العربي الجديد - باسم يوسف في "بطن الحوت". العربية نت - الإمارات تحبط مخططاً لترويج المخدرات داخل البلاد يضم 23 متهماً الجزيرة نت - ماذا ستكسب طهران من فتح موانئها الخمسة بموجب الاتفاق؟ روسيا اليوم - فيضانات عارمة تهدد 16 مليون نسمة جنوبي الولايات المتحدة وسط استمرار الأمطار الغزيرة Independent عربية - فانس: إذا لم تنفذ إيران بنود الاتفاق ستظل برامجها النووية والعسكرية مدمرة قناة التليفزيون العربي - الضم الزاحف يصل أخطر مستوياته.. أكثر القرارات الإسرائيلية كارثية في الخليل على لسان سموتريتش العربي الجديد - وقف الحرب يعيد البريق لذهب تركيا قناة الشرق للأخبار - هذه العوائق تهدد توقيع الاتفاق بين أميركا وإيران الجزيرة نت - خطوة تغيّر قواعد تاريخية.. هل انقلبت إسرائيل على اتفاقية الخليل؟ روسيا اليوم - الشيوخ الأمريكي يحبط قرارا حول صلاحيات ترامب في الحرب ضد إيران
عامة

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (17

سودانايل الإلكترونية

الطريق إلى بروتوكول ماشاكوس 2002أوضحنا في المقالات السابقة في هذه السلسلة من المقالات، أنه بعد انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو عام 1989، ثُمَّ الانشقاق داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991، برز مس...

الطريق إلى بروتوكول ماشاكوس 2002أوضحنا في المقالات السابقة في هذه السلسلة من المقالات، أنه بعد انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو عام 1989، ثُمَّ الانشقاق داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991، برز مساران للتفاوض حول قضية الجنوب، قادا معاً، كلٌ بدوره ومساهماته، إلى حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

فقد استطاعت الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية (فصيل الناصر ثم الفصيل المتحد، والفصائل الأخرى) في فترة ستِّ سنوات، (1992 – 1998)، انتزاع حق تقرير المصير من حكومة الإنقاذ كما يلي:في علان فرانكفورت في 25 يناير 1992.

في ميثاق السلام في 10 أبريل عام 1996.

في اتفاقية الخرطوم للسلام في 21 أبريل عام 1997.

في اتفاقية فشودة في 20 سبتمبر عام 1997.

في دستور السودان لعام 1998كما استطاعت الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم خلال سبعة أعوامٍ (1994 – 2001) انتزاع حق تقرير المصير من كل أحزاب المعارضة الشمالية، كالآتي:من الحزب الاتحادي الديمقراطي في إعلان القاهرة في 13 يوليو 1994.

من حزب الأمة في اتفاق شقدوم في 12 ديسمبر عام 1994.

من الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة وقوات التحالف السودانية في الاتفاق الرباعي في 27 ديسمبر عام 1994.

من كل أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي (الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الامة والحزب الشيوعي) في إعلان أسمرا في 23 يونيو عام 1995.

من حزب المؤتمر الشعبي في اتفاق جنيف في 19 فبراير عام 2001.

وكما أوضحنا في المقالين السابقين، فقد كان من المتوقّع أن تقود اتفاقية الخرطوم للسلام بين حكومة الإنقاذ والفصائل المنشقة من الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى قيام مؤسساتٍ عسكريةٍ وإداريةٍ وسياسيةٍ في جنوب السودان تحت الإدارة المشتركة لهذين الطرفين، وأن يتركّز الجهد المشترك في مواجهة الحركة الشعبية الأم عسكرياً في كل مواقع وجودها بغرض هزيمتها وتصفيتها.

غير إن تنفيذ اتفاقية الخرطوم فشل فشلاً تاماً منذ البداية بسبب عجز الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية والجيش السوداني في مواجهة الحركة الشعبية الأم عسكرياً.

وتواصلت انتصارات الحركة على الحلف الجديد في عددٍ كبيرٍ ومتزايدٍ من المواقع في جنوب السودان.

ووضح بعد فترةٍ قصيرةٍ لقادة الفصائل المنشقّة استحالة المهمة التي وعدوا بتنفيذها، فبدأوا بالعودة إلى الحركة الشعبية الأم، ومعهم كمهرٍ لقبول العودة، وثائق حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان التي وقّعوها مع حكومة الإنقاذ.

بالإضافة إلى فشل اتفاقية الخرطوم للسلام، والنكسات العسكرية الكبيرة للحكومة، حدث الانشقاق داخل البيت الإسلامي الحاكم في الخرطوم، وزادت العقوبات والمقاطعة الأمريكية الوضع الاقتصادي والسياسي سوءاً.

دفع ذلك الوضع المتردّي بحكومة الإنقاذ إلى اللجوء إلى الإيقاد للمرة الثالثة، مستجديةً إياها إحياء مفاوضات الإيقاد مع الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم.

استجابت الإيقاد، بعد تردّدٍ طويلٍ، عبر رؤساء لجنة الوساطة الأربعة – كينيا ويوغندا وإثيوبيا وإريتريا.

كان مبعث تردّد الإيقاد هو تجربتها مع حكومة الإنقاذ خلال مفاوضات الإيقاد الأولى عام 1994 عندما رفضت حكومة الإنقاذ مبادئ الإيقاد في الجولة الرابعة، وانسحابها من الجولة الثامنة من مفاوضات الإيقاد الثانية (1997 – 1999)، كما ناقشنا بقدرٍ من التفصيل في المقالات السابقة.

عير أن حكومة الإنقاذ التزمت لمنظمة الإيقاد أنها لن تنسحب من المفاوضات هذه المرّة، وقبلت الإيقاد ذلك كشرطٍ أساسيٍ لمواصلة وساطتها الثالثة.

بمفتضى هذه الشروط بدأت في 17 يونيو عام 2002 في منتجع مشاكوس في كينيا جولات حلقة التفاوض الثالثة بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان تحت مظلة وساطة الإيقاد.

قاد وفد حكومة الإنقاذ الدكتور غازي العتباني مستشار رئيس الجمهورية لشئون السلام، وشمل كلاً من السادة إدريس محمد عبد القادر، ويحيى حسين بابكر، ومطرف صديق، وسيد الخطيب.

قامت الحركة الشعبية باختيار السيد سلفا كير، نائب رئيس الحركة الشعبية، رئيساً لوفدها المفاوض، وعضوية السادة نيال دينق نيال، ودينق ألور، وسامسون كواجي، والدكتور جستين ياك.

ضمّ كلٌ من الوفدين مجموعةً أخرى من الأعضاء السياسيين والفنيين كمستشارين.

كانت خطّة سكرتارية إيقاد للتفاوض أن تستمر المفاوضات هذه المرّة لأطول فترةٍ ممكنة حتى تضمن الوصول لاتفاقٍ، وأن لا تتقيّد السكرتارية بفترة زمنية محدودة كما حدث في جولات المفاوضات السابقة، وأن تبتعد بالمفاوضات من نيروبي حيث السفارات ووسائل الإعلام المتلهّفة لأخبار التفاوض.

وقد نجحت السكرتارية في حشد الدعم المالي اللازم لذلك من أصدقاء الإيقاد.

كما استطاعت أيضاً حشد الدعم السياسي بمشاركة السفير البريطاني ألان قولتي الذي عيّنته المملكة المتحدة مبعوثاً خاصاً للسودان.

وقام الرئيس جورج بوش الذي تمّ انتخابه في نوفمبر عام 2000، بتعيين السيد جون دانفورث مبعوثاً خاصاً للولايات المتحدة الأمريكية للسودان.

وقد ساهم تدخّل السيد كولين باول وزير الخارجية الامريكي في إدارة الرئيس جورج بوش، من وقتٍ لآخر، في دفع عماية التفاوض، كما فعلت مكالمات الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر الهاتفية، خصوصاً مع وفد الحركة الشعبية.

وكان الرئيس الأمريكي السابق قد أدلى بدلوه في بحر وساطات النزاع السوداني المضطرب في شهري نوفمبر وديسمبر عام 1989 في نيروبي، ولكن بدون أيِّ نجاحٍ، كما ناقشنا من قبل.

كما قررت الحكومتان الكينية والنرويجية دفع عملية الوساطة والسلام بتعيين وسيطٍ متفرّغ.

وقد لعب الجنرال الكيني لازارو سومبييو، والوزيرة النرويجية السيدة هيلدا جونسون، دوراً فاعلاً خلال المفاوضات كوسيطين، وأصدر كلٌ منهما فيما بعد كتاباً عن مفاوضات السلام السودانية.

يبدو أن السكرتارية لم تجد نقطة التقاءٍ للوفدين من المفاوضات السابقة لتحرّك منها عملية التفاوض في جولاتها الجديدة.

عليه فقد بدأت المفاوضات بفكرة “بلد واحد بنظامين.

”وكان قد تمّ إعداد ورقةٍ بهذا المضمون لمعهد السلام في واشنطن من أجل ندوةٍ داخليةٍ عن السودان عام 2001، ولكن الورقة وجدت طريقها إلى وسائل الإعلام.

بنى معهد السلام في واشنطن فكرة بلد أو دولة واحدة بنظامين على تجربة هونغ كونغ مع جمهورية الصين الشعبية، ووضعها الدستوري والسياسي الحالي.

وفي حقيقة الأمر فإن مصطلح “بلد واحد بنظامين” يعود نفسه إلى تلك التجربة التي استعارها المعهد منها.

عليه فقد قررت سكرتارية الإيقاد استخدام ورقة “بلد واحد بنظامين” لتبتدر بها النقاش والتفاوض حول قضية جنوب السودان.

ولكن فكرة النظامين كانت تعني شيئاً مختلفاً لكلٍ من طرفي التفاوض.

فقد حاول الوفد الحكومي استغلالها لدفع اقتراحه السابق والخاص بالفيدرالية إلى واجهة المفاوضات والإصرار عليه.

من الجانب الآخر كان فهم وفد الحركة للفكرة على أنها تجسيد لنظام الكونفيدرالية.

واصل وفد الحركة مطلبه أن يشمل تعريف جنوب السودان ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان بما في ذلك منطقة أبيي.

كما أشارت الحركة إلى أن الزمن قد تجاوز مقترح الفيدرالية، ولا معنى لفتح هذا الملف.

قضى الوفدان وقتاً طويلاً في نقاش المقترحين، وأصر كل وفدٍ على موقفه، وأوضح ذلك النقاش البداية المتعثّرة للمفاوضات، خصوصاً عندما أثار الوفدان مسألة دور الدين في هذين النظامين.

بالنسبة للحكومة فإن أحد هذين النظامين هو الإسلامي، وهذا ما رفضه وفد الحركة.

استمر النقاش يدور في هذه الحلقة المفرغة حتى منتصف يوليو.

وتصاعد الخلاف في المكونات الأساسية لمقترح دولة بنظامين، وتشعّب خصوصاً في مسائل الدين والدولة والمناطق الثلاثة (النيل الأزرق، وجنوب كردفان، وأبيي).

أحسّت الحركة الشعبية أن وفد حكومة الإنقاذ يحاول التهرّب وتمييع إعلان الإيقاد الذي اعتقدت الحركة أنه سيكون أساس التفاوض.

كما أحست الحركة أن وفد الحكومة يحاول أن يعيد المفاوضات إلى المربع الأول، مربع أديس أبابا في شهر أغسطس عام 1989 (أول لقاء بين الحركة الشعبية وحكومة الإنقاذ، كما ناقشنا من قبل).

لهذه الأسباب فقد طالبت الحركةُ سكرتاريةَ التفاوض بالعودة الفورية لحق تقرير المصير الذي تضمّنته مبادئ الإيقاد التي صدرت قبل ثمانية أعوام (20 يوليو عام 1994)، والاتفاق عليه قبل معالجة الأمور الأخرى، وهدّدت بأنها ستنسحب من المفاوضات إذا لم يتم ذلك.

رفض وفد حكومة الإنقاذ في بداية الأمر مسألة فتح ملف حق تقرير المصير.

غير أن وسطاء الإيقاد والمشاركين الأفارقة والأوروبيين والأمريكيين ذكّروا الوفد بإعلان فرانكفورت، والميثاق السياسي، واتفاق الخرطوم، ودستور السودان لعام 1998، والتي تضمّنت كلها موافقة حكومة الإنقاذ صراحةً على مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وحذروا الوفد الحكومي السوداني أنه لايمكن النكوص عن تلك الالتزامات.

وأشار الوسطاء إلى الشروط الخاصة ببدء تلك الحلقة من المفاوضات التي كانت حكومة الإنقاذ قد قبلتها.

كما ذكّر الوسطاء وفد حكومة الإنقاذ بمبادئ الإيقاد لعام 1994 (إعلان حق تقرير المصير والعلمانية للدولة السودانية)، والتي كان مفهوماً وواضحاً للجانب الحكومي أن المفاوضات الجديدة ستنطلق منها، بل وإنها شرط الإيقاد الرئيسي للعودة لوساطة الإيقاد.

كان واضحاً في ذلك الوقت أن المفاوضات قد وصلت إلى طريقٍ مسدود، وأنها تواجه نفس المأزق الذي واجهته جولات التفاوض الثمانية الماضية للإيقاد (1994 – 1999).

لكن كان هناك فرقان كبيران بين هذه الجولة والجولات السابقة.

فقد استمرت هذه الجولة حتى ذلك الوقت لأكثر من شهر، وهو ما لم تحقّقه أيّةٌ من الجولات السابقة.

كما أن الطرفين، خاصةً وفد حكومة الإنقاذ التي سعت حثيثاً للعودة لمفاوضات الإيقاد، كان يعي جيداً أن انهيار هذه الجولة قد يعني في حقيقة الأمر انهيار وساطة الإيقاد في مجملها، وإلى الأبد.

عليه لم يكن مُستغرباً أن يستعمل الجنرال لازارو سومبييو كرته الأخير في عملية التفاوض.

أعدّت السكرتارية يوم 19 يوليو عام 2002 مذكرةً قصيرة أسمتها “الوثيقة الإطارية للتفاوض”، تضمّنت مبادئ أساسية منها حق تقرير المصير بعد فترةٍ انتقالية تمتد إلى ستة أعوام، يُجرى بعدها استفتاء ليقرر بموجبه شعب جنوب السودان خياره بين الوحدة والانفصال.

تضمّنت الوثيقة أيضاً حقَّ كلٍ من طرفي القطر في اختيار قوانينه، وعلى اقتسام الثروة والسلطة، خلال الفترة الانتقالية.

وصف الجنرال سومبييو المذكرة بأنها تضمّنت الخطوط الحمراء لكلٍ طرفٍ من الطرفين – حق تقرير المصير للحركة الشعبية، والشريعة الإسلامية في الشمال لحكومة الإنقاذ – بالإضافة إلى ما وصفه الجنرال بأنه “التباسٌ خلّاق” في بقية القضايا الأخرى.

”ورغم عدم الاتفاق على مبدأ حق تقرير المصير حتى تلك اللحظة من المفاوضات، إلا أن الطرفين كانا قد ناقشا مسألة مدّة الفترة الانتقالية خلال تلك الجولة من المفاوضات.

طالب وفد حكومة الإنقاذ أن تمتد هذه الفترة إلى عشر سنوات، بينما أصرّت الحركة الشعبية على عامين فقط.

يُذكر أن حكومة الإنقاذ كانت قد وافقت في اتفاقية الخرطوم أن تكون الفترة الانتقالية أربع سنوات.

حسم الجنرال لازارو سومبييو هذه المسألة بجمع الرقمين (عامين، وعشرة أعوام) وقسمتهما على اثنين، كما يفعل عادةً كل الوسطاء، وتوصّل إلى فترة انتقالية تمتد إلى ستة أعوام، وتمّ تضمين هذا الرقم في الوثيقة الإطارية.

لم يُثِرْ وفدُ الحركة الشعبية لمفاوضات مشاكوس مسألة قبول الحكومة أن تكون الفترة الانتقالية أربعة أعوام، كما قضت بذلك اتفاقية الخرطوم للسلام بين حكومة الإنقاذ والمجموعات المنشقّة عن الحركة الشعبية.

كان واضحاً أن الحركة الشعبية الأم لم تكن تريد بأي حالٍ من الأحوال إعطاء الحركات المنشقّة عنها أي دورٍ أو مساهمةٍ في إنجازاتها التفاوضية.

وقد برز هذا الاتجاه في عدم تبنّي الحركة الشعبية الأم على الإطلاق لإعلان فرانكفورت الخاص بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، أو الإشارة إليه خلال مفاوضاتها مع نظام الإنقاذ رغم أن إعلان فرانكفورت صدر في 25 يناير عام 1992.

أوضحت السيدة هيلدا جونسون للوفد الحكومي أن الوثيقة الإطارية للتفاوض التي تم عرضها على الطرفين هي مختصرٌ لاتفاقية الخرطوم للسلام.

كما أوضحت للحركة الشعبية أن الوثيقة انبنتْ على مبادئ الإيقاد.

منَحَ الوسطاءُ الوفدين مدة ساعةٍ لقبول أو رفض الوثيقة، مع التهديد بإنهاء الوساطة إذا رفض الطرفان، أو أحدهما الوثيقة، وإعلان ذلك للعالم.

قَبِل الطرفان هذا الإجراء، واختار الوفد الحكومي السيدين يحيى حسين، وسيد الخطيب، بينما اختارت الحركة الشعبية السيدين نيال دينق نيال، ودينق ألور لمناقشة الوثيقة معاً.

طلب الوفدان مزيداً من الوقت بعد مرور الزمن المقرر، ووافق الوسطاء على ذلك.

وبعد أربع ساعاتٍ من النقاش خرج الطرفان باتفاقٍ على مضمون الوثيقة الإطارية للتفاوض مع تعديلاتٍ طفيفةٍ عليها.

وهكذا حسمت أربعُ ساعاتٍ من التفاوض ما فشلت أكثر من عشرة أعوامٍ من تحقيقه.

عليه فقد وافق وفد حكومة الإنقاذ رسمياً في نهاية الأمر في يوم الجمعة 19 يوليو عام 2002 على مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان مع الحركة الشعبية الأم، بعد محاولات التهرّب والتنصّل منه منذ أن أقرّ به الدكتور علي الحاج قبل عشرة أعوام ونصف في إعلان فرانكفورت الذي تمّ التوقيع عليه في 25 يناير عام 1992.

طلب الدكتور غازي العتباني رئيس الوفد الحكومي، عند قبول الوثيقة، التركيز على نقاطٍ أربع هي: أسبقية الوحدة، مع الاعتراف بالتعددية، احترام إرادة الشعب السوداني، والاتفاق على إجراءاتٍ دستورية واضحة خلال الفترة الانتقالية.

من الجانب الآخر فقد وافقت الحركة الشعبية على تطبيق الشريعة الإسلامية في شمال السودان، وهو تنازلٌ يناقض تماماً مانيفستو الحركة، ومبدأ السودان الجديد العلماني الموحّد الذي ظلت الحركة تنادي به منذ عام 1983.

كما يناقض أيضاً مبادئ الإيقاد التي نادت بعلمانية الدولة السودانية.

كان البروتوكول باختصارٍ شديد في نهاية الأمر هو: حق تقرير المصير لجنوب السودان، مقابل تطبيق الشريعة الإسلامية في الشمال.

لكن إن كان حق تقرير المصير سيقود الجنوب إلى الانفصال كما هو متوّقع، فما هي مصلحة الحركة الشعبية لتحرير السودان في خوض معركة القوانين الإسلامية مع مجموعة الإنقاذ نيابةً عن أهل الشمال وتجمّعهم الوطني الديمقراطي؟كان واضحاً ان الحركة الشعبية قد قررت بذلك الوقت حزم حقائبها وترك مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية في الشمال للشماليين ليتجادلوا ويتشاكسوا ويتحاربوا فيها هم بأنفسهم.

تمّت صياغة الوثيقة الإطارية في شكلها النهائي القانوني وتم الاتفاق بين الأطراف الثلاثة والمراقبين بالتوقيع عليها مساء يوم السبت 20 يوليو عام 2002، في القصر الرئاسي في نيروبي، تحت مُسمّى “بروتوكول مشاكوس” إشارة إلى المنتجع الذي تمت فبه المفاوضات والاتفاق.

غير أن وسطاء الإيقاد والمراقبين أصرّوا على أن يوقِّع على البروتوكول بالأحرف الأولى كلٌ من الدكتور غازي العتباني رئيس وفد حكومة الإنقاذ، والسيد سلفا كير رئيس وفد الحركة الشعبية في مشاكوس، قبل التوقيع الرسمي في نيروبي مساء ذلك اليوم.

وقد تم ذلك بالفعل وسط غبطة وسعادة الوسطاء، وتصفيقهم ونشوتهم بعد الانتهاء من التوقيع بالأحرف الأولى على البروتوكول.

بات واضحاً أن الوسطاء كانوا يخشون تراجع أحد الطرفين عن الاتفاق (خصوصاً حكومة الإنقاذ)، فقرّروا الحصول على التوقيع بالأحرف الأولى، قبل أن يتم التوقيع النهائي على البروتوكول مؤخراً مساء ذلك اليوم (السبت).

فلم يكن أيٌ من الوسطاء واثقاً من أن الأمور سوف تسير على ما يرام، وتقود حقيقةً، وفي نهاية الأمر، إلى التوقيع النهائي والرسمي على البروتوكول مساء ذلك اليوم.

وللوسطاء تجاربهم مع أهل الإنقاذ في هذا المجال.

وقد قام فعلاً الدكتور غازي العتباني والسيد سلفا كير بالتوقيع الرسمي على بروتوكول مشاكوس في مساء يوم السبت 20 يوليو 2002 بالقصر الرئاسي في نيروبي بحضور الرئيس الكيني السيد دانيال أراب موي، وعددٍ من الوزراء الكينيين، وأعضاء السلك الدبلوماسي والوسطاء.

وأصدر مجلس الأمن في نفس اليوم بياناً رحّب فيه بالاتفاق.

وفعلت ذات الشيء مجموعةٌ من الحكومات، من بينها الأمريكية والبريطانية والنرويجية والإيطالية التي شاركت في المفاوضات (وساهمت في تمويل تكلفتها) تحت مظلة شركاء الإيقاد.

كما تناولت الصحف ووكالات الأنباء العالمية خبر الاتفاق، وأشادت بإنجاز الوفدين.

وكانت هناك إشادةٌ خاصة بالدكتور غازي العتباني والسيد سلفا كير، وتمّ وصفهما بواسطة القادة الغربيين والصحف الغربية بأنهما رجلا دولةٍ يتميزان بالحكمة والمسئولية.

أشارت السيدة هيلدا جونسون في كتابها إلى رأي الدكتور غازي العتباني في بروتوكول مشاكوس ودوره في التفاوض والتوقيع عليه.

وأوضحت أنه ذكر لها أنه لم يكن هناك تطابقٌ في الآراء حول بروتوكول مشاكوس داخل حكومة الإنقاذ، ولكنه تشاورَ مع أعضاء الوفد، واتصل بالسيد رئيس الجمهورية وكبار المسئولين قبل التوقيع عليه.

وأضاف الدكتور غازي: “بالنسبة لي فقد كانت هذه فرصة العمر التي لايمكن إضاعتها.

لقد كان أمامي في تلك اللحظة بالذات مستقبل السودان.

إنه لا يمكن لمسئولٍ قياديٍ في كامل قواه العقلية أن يضيع مثل تلك الفرصة.

”!كان اتصال الدكتور غازي العتباني بالرئيس البشير قبل التوقيع على بروتوكول مشاكوس شبيهاً باتصال الدكتور علي الحاج بالدكتور حسن الترابي قبل التوقيع على إعلان فرانكفورت، كما ناقشنا في المقال الثاني من هذه السلسلة من المقالات.

وقد أوضحت الحالتان الكيفية التي كانت مجموعة الإنقاذ الحاكمة تتعامل بها مع مثل هذه الأمور الخطيرة، وتتخذ من خلالها القرارات في هذه المسائل الهامة.

كان يبدو أن كل الأطراف – وفد حكومة الإنقاذ، ووفد الحركة الشعبية، وسكرتارية الإيقاد، وشركاء الإيقاد والمراقبين – قد أصابها الإعياء بعد أكثر من شهرٍ من التفاوض المتواصل، وبدأ أفرادها في التفكير في حزم حقائبهم ومغادرة منتجع مشاكوس.

لكن يبدو أيضاً أن وفد حكومة الإنقاذ كان يخشى من مسئولية انهيار المفاوضات هذه المرة، خصوصاً بعد الوعود التي قطعها الرئيس البشير لقادة إيقاد بعدم الانسحاب من هذه الجولة من المفاوضات.

من هنا جاء التنازل التاريخي الكبير بانهاء المكابرة والعودة إلى إعلان فرانكفورت واتفاقيات السلام من الداخل ودستور السودان لعام 1998.

وقد تأكّدت إحدى قواعد الوساطة الدولية والتي تقول أنه كلما طالت فترة المفاوضات، كلما كبرت فرص النجاح، لأنه سيصعب على أيٍّ من الطرفين تحمّل مسئولية انهيارها.

وتقول نفس القاعدة أنه كلما طالت فترة المفاوضات، كلما صعب على الوسطاء أنفسهم غسل أيديهم وترك كل الجهد والوقت والمال الذي استثمروه في التفاوض يتبخّر في الهواء.

وهذا يعني أن الإنذار من أطراف ووسطاء التفاوض في منتجع مشاكوس يوم الجمعة 19 يوليو عام 2002 كان على الأرجح إنذاراً قوياً لكلٍ من الطرفين، خصوصا وفد حكومة الإنقاذ، بضرورة الوصول لاتفاق، ولم يكن تهديداً حقيقياً بإنهاء التفاوض.

لا بد من ملاحظة أن التوقيع على بروتوكول مشاكوس الذي منح شعب جنوب السودان حق تقرير المصير تمَّ في 20 يوليو عام 2002.

وهذا هو نفس التاريخ (اليوم والشهر) الذي صدرت فيه مبادئ الإيقاد رسمياً قبل ثمانية أعوام في 20 يوليو عام 1994.

تكوّن بروتوكول مشاكوس من ديباجة وخمسة أجزاء تناولت: المبادئ المتّفق عليها، عملية الانتقال، هياكل الحكم، الدين والدولة، وحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

وهذا ما سنناقشه بقدرٍ من التفصيل في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك