو لا يمكن أن يشمل مرتكبي الجرائم الخطيرة، بل يجب أن يتم عبر القضاء فقط، وهو ما تؤكده، بحسب قوله، تصريحات رسمية صادرة عن مؤسسات الدولة، بما فيها رئاسة الجمهورية ووزارتا الداخلية والعدل، التي تشدد على أن المحاسبة لن تتوقف وأنه لا أحد فوق القانون.
الشارع ينفجر غضباً… لكن الخطر في اختطاف الحراكعلى مستوى الشارع، يرى الناشط السوري صالح الشواخ أن الاحتجاجات الأخيرة ليست حدثاً عابراً، إنما هي تعبير مباشر عن تراكم سنوات من التهجير والظلم والفقر، مشيراً إلى أن المزاج العام اليوم مستنزف ومثقل بالأزمات، لكنه في الوقت نفسه يرفض بشكل قاطع أي محاولة لإعادة تدوير رموز النظام السابق أو التغاضي عن جرائم الشبيحة.
ويؤكد الشواخ أن ملف العدالة الانتقالية لا يمكن أن يُدار عبر" حبر على ورق" أو تسويات سياسية، بل من خلال محاسبة شاملة لكل من تورط في الانتهاكات، وضمان عدم إفلات أي مسؤول من العقاب، إلى جانب إعادة الاعتبار للضحايا وذويهم.
وفي المقابل، يحذر من أن استمرار غياب مسار رسمي واضح قد يؤدي إلى تعميق فجوة الثقة بين المجتمع والدولة، وهو ما قد ينعكس على شكل عدم استقرار اجتماعي متزايد.
ويطالب بتحويل المطالب الشعبية إلى استراتيجية وطنية واضحة تتضمن قوانين صارمة لملاحقة المتورطين، مع تأكيد أن بناء دولة مستقرة لا يمكن أن يتم دون عدالة حقيقية وشاملة.
لكن الشواخ يضيف تحذيراً آخر لا يقل أهمية، إذ يرى أن هناك خطراً حقيقياً يتمثل في إمكانية تسلل من وصفهم بـ“شبيحة النظام المخلوع” إلى موجة الاحتجاجات، واستغلالها لتوجيهها نحو الفوضى.
ويقول إن هؤلاء يتسللون تحت أقنعة مختلفة، مستغلين غضب الشارع لتغيير مسار الحراك من مطالب محقة إلى حالة فوضى تخدم بقاءهم وتعيد إنتاج نفوذهم، محذراً من أن الهدف النهائي هو تفريغ المطالب من مضمونها وتحويلها إلى أدوات تخريبية.
في المحصلة، يبقى التحدي الأساسي أمام هذه الاحتجاجات هو الحفاظ على طابعها السلمي المرتبط بالعدالة، بالتوازي مع الدفع نحو مسار مؤسساتي واضح يضمن محاسبة المتورطين ضمن إطار القانون، ويحول دون انزلاق الشارع إلى ردود فعل خارج هذا الإطار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك