العربي الجديد - باسم يوسف في "بطن الحوت". العربية نت - الإمارات تحبط مخططاً لترويج المخدرات داخل البلاد يضم 23 متهماً الجزيرة نت - ماذا ستكسب طهران من فتح موانئها الخمسة بموجب الاتفاق؟ روسيا اليوم - فيضانات عارمة تهدد 16 مليون نسمة جنوبي الولايات المتحدة وسط استمرار الأمطار الغزيرة Independent عربية - فانس: إذا لم تنفذ إيران بنود الاتفاق ستظل برامجها النووية والعسكرية مدمرة قناة التليفزيون العربي - الضم الزاحف يصل أخطر مستوياته.. أكثر القرارات الإسرائيلية كارثية في الخليل على لسان سموتريتش العربي الجديد - وقف الحرب يعيد البريق لذهب تركيا قناة الشرق للأخبار - هذه العوائق تهدد توقيع الاتفاق بين أميركا وإيران الجزيرة نت - خطوة تغيّر قواعد تاريخية.. هل انقلبت إسرائيل على اتفاقية الخليل؟ روسيا اليوم - الشيوخ الأمريكي يحبط قرارا حول صلاحيات ترامب في الحرب ضد إيران
عامة

حين تتحول الكلمات إلى رصاص: خطاب الكراهية وتمزيق النسيج السوداني

سودانايل الإلكترونية

إن خطاب الكراهية الذي يدعو إلى التمييز والتفرقة بين الناس على أساس لونهم أو جنسهم أو عرقهم غير مقبول ومحظور لأنه يتعارض مع تعاليم الإسلام، الذي منح كل فرد حقه، وجعل معيار التمييز درجة التقوى والوعي. ....

إن خطاب الكراهية الذي يدعو إلى التمييز والتفرقة بين الناس على أساس لونهم أو جنسهم أو عرقهم غير مقبول ومحظور لأنه يتعارض مع تعاليم الإسلام، الذي منح كل فرد حقه، وجعل معيار التمييز درجة التقوى والوعي.

فقدحذر الله سبحانه وتعالى من السخرية واللمز بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].

كما حذر من نشر العداوة والبغضاء: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ… فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91].

كما نهى عز وجل عن الظلم والإيذاء: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

وأمر بالعدل حتى مع الخصوم: قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَقْوَى﴾ [المائدة: 8].

هذه الآيات تحض على نبذ خطاب الكراهية لخطورته في تأجيج النعرات القبلية والنزاعات؛ خصوصًا في فترات التوتر السياسي والأمني؛ ويؤثر بشكل فاعل في تعميق الانقسامات الاجتماعية؛ وعندما يستخدم لغة تحقيرية أو تمييزية ضد جماعات قبلية أو عرقية معينة؛ يعزّز بذلك مشاعر العداء وعدم الثقة بين المكونات الاجتماعية المختلفة؛ كما أنه يحرّض على العنف عند تصويره جماعة معينة على أنها تهديد أو عدو؛ مما يسهل تبرير الاعتداءات أو الأعمال الانتقامية ضدها؛ ويطيل أمد النزاعات بعرقلته جهود ومساعي المصالحة والحوار؛ ويقوّض الهوية الوطنية بتركيزه على الانتماءات القبلية أو الإثنية بصورة إقصائية؛ مما يضعف الشعور بالانتماء الوطني ويعزّز الولاءات الضيقة؛ والأمثلة على ذلك كثيرة منها ما شهدته بعض مناطق السودان مثل إقليم دارفور وأجزاء من كردفان؛ من فترات تصاعد فيها الخطاب القائم على الانتماءات القبلية والإثنية؛ وهو ما تزامن في بعض الحالات مع اشتباكات ونزاعات محلية؛ حيث استُخدمت روايات تحريضية لتعبئة الأفراد وتبرير أعمال العنف؛ في وقت ساهمت فيه المنصات الرقمية في تسريع محتوى خطاب الكراهية وتداول الشائعات والمعلومات المضللة ذات الطابع القبلي أو العرقي؛ مما يزيد من احتمالات التصعيد الميداني.

وهكذا يُشكل هذا الخطاب سلاحاً فتّاكاً في تفاقم الأوضاع المعقدة في البلاد، فقد اُستخدم لتأجيج الانقسامات الإثنية والقبلية، وتعميق الاستقطاب المجتمعي؛ فقد تحوّل من مجرد تعبير لفظي إلى أداة تحشيد إعلامي، مما يهدّد وحدة البلاد؛ فقد رأينا كيف تم توظيف منصات التواصل الاجتماعي لنشر السرديات المضلّلة؛ وتعميم الاتهامات ضد مجموعات إثنية بأكملها؛ كما كان ولا زال للتحشيد الإثني والرقمي دوره في تأجيج النعرات القبلية؛ فساهمت شخصيات إعلامية ومؤسسات في” شيطنة الآخر” من خلال بث الشائعات وتجريد الخصوم من إنسانيتهم؛ وتحميل أعراق أو أقاليم معينة مسؤولية الأزمات التاريخية والسياسية في البلاد؛ وهكذا استمر أثر خطاب الكراهية في زيادة الشحن العرقي والمناطقي مما أطال أمد أزماتنا؛ وحوّل الصراع من نزاع سياسي ــ عسكري إلى صراع وجودي بين المكونات الاجتماعية يهدّد وحدة الوطن بأكمله؛ كما كان لهذا الخطاب أثره في زيادة معدل التخويف والتهديد المرتبط بالهوية وارتفاع معدل موجات النزوح داخل البلاد واللجوء إلى الخارج؛ والقضاء على التعايش السلمي بين مكونات المجتمع الواحد الذي كان حتى وقت قريب متآلفا ومتعايشا مع بعضه البعض.

إن خطاب الكراهية في نظر الفلاسفة ليس مجرد “كلام عابر”، بل هو سلوك لغوي فعلي يؤدي إلى الإقصاء والتهميش؛ وقد تباينت المقاربات الفلسفية في تناوله؛ فهذا الفيلسوف “ج.

ل.

أوستن” يرى في “نظرية أفعال الكلام” أن الكلمات ليست ناقلة للمعلومات فقط؛ بل هي أفعال بحد ذاتها؛ ويؤكد أن “خطاب الكراهية يمثل فعلاً يحمل قوة تدميرية وتأثيراً مادياً ونفسياً على الفرد والمجتمع”؛ أما الفيلسوف “إيريك فروم” فيصف الكراهية بأنها “وهن روحي وعجز عن الحب”؛ ويرى أن مشاعر التفوق العرقي والتعصب غالبًا ما تنبع من جماعات تشعر بالحرمان الثقافي أو السياسي؛ وتتخذ من الكراهية أداة لتضخيم الذات؛ وناقشت الفيلسوفة “مارثا نوسباوم” كيف أضر هذا الخطاب بالجماعات المهمشة وعزّز التمييز ضدها؛ وتؤكد على ضرورة اعتماد آليات تعزّز قيم التسامح والعدالة بدلًا من إثارة النعرات؛ ودافع الفيلسوف “سلافوي جيجك” عن فكرة التدخل والرقابة لتقييد هذا الخطاب؛ معتبرًا أن المجتمعات السليمة لا يمكنها أن تسمح بانتشار خطابات الكراهية والعنف والدعوة لها تحت مسمى الحرية المطلقة؛ فيما لا تزال الفلسفة المعاصرة تطرح جدلًا حول ما إذا كان خطاب الكراهية مشمولًا بـ “حرية التعبير” أم أنه يشكل “ضررًا جسيمًا” يستوجب التجريم.

فالسودان الذي يشهد حربًا قضت على الأخضر واليابس في حاجة ماسة إلى أن يستغل الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية في 18 يونيو 2026 تحت شعار “قوة الشراكات في مواجهة خطاب الكراهية”” (The power of partnerships for countering hate speech) للتصدي لخطاب الكراهية المتنامي في البلاد؛ لخطورته في تأجيج الانقسام؛ وإعاقة أي جهود تُبذل لتعزيز وحدة البلاد.

إن التصدي لخطاب الكراهية في السودان ليس قضية إعلامية أو أخلاقية فحسب، بل هو أحد المفاتيح الأساسية لإيقاف دوامة العنف والنزاعات التي لا تبدأ عادةً بالرصاص، وإنما بالكلمات التي تُجرّد الآخر من إنسانيته، وتُشيطنه، وتُصوّره عدواً وجودياً يجب التخلص منه.

لقد أفرزت أحداث البلاد مستويات غير مسبوقة من الاستقطاب الجهوي والقبلي والإثني والسياسي، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية ساحات مفتوحة للتحريض والتخوين ونشر الشائعات وإثارة الأحقاد التاريخية، الأمر الذي عمّق الانقسام المجتمعي.

وللتصدي لهذا الخطاب نحتاج إلى ما يلي:أولاً: سن وتفعيل تشريعات رادعة ووضع قوانين واضحة تجرّم التحريض على العنف والكراهية والتمييز على أساس القبيلة أو العرق أو الجهة أو الدين، مع ضمان عدم استخدام هذه القوانين لتقييد حرية التعبير المشروعة.

ثانياً: تعزيز دور الإعلام الوطني المسؤول والذي بتبني خطاب جامع يركز على المشتركات الوطنية بدلاً من تضخيم الخلافات، وإعطاء مساحة للأصوات الداعية إلى السلام والتعايش ونبذ العنف.

ثالثاً: إصلاح الخطاب السياسي؛ وهذا يتطلب أن تدرك القوى السياسية أن المكاسب الآنية التي تحققها عبر تعبئة الجماهير بخطاب الكراهية ستتحول مستقبلاً إلى تهديد لوحدة البلاد واستقرارها.

رابعاً: نشر ثقافة السلام في التعليم من خلال تضمين المناهج الدراسية قيم التسامح والتنوع وقبول الآخر، وأن تقدم السودان بوصفه وطناً جامعاً لكل مكوناته الثقافية والإثنية.

خامساً: تعزيز الدور المحوري للقيادات المجتمعية والدينية والزعماء الأهليين ورجال الدين وقادة الرأي؛ في إطفاء نيران الفتنة، عبر الدعوة إلى المصالحة ونبذ خطاب الانتقام.

سادساً: مواجهة خطاب الكراهية رقمياً من خلال حملات توعوية، وتدريب الشباب على التحقق من المعلومات، ومكافحة الشائعات والحسابات التي تروّج للتحريض والعنف.

وقد يتبادر إلى الذهن سؤال: هل يكفي التصدي لخطاب الكراهية لوقف معاناة أبناء الوطن بسبب الحرب؟ الإجابة: لا، لكنه شرط ضروري لنجاح أي مسار للسلام؛ حيث إن خطاب الكراهية يجعل التسويات أكثر صعوبة.

وعندما تتوقف لغة التحريض والتخوين، تصبح فرص الحوار والمصالحة أكبر، ويصبح الرأي العام أكثر استعداداً لقبول الحلول السلمية.

وقد يتبادر إلى الذهن سؤال آخر: إلى أي مدى ينعكس التصدي لخطاب الكراهية على وقف ما نعانيه من نزيف مستمر؟

يمكن أن ينعكس ذلك على:_ تقليل عمليات التعبئة والتحشيد.

_ الحد من استهداف المدنيين على أساس الهوية.

_ تعزيز الثقة بين المكونات الاجتماعية المختلفة.

_ تهيئة المناخ لعمليات المصالحة الوطنية.

_ دعم جهود التفاوض والتسوية السياسية.

_ إتاحة الفرصة لرتق النسيج الاجتماعي.

إن السودان لن يخرج من أزمته بمجرد إسكات أصوات البنادق، بل بإسكات الأصوات التي تزرع الأحقاد بين أبنائه.

فالسلام الحقيقي لا يبدأ عند توقيع الاتفاقات السياسية فحسب، وإنما يبدأ عندما يقتنع السوداني بأن اختلاف قبيلته أو جهته أو انتمائه السياسي لا يلغي إنسانيته ولا مواطنته.

ولعل التحدي الأكبر أمام السودانيين اليوم هو بناء خطاب وطني جديد يستبدل مفردات الكراهية بمفردات المواطنة، والانتقام بالعدالة، والإقصاء بالشراكة، والانقسام بالوحدة الوطنية.

عندها فقط يمكن أن يتحول السلام من هدنة مؤقتة إلى مشروع وطني دائم.

فلنتذكر أن مواجهة هذا الخطاب البغيض ودرء أخطاره؛ تتطلب استجابة تستند إلى نهج شمولي يشمل المجتمع بأكمله؛ وسياسات للنهوض بجهود معالجة أسبابه الجذرية؛ والتخفيف من أثره ومكافحته كمسألة ذات أولوية وطنية على أعلى مستوى سياسي؛ وتعزيز بناء قدرات الجهات القضائية؛ وتطبيق سياسات واستراتيجيات فعّالة لمكافحة التمييز؛ وفي الوقت نفسه العمل على بناء جسور التفاهم؛ وإعلاء قيم التعايش والتعاطف والحوار مع الآخر واحترام التنوع؛ بوصفها ركائز حاسمة في تماسك المجتمع وحمايته مستقبلًا من أي انقسامات؛ ونشر التسامح؛ ومعالجة جذور التطرف؛ وتشجيع الحوار والمصالحة بين مكونات المجتمع؛ فلنحرص على المستوى الفردي والرقمي على أن لا نرد على الإساءة بمثلها حتى لا نمنح لخطاب الكراهية انتشارًا أوسع؛ واستخدام أدوات التبليغ المتاحة على منصات التواصل الاجتماعي لحظر الحساب والمحتوى المسيء؛ أما على المستوى الفكري والمجتمعي فلا بد من نشر المحتوى الإيجابي الذي يدعو إلى التسامح والتنوع وقبول الآخر؛ والتدقيق في أي محتوى قبل مشاركته لتجنب المساهمة في نشر الشائعات المضللة.

إن مواجهة الكراهية ليست مقتصرة على الحكومة وحدها؛ بل هي مسؤولية مجتمعية تتطلب تكامل جهود الأفراد والمؤسسات التعليمية وشركات التكنولوجيا للتصدي لها دون المساس بحرية التعبير؛ مع العمل على تعزيز الشفافية والمساءلة في المنصات الرقمية لوضع حد للتضليل الإعلامي وخطاب الكراهية والتمييز على الإنترنت.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك