ليست دار الوثائق القومية بالخرطوم مجرد مبنى حكومي يضم ملفات قديمة، بل هي الوعاء الذي احتفظ بذاكرة السودان الجمعية عبر أكثر من خمسة قرون.
ففي أروقتها تستقر أكثر من ثلاثين مليون وثيقة تاريخية، يعود أقدمها إلى عام 1505م، توثق لمسيرة الدولة والمجتمع السوداني، وتحفظ تفاصيل الحياة السياسية والإدارية والاجتماعية والثقافية للأمة السودانية عبر تعاقب العصور.
واليوم، تواجه هذه المؤسسة الوطنية العريقة خطراً حقيقياً يهدد بطمس جزء أصيل من تاريخ السودان.
فقد تسببت الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023 في إلحاق أضرار جسيمة بمبنى الدار الواقع بالقرب من القيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم، بعد أن شهد محيطه مواجهات عسكرية عنيفة خلّفت آثاراً واضحة من الحريق والدمار والتصدعات الهيكلية.
ورغم أن معظم الوثائق التاريخية نجت من ألسنة النيران فإن بقاءها داخل بيئة متضررة تحاصرها أكوام الركام والغبار يجعلها عرضة للتلف التدريجي، خاصة مع اقتراب موسم الأمطار، بعدما خلفت القذائف فتحات واسعة في أسقف المبنى قد تسمح بتسرب المياه إلى قاعات الحفظ وغرف الوثائق.
(مزيد من التفصيل: ينظر حوار صحيفة الشرق الأوسط مع الأمين العام المكلف لدار الوثائق: https: //tinyurl.
com/ue2an799)ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد، إذ فُقد الأرشيف الإلكتروني الذي كانت الدار تعمل على بنائه، مما يضاعف الحاجة الملحة إلى تنفيذ مشروع وطني شامل للتحول الرقمي وإعادة رقمنة الوثائق، حفاظاً عليها من المخاطر المستقبلية وضماناً لاستمرارية الوصول إليها.
إن الوثائق التي تحتضنها الدار ليست ملكاً لجيل بعينه، بل هي ميراث أمة بأكملها؛ فهي تضم أرشيف الدولة المهدية، ووثائق الحكم الثنائي البريطاني ـ المصري، وأرشيف الصحافة السودانية، ووثائق مؤسسات الدولة الحديثة، فضلاً عن مجموعات أهلية وخاصة ذات قيمة تاريخية استثنائية.
إن فقدان أي جزء منها يعني فقدان صفحات لا يمكن تعويضها من تاريخ السودان.
ومن هذا المنطلق، نتوجه بنداء عاجل إلى الحكومة السودانية، والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالتراث والذاكرة، والمؤسسات الأرشيفية العربية والأفريقية، والجامعات ومراكز البحث، والقطاع الخاص، وأبناء السودان في الداخل والخارج، من أجل توحيد الجهود لإنقاذ دار الوثائق القومية عبر:• التدخل العاجل لإعادة تأهيل مبنى الدار ومعالجة الأضرار الإنشائية التي تهدد سلامة الوثائق.
• توفير الإمكانات الفنية اللازمة لحماية الوثائق من الرطوبة والغبار والحشرات والعوامل البيئية.
• دعم مشروع التحول الرقمي وإعادة رقمنة الأرشيف الوطني وفق أحدث المعايير الدولية.
• تقديم المساعدات التقنية والتدريبية من المؤسسات الأرشيفية المتخصصة داخل السودان وخارجه.
• إنشاء صندوق وطني ودولي لدعم صون الذاكرة السودانية وحمايتها أثناء فترات النزاعات والكوارث.
• تأمين استمرارية عمل الدار باعتبارها مؤسسة سيادية تضطلع بحراسة الذاكرة الوطنية.
إن الأمم التي تفقد أرشيفها تفقد جزءاً من هويتها، وتُصبح أكثر عرضة لتشويه تاريخها وتبديد حقوقها الجماعية.
ولذلك، فإن إنقاذ دار الوثائق القومية ليس مهمة إدارية أو تقنية فحسب، بل هو واجب وطني وأخلاقي وإنساني لحماية ذاكرة السودان وصونها للأجيال القادمة.
أنقذوا دار الوثائق القومية… فحماية الوثائق ليست حفظاً للأوراق، بل حفاظٌ على تاريخ وطن، وحقوق شعب، وذاكرة أمة.
ahmedabushouk62@hotmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك