يواصل الدكتور عزام في الجزء الثالث من رده محاولة تفكيك دعوات عزل الحركة الإسلامية السودانية من المشهد السياسي، مستندًا هذه المرة إلى رفض المقارنة بينها وبين الحزب النازي الألماني.
ويقول إن التشبيه غير دقيق لأن ألمانيا النازية هُزمت في حرب عالمية أودت بحياة عشرات الملايين وانتهت باحتلال كامل لألمانيا، بينما لم تتعرض الحركة الإسلامية السودانية لهزيمة عسكرية مماثلة ولا لاحتلال أجنبي.
لكن هذه الحجة، رغم جاذبيتها الظاهرية، تقوم على فهم مضلل لطبيعة المقارنة نفسها.
فالمقارنة بين التجارب السياسية لا تقوم دائمًا على التطابق الحرفي في عدد الضحايا أو حجم الحروب، وإنما على طبيعة المشروع السياسي وآثاره على الدولة والمجتمع.
ولو كان معيار الإدانة هو عدد القتلى فقط، لما أدنّا عشرات الأنظمة الاستبدادية التي دمرت أوطانها دون أن تشعل حربًا عالمية.
إن السؤال الحقيقي ليس؛ هل قتلت الحركة الإسلامية السودانية عددًا من البشر يساوي عدد ضحايا النازية؟ بل السؤال هو؛ ماذا فعل كل مشروع بالبلد الذي حكمه؟حين استولى النازيون على ألمانيا عام ١٩٣٣ كانت ألمانيا دولة صناعية متقدمة ومؤثرة عالميًا، وحين سقطوا عام ١٩٤٥ كانت البلاد ركامًا.
وحين استولت الحركة الإسلامية على السودان بانقلاب ١٩٨٩ كان السودان دولة موحدة تمتلك مشروعًا زراعيًا هو الأكبر في أفريقيا، وخدمة مدنية محترفة، وجيشًا قوميًا، وسككًا حديدية، وخطوطًا جوية وبحرية، وجامعات ومؤسسات دولة متماسكة نسبيًا.
وبعد ثلاثين عامًا من الحكم انتهى الأمر بانفصال الجنوب، وانهيار الاقتصاد، وتفكيك الخدمة المدنية، واندلاع الحروب في معظم أطراف البلاد، ثم الانزلاق إلى الحرب الكارثية التي يعيشها السودان اليوم.
وبمنطق “النسبة والتناسب” الذي يتجاهله عزام، فإن الضرر الذي أصاب السودان كان أشد فداحة بالنسبة لحجم الدولة وإمكاناتها.
فألمانيا، رغم هزيمة النازية، نهضت خلال سنوات قليلة وأصبحت من أقوى اقتصادات العالم.
أما السودان فما زال بعد عقود من حكم الحركة الإسلامية عاجزًا عن استعادة الدولة نفسها، بل يقاتل اليوم من أجل البقاء كوطن موحد.
ثم إن عزام يخلط عمدًا بين محاسبة الأفراد وبين حظر التنظيمات التي تهدد الديمقراطية.
صحيح أن محاكمات نورمبرغ لم تحاكم كل أعضاء الحزب النازي، لكن ألمانيا لم تسمح للحزب النازي بالعودة إلى الحياة السياسية، ولم تسمح بإعادة إنتاج مشروعه تحت مسميات جديدة.
بل إن الدستور الألماني نفسه منح الدولة حق حظر الأحزاب والتنظيمات التي تعمل ضد النظام الديمقراطي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ عزام يستشهد بنورمبرغ للدفاع عن عدم معاقبة العضوية الجماعية، لكنه يتجاهل أن ألمانيا بعد الحرب لم تقل للنازيين؛ تفضلوا عودوا للمنافسة السياسية وكأن شيئًا لم يكن.
أما استدعاء تجربة اجتثاث البعث في العراق فهو مثال آخر على الخلط المتعمد.
فالمشكلة في العراق لم تكن مجرد إبعاد حزب البعث، بل كانت في تفكيك مؤسسات الدولة والجيش بصورة فوضوية تحت الاحتلال الأمريكي.
بينما الحديث في السودان يدور عن منع تنظيم سياسي بعينه من إعادة السيطرة على الدولة، لا عن حل الدولة نفسها.
والأكثر غرابة أن عزام يحاول تصوير دعاة عزل الحركة الإسلامية وكأنهم دعاة حرب، بينما الحقيقة أن معظم هذه القوى لا تملك سلاحًا أصلًا.
المطالبة بإبعاد تنظيم مسؤول عن انقلاب عسكري وعن إفساد الحياة السياسية ليست دعوة للعنف، بل محاولة لمنع تكرار العنف.
ثم نأتي إلى جوهر الحجة التي يكررها عزام باستمرار؛ “الحركة الإسلامية تملك نفوذًا عسكريًا واقتصاديًا واجتماعيًا، لذلك يجب إشراكها”.
وهذه ليست حجة لصالحها، بل ضدها.
لأن معنى هذا الكلام ببساطة هو أن امتلاك السلاح والنفوذ يصبح جواز مرور إلزاميًا إلى السلطة.
وبهذا المنطق يصبح كل من يملك قوة كافية فوق القانون وفوق إرادة الشعب.
فإن الديمقراطية لا تُبنى على قاعدة؛ “أشركوه لأنه يستطيع تخريب العملية السياسية”، بل على قاعدة؛ “أخضع الجميع للقانون مهما كانت قوتهم”.
وإلا لتحولت الدولة إلى رهينة دائمة لمن يملك القدرة على التعطيل.
وتظل الحقيقة التي يحاول عزام الهروب منها هي أن الحركة الإسلامية لا تُوَاجه اليوم بسبب هويتها الفكرية، بل بسبب حصيلة حكمها.
فالمشكلة ليست أن أعضاءها مسلمون، وإنما أن تنظيمهم ارتبط في الوعي السوداني بالانقلاب والاستبداد والفساد والحروب وتمزيق الدولة.
ولذلك فإن السؤال ليس؛ هل نحب الإسلاميين أم لا؟ السؤال هو؛ هل يحق لتنظيم حكم السودان ثلاثين عامًا وانتهى عهده بانقسام الوطن وانهيار الدولة والحرب الشاملة أن يعود إلى المشهد قبل أن يعترف بمسؤوليته التاريخية؟حتى الآن، لم يقدم عزام ولا الحركة الإسلامية إجابة مقنعة على هذا السؤال.
ولهذا فإن المقارنة بالنازية ليست في عدد القتلى أو حجم الحرب العالمية، بل في الدرس السياسي الأهم؛ بعض التجارب تبلغ من الفشل والتدمير حدًا يجعل حماية المستقبل تتطلب منع إعادة إنتاجها، لا منحها فرصة جديدة لتجربة ما جُرِّب وفشل.
نتيجة تجربة الحكم.
إن عزام يطلب من السودانيين النظر إلى الحركة الإسلامية باعتبارها مجرد فصيل سياسي بين فصائل عديدة، بينما جوهر الأزمة أنها لم تكن حزبًا سياسيًا عاديًا، بل مشروعًا استولى على الدولة نفسها.
فالحزب الذي يحكم ثلاثين عامًا، ويحتكر الجيش والأمن والاقتصاد والإعلام والقضاء، ثم يخرج السودان من تجربته أكثر فقرًا وانقسامًا وحروبًا، لا يُقاس بعدد مقاعده في البرلمان، بل بحجم الخراب الذي تركه خلفه.
ولهذا فإن المقارنة بالنازية لا تنبع من تشابه العقائد أو الأعداد، وإنما من تشابه السؤال التاريخي؛ ماذا تفعل الأمم مع المشاريع السياسية التي أوصلت أوطانها إلى الكارثة؟يخطئ عزام حين يظن أن السودانيين يرفضون عودة الحركة الإسلامية بدافع الكراهية أو الرغبة في الانتقام.
الحقيقة أبسط من ذلك بكثير.
فالأمم التي تحترم نفسها لا تعيد تسليم مفاتيح بيتها لمن أحرقه.
والسودانيون الذين دفعوا ثمن الانقلاب والاستبداد والفساد والحروب والانقسام والتهجير والنزوح، لا يطالبون بمعجزة، بل يطالبون بأبسط دروس التاريخ؛ أن التجارب التي فشلت بهذا الحجم لا تُعاد، والمشاريع التي أوصلت الوطن إلى حافة الفناء لا تُمنح فرصة جديدة قبل أن تواجه حسابها أمام الشعب والتاريخ.
وما لم تدرك الحركة الإسلامية هذه الحقيقة، فستظل تتعامل مع نفسها كضحية للإقصاء، بينما يراها ملايين السودانيين أصل المأساة التي لم تنتهِ بعد.
لكن يبدو أن الدكتور عزام ما زال ينظر إلى قضية الحركة الإسلامية باعتبارها خلافًا سياسيًا داخليًا بين سودانيين يمكن حسمه بالحوار أو الانتخابات أو التسويات التقليدية.
وهذه ربما كانت قراءة ممكنة قبل سنوات، لكنها لم تعد تعكس الواقع الحالي.
فبعد عقود من الانقلابات والحروب وملفات الإرهاب والعقوبات والعزلة الدولية، لم تعد مسألة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني قضية سودانية داخلية فحسب، بل أصبحت قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية تتعلق بمستقبل علاقة السودان بالعالم كله.
فالدول لا تتعامل فقط مع النوايا والشعارات، وإنما مع السمعة السياسية والأمنية للتنظيمات والقوى التي تشارك في الحكم.
والسؤال الذي يتجنبه عزام هو؛ كيف سيقنع السودان المجتمع الدولي، والمؤسسات المالية العالمية، والمستثمرين، والدول المانحة، بالانخراط في إعادة إعمار بلد دمرته الحرب، إذا كانت الحكومة القادمة تضم تنظيمًا أو واجهات سياسية ينظر إليها قطاع واسع من المجتمع الدولي باعتبارها امتدادًا لمشروع ارتبط لعقود بالتطرف والعنف وتقويض الديمقراطية؟بل وقد صنف ارهابيا من قبل الدولة الاكبر في العالم بالإضافة الي الكثير من دول الاقليم.
إن المشكلة لم تعد في قبول أو رفض الحركة الإسلامية داخل قاعة حوار سودانية، وإنما في الثمن الذي سيدفعه السودان كله إذا عاد إلى العالم بوجه سياسي يعيد إنتاج المخاوف القديمة نفسها.
فالدول التي تبحث عن الاستقرار والاستثمار والشراكات الدولية لا تستطيع أن تبدأ صفحة جديدة وهي تحمل على ظهرها إرثًا لم تتم مراجعته أو الاعتراف بأخطائه أو تقديم ضمانات حقيقية بعدم تكراره.
لهذا فإن النقاش لم يعد يدور حول حق الحركة الإسلامية في الوجود السياسي فقط، بل حول حق السودان نفسه في استعادة مكانته الدولية والخروج من دائرة الشك والعقوبات والعزلة.
فالأوطان لا تُبنى على حسن النوايا، بل على الثقة، والثقة لا تُستعاد بالخطابات ولا بالمرافعات الفكرية، وإنما بالمراجعة الصادقة والمحاسبة والقطيعة الواضحة مع التجارب التي قادت البلاد إلى الكارثة.
وربما كان السؤال الذي ينبغي أن يجيب عليه عزام قبل غيره هو؛ أي مستقبل ينتظر السودان إذا قدم للعالم حكومة تضم قوى ما زالت قطاعات واسعة من المجتمع الدولي والإقليمي تنظر إليها باعتبارها جزءًا من المشكلة لا جزءًا من الحل؟ وهل يحتمل السودان المنهك اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا مغامرة جديدة من هذا النوع؟ إن الشعوب التي خرجت من الحروب تبحث عن أبواب العالم المفتوحة، لا عن الطرق التي تعيدها إلى العزلة.
ولذلك فإن معركة السودان القادمة ليست فقط مع آثار الحرب، بل مع إرث سياسي ثقيل ما زال بعض أصحابه يطالبون بالعودة إلى المسرح قبل أن يواجهوا حساب التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك