بقلم: الصادق عبدالله أبوعيّاشةخبير، مستشار في السياسات العامةالإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامةكتبت من قبل عن حكاية الجغرافية وأوضحت كيف بدأ علم الجغرافية لدينا في مسار التعليم من داخل الفصل حتى درسنا كل الأرض وتوجهنا إلى السحب ثم القمر وتجاوزناه إلى الشمس والكواكب.
وضمن ذلك المنهج كانت دراسة البحار والتيارات البحرية وتأثيرها على المناخ.
وقد نشرت أن التوقعات لموسم الأمطار هذا العام (2026) تنذر بالجفاف.
كما كتبت عن التغير المناخي وأسبابه الجذرية.
وقد كتبت بالأمس عن اهمية إنشاء وتبني سياسة مناخية لحكومة السودان تضمن متابعة متغيرات المناخ بمنهج علمي متكامل يترتيب عليها توجيه النشاط والإنتاج الزراعي والموارد الطبيعية، لاقتناص أفضل الفرص من الميزات النسبية للسكان والموارد.
وفي ذلك أوردتُ ظاهرة النينو، ثم تداعت لدي المفردتين (النينو واللانينا) وتبعتهما أخرى تسمى السوبرنينو.
فما تلك التي تنمو إلى خلدنا ولم نسمع عنها في الجغرافية؟ ، وقد درسنا منهجاً جغرافيا يضعنا في قمة فئة المتعلمين في العالم.
ولا عزاء لمن فاتهم ذلك المنهج.
لذلك يمثل فهم ظواهر النينو واللانينيا والسوبر نينيو أهمية استراتيجية للسودان، لأنها أحد أبرز المؤشرات المناخية العالمية التي تساعد على استشراف أداء الموسم الزراعي، وإدارة مخاطر الجفاف والفيضانات، وتعزيز الأمن الغذائي والتخطيط للتنمية المستدامة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
تتبادر إلى الذهن قصة أحد الباحثين السودانيين في السنوات الأخيرة، الذي كان مسافراً خارج البلاد، فلاحظ عبر هاتفه المحمول مؤشرات تدل على تعرض مزرعة بحثية في ولاية النيل الأبيض لنقص المياه، فأرسل تنبيهاً عاجلاً إلى أحد زملائه طالباً التدخل لمعالجة الوضع.
وتعكس هذه القصة حجم التطور الذي شهده الرصد المناخي خلال العقود الأخيرة.
فخلال الخمسين عاماً الماضية انتقل العالم من الاعتماد الأساسي على محطات الرصد الأرضية وبالونات الطقس إلى منظومة عالمية متكاملة تضم الأقمار الصناعية والرادارات والعوامات البحرية والحواسيب العملاقة، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقد أصبح بالإمكان مراقبة درجات حرارة سطح البحر والسحب، ورطوبة الغلاف الجوي، وحركة الرياح، والأعاصير والعواصف بصورة فورية وعلى نطاق عالمي يشمل المحيطات والصحارى والمناطق القطبية.
كما باتت المعلومات المناخية متاحة لعامة الناس عبر الهواتف الذكية وشبكات الإنترنت.
وتزامن هذا التطور مع تقدم كبير في التنبؤ الرقمي بالطقس، حيث أصبحت الحواسيب العملاقة قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات وحل ملايين المعادلات الفيزيائية التي تصف حركة الغلاف الجوي.
وأسهم مؤخراً الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في رفع دقة التنبؤات الجوية والموسمية وتحسين القدرة على رصد الجفاف والفيضانات والعواصف والتغيرات المناخية طويلة المدى.
تعد المحيطات الركيزة الأساسية للنظام المناخي العالمي.
فالمياه تغطي نحو 71% من سطح الأرض، مقابل 29% فقط لليابسة، ولذلك تُعرف الأرض بالكوكب الأزرق.
وتمتص المحيطات كميات هائلة من الطاقة الشمسية وتعيد توزيعها عبر التيارات البحرية والتفاعلات الجوية، مما يساعد على تنظيم درجات الحرارة بين المناطق الاستوائية والقطبية.
كما تمثل المصدر الرئيس لبخار الماء الذي تتكون منه السحب والأمطار، وبالتالي فهي عنصر أساسي في دورة المياه واستدامة الحياة على الأرض.
ولا تبقى مياه المحيطات ساكنة، بل تتحرك عبر شبكة واسعة من التيارات البحرية التي تشبه الأنهار داخل البحار والمحيطات.
وتنشأ هذه التيارات بفعل الرياح السائدة، واختلاف درجات الحرارة والملوحة، ودوران الأرض، وشكل السواحل والقارات.
وتنقسم إلى تيارات دافئة تنقل الحرارة من المناطق المدارية نحو العروض العليا، وتيارات باردة تتحرك من المناطق الباردة نحو المناطق الأدفأ.
ومن أشهر التيارات الدافئة تيار خليج المكسيك في المحيط الأطلسي، وتيار موزمبيق في المحيط الهندي، وتيار كوروشيو قرب اليابان، حيث تسهم جميعها في زيادة الدفء والرطوبة والأمطار، كما ترتبط بتغذية العواصف والأعاصير المدارية.
أما التيارات الباردة، مثل تيار كناريا قبالة المغرب، وتيار بنغيلا على سواحل ناميبيا وأنغولا، وتيار همبولت قبالة بيرو وتشيلي، فتؤدي إلى خفض درجات الحرارة وتقليل الأمطار، وتسهم في نشوء صحارى ساحلية مثل ناميبا وأتاكاما، مع توفير بيئات بحرية غنية بالأسماك نتيجة صعود المياه الباردة المحملة بالمغذيات.
ويلاحظ أن التيارات البحرية الباردة والدافئة تتحرك عرضياً (شمال جنوب)، بينما تنتج ظاهرتا النينو واللانينا بحركة المياه في المحيط الهادي شرقاً وغرباً.
كذلك ترتبط التيارات البحرية كذلك بظاهرتي النينو واللانينيا، اللتين تنشآن في المحيط الهادي الاستوائي وتؤثران في أنماط الأمطار والحرارة على مستوى العالم.
إذ يتمثل النينو في ارتفاع حرارة المياه السطحية بشرق المحيط الهادي، بينما تمثل اللانينيا الحالة المعاكسة.
ولذلك تعد دراسة المحيطات والتيارات البحرية أساساً لفهم المناخ العالمي وتحسين القدرة على التنبؤ بالكوارث الطبيعية وإدارة الموارد المائية والزراعية.
النينو (El Niño) واللانينيا (La Niña) من أهم الظواهر المناخية المؤثرة في العالم.
وقد نشأ مصطلح النينو بين الصيادين على سواحل بيرو والإكوادور في شمال غربي أمريكا الجنوبية، حيث كانوا يطلقونه على تيار بحري دافئ يظهر قرب نهاية العام وبداية العام التالي.
وكلمة نينو بالإسبانية تعني «الطفل»، بينما تعني لانينيا «الطفلة».
ومع تطور علوم المناخ، انتقل المصطلحان إلى الأدبيات العلمية لوصف تغيرات واسعة النطاق في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادي الاستوائي وما يصاحبها من تغيرات في الرياح والضغط الجوي والأمطار.
تنشأ الظاهرتان في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادي الممتدة بين سواحل أمريكا الجنوبية (بيرو والإكوادور) شرقاً وسواحل جنوب شرق آسيا وأستراليا (إندونيسيا وبابوا غينيا الجديدة وشمال أستراليا) غرباً.
ورغم أن مصدرهما يقع في المحيط الهادي، فإن تأثيرهما يمتد إلى مختلف قارات العالم، بما في ذلك إفريقيا والسودان.
في الظروف الطبيعية تهب الرياح التجارية من سواحل أمريكا الجنوبية نحو إندونيسيا وأستراليا، فتدفع المياه السطحية الدافئة غرباً، بينما تصعد مياه باردة وغنية بالمغذيات من أعماق المحيط قرب سواحل بيرو والإكوادور لتعويضها.
أما خلال النينو فتضعف هذه الرياح، فتتراجع حركة المياه الدافئة غرباً وتنتشر المياه الأكثر دفئاً في وسط وشرق المحيط الهادي، مما يؤدي إلى اضطراب أنماط الأمطار والحرارة في مناطق واسعة من العالم.
أما اللانينيا فتحدث عندما تشتد الرياح التجارية أكثر من المعتاد، فيزداد دفع المياه الدافئة نحو إندونيسيا وأستراليا، ويزداد صعود المياه الباردة قرب سواحل بيرو والإكوادور، فتنخفض درجات حرارة سطح البحر في شرق المحيط الهادي إلى ما دون معدلاتها الطبيعية.
ويُستخدم مصطلح السوبر نينو لوصف الحالات الاستثنائية التي ترتفع فيها درجات حرارة سطح البحر في وسط وشرق المحيط الهادي إلى مستويات تفوق المعدلات الطبيعية بأكثر من درجتين مئويتين.
ومن أشهر هذه الحالات أعوام 1982–1983 و1997–1998 و2015–2016، حيث تسببت في اضطرابات مناخية واسعة وخسائر اقتصادية كبيرة على مستوى العالم.
ونظراً إلى أن المحيط الهادي يمثل نحو نصف مساحة المحيطات العالمية، فإن هذه التغيرات تؤثر على المناخ العالمي.
ففي سنوات النينو القوية تزداد الفيضانات والأمطار في بعض مناطق أمريكا الجنوبية وشرق إفريقيا، بينما تتعرض أستراليا وإندونيسيا لموجات جفاف متكررة.
أما في سنوات اللانينيا فعادة ما تتحسن الأمطار في أستراليا وإندونيسيا وأجزاء من القرن الإفريقي.
ولا بد من ملاحظة أن النينو واللانينيا ترتبط في منطقة المحيط الهادي الاستوائية بحركة المياه والرياح شرقاً وغرباً، بينما التيارات البحرية حركتها عموماً شمالاً وجنوباً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك