قيادة سمو الأمير.
وفعالية الوساطة القطريةفي السياسة، كما في التاريخ، لا تظهر قيمة الأدوار الحقيقية في ساعات السكون، وإنما في اللحظات التي تقترب فيها المنطقة من حافة الانفجار.
وحين كانت الحرب الأمريكية مع إيران تهدد بأن تتحول من مواجهة بين عاصمتين إلى أزمة إقليمية مفتوحة على الخليج والعالم، برزت دولة قطر مرة أخرى في الموقع الذي اختارته لنفسها، لا موقع المتفرج، ولا موقع المنفعل، بل موقع الدولة التي تعرف كيف تتحرك حين تضيق المسافات بين السياسة والنار.
لقد جاء الدور القطري في مسار إنهاء هذه الحرب امتدادًا طبيعيًا لنهج راسخ تحت قيادة سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
وهو نهج لا يقوم على الضجيج، ولا يبحث عن البطولة السهلة، بل يستند إلى فهم عميق لمعنى الوساطة في عالم مضطرب.
فالوساطة ليست كلمة محايدة تلقى بين طرفين متنازعين، وإنما هي قدرة على بناء الثقة حيث انعدمت، وفتح القنوات حين أغلقت، وإتاحة مخرج سياسي حين تصبح كل المخارج الأخرى محفوفة بالمخاطر.
والحقيقة أن قطر لم تدخل هذه اللحظة من فراغ، فقد راكمت الدوحة عبر سنوات طويلة خبرة سياسية ودبلوماسية جعلتها قادرة على مخاطبة الأطراف المتباعدة بلغة تسمعها، وعلى إدارة التوازنات الدقيقة من غير أن تفقد وضوح موقفها.
فهي تدرك أن أمن الخليج ليس ملفًا محليًا محدودًا، بل هو جزء من أمن الطاقة العالمي، وحرية الملاحة، واستقرار الأسواق، وحسابات القوى الكبرى.
ومن هنا فإن العمل على وقف الحرب لم يكن مجرد" مبادرة حسنة"، بل كان تعبيرًا عن إدراك استراتيجي لطبيعة الخطر وحجم المسؤولية.
وفي هذا السياق، جاءت الإشادات الدولية بدور دولة قطر أكثر من مجاملة دبلوماسية.
فقد رأت عواصم عديدة أن التحرك القطري ساهم في إعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي بعد أن كادت لغة القوة تستأثر بالمشهد كله.
وهذا هو جوهر الفعالية القطرية.
بأن تكون الدبلوماسية هادئة في شكلها، حاسمة في مضمونها، وأن تترك أثرها في النتيجة لا في ذاك الضجيج المحيط بها.
ولا يغيب هنا تقدير الجهد الباكستاني الشريك في هذا المسار.
فقد أسهمت باكستان بما تملكه من علاقات وخبرة وحساسية سياسية في تيسير الطريق، وكان لهذا الجهد موقعه المحترم ضمن حركة أوسع أرادت أن تمنع التصعيد من أن يتحول إلى قدر.
غير أن اللافت في الدور القطري أنه استطاع أن يوظف رصيد الثقة الذي بنته الدوحة مع الأطراف المختلفة، وأن يحول هذا الرصيد إلى أداة عمل سياسية في لحظة دقيقة.
لكن النجاح في وقف الحرب ليس نهاية الطريق.
فالاتفاق - أي اتفاق - لا يعيش في فراغ من البيانات وحدها، وإنما بآليات التنفيذ، وبالالتزام السياسي، وبقدرة الوسطاء على متابعة ما بعد اللحظة الأولى.
ولهذا فإن قيمة الدور القطري لا تقف عند المساهمة في الوصول إلى التفاهم، بل تمتد إلى ضمان أن يبقى هذا التفاهم قابلًا للحياة، وأن يتحول خفض التصعيد من هدنة مؤقتة إلى مسار أوسع للاستقرار.
لقد أثبتت قطر في هذه الأزمة أن الدبلوماسية حين تقاد برؤية واضحة تستطيع أن تمنع الحرب من أن تستكمل اندفاعها.
وأثبتت، تحت قيادة حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى، حفظه الله، أن الحضور السياسي لا يقاس بعلو الصوت، وإنما بقدرة الدولة على أن تكون في المكان الصحيح، في اللحظة الصحيحة، وبالكلمة التي تفتح بابًا حين يظن الجميع أن الأبواب قد أغلقت.
وفي ميزان السلام، تبدو قطر اليوم لا كطرف يكتفي بالدعوة إلى التهدئة، بل كدولة تصنع للتهدئة أُسسها، وتمنح للسياسة فرصتها الأخيرة قبل أن تنطق المدافع مرة أخرى.
وهذه في زمن الأزمات الكبرى ليست فضيلة دبلوماسية فحسب، بل مكانة ومسؤولية لا يمكن تجاهلها قط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك