العربي الجديد - إدارة ترامب ترحّل مهاجرين إيرانيين إلى أفريقيا الوسطى العربية نت - مجلس الشيوخ يرفض محاولة جديدة لتقييد صلاحيات ترامب الحربية العربي الجديد - باسم يوسف في "بطن الحوت". العربية نت - الإمارات تحبط مخططاً لترويج المخدرات داخل البلاد يضم 23 متهماً الجزيرة نت - ماذا ستكسب طهران من فتح موانئها الخمسة بموجب الاتفاق؟ روسيا اليوم - فيضانات عارمة تهدد 16 مليون نسمة جنوبي الولايات المتحدة وسط استمرار الأمطار الغزيرة Independent عربية - فانس: إذا لم تنفذ إيران بنود الاتفاق ستظل برامجها النووية والعسكرية مدمرة قناة التليفزيون العربي - الضم الزاحف يصل أخطر مستوياته.. أكثر القرارات الإسرائيلية كارثية في الخليل على لسان سموتريتش العربي الجديد - وقف الحرب يعيد البريق لذهب تركيا قناة الشرق للأخبار - هذه العوائق تهدد توقيع الاتفاق بين أميركا وإيران
عامة

‫ الأساطير السياسية: صناعة الوهم في مواجهة الحقيقة

العرب
العرب منذ 1 ساعة

الأساطير السياسية: صناعة الوهم في مواجهة الحقيقةتثير بعض التعليقات التي يكتبها زملاء يشاركوننا الكتابة في صحف عربية قدرًا كبيرًا من الاستغراب والشفقة في آن واحد، عندما يتناولون قضايا بالغة التعقيد ب...

الأساطير السياسية: صناعة الوهم في مواجهة الحقيقةتثير بعض التعليقات التي يكتبها زملاء يشاركوننا الكتابة في صحف عربية قدرًا كبيرًا من الاستغراب والشفقة في آن واحد، عندما يتناولون قضايا بالغة التعقيد بسطحية وسذاجة، متسائلين: ما الذي يخيف العرب من إيران قوية في مواجهة تحالف من الأوغاد؟ وهو طرح يكشف اختزالًا مخلًا للواقع وتجاهلًا لتجارب تاريخية وسياسية لا يمكن القفز فوقها بالشعارات والانطباعات العاطفية.

ليست أزمة الشرق الأوسط في استمرار الحروب بقدر ما هي في استمرار الأوهام.

فالحروب، مهما امتدت، تخضع في نهاية المطاف لمعادلات القوة والمصلحة والتوازن، بينما تعيش الأوهام في الوعي الجمعي، وتتجدد عبر الأجيال لأنها لا تستند إلى الوقائع بقدر ما تستند إلى حاجة نفسية عميقة للتصديق.

ومن هذا المنظور يمكن فهم العلاقة المركبة التي نشأت بين شرائح واسعة من العرب والمشروع الإيراني منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

فالقضية لم تكن إيران بوصفها دولة، بل الصورة الذهنية التي صيغت حتى غدت واقعًا قائمًا بذاته.

لم يكن نجاح السردية الإيرانية حدثًا معزولًا عن السياق العربي، بل جاء نتيجة تراكم طويل من الاخفاقات والانكسارات والنكسات والهزائم التي أصابت الوعي منذ منتصف القرن العشرين.

فمنذ نكبة فلسطين عام 1948، مرورًا بهزيمة 1967، وصولًا إلى إخفاق مشاريع الوحدة والتنمية والديمقراطية خلال العقود الماضية، دخل العقل العربي في أزمة عميقة مع ذاته.

تحولت الأمة من فاعل تاريخي طامح إلى مركز حضاري، إلى فضاء سياسي يعاني التشرذم والتبعية، فيما تراجعت قدرته على التأثير الاستراتيجي في النظام الاقليمي والدولي.

في هذا الفراغ، لم يعد السؤال: «كيف ننتصر؟ » بل «كيف لا نخسر أكثر؟ » أدركت إيران مبكرًا مع بداية بواكير أيديولوجية تصدير الثورة أن الشعوب التي تعاني الهزيمة لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن المعنى.

وحين تفقد الأمم ثقتها بذاتها، تصبح أكثر قابلية لتبني سرديات تمنحها شعورًا بالكرامة المستعادة.

لذلك لم يكمن نجاح السردية الإيرانية في عناصر القوة الصلبة بقدر ما تجلى في قدرته للعب على الجروح العربية المفتوحة منذ عقود.

فقدّم نفسه بوصفه صوت المظلومين في مواجهة الهيمنة، وصوت المقاومة في مواجهة الاحتلال، وصوت الكرامة في مواجهة الخضوع، فخاطب الوجدان قبل العقل، واستثمر في البعد النفسي العميق.

غير أن أخطر الأوهام ليست تلك التي تُفرض قسرًا، بل تلك التي تتحول إلى قناعات طوعية.

فعندما تتماهى الفكرة مع هوية الإنسان، يتوقف عن مساءلتها، لأن التشكيك فيها يبدو كأنه تشكيك في الذات.

ولهذا لم يكن النقاش حول إيران نقاشًا سياسيًا تقليديًا، بل أقرب إلى سجال عقائدي؛ حيث عُدّ نقد المشروع الإيراني خيانة، والتساؤل حول أهدافه خدمة للخصوم.

وهكذا تحولت الأيديولوجيا إلى درع يعزل الوعي عن الواقع.

ولا تكمن خطورة الأيديولوجيات في اختلاقها للواقع بقدر ما تكمن في انتقائيتها؛ إذ تختار من الحقيقة ما يعزز سرديتها وتغفل ما يناقضها.

لم تكن إيران بحاجة إلى اختطاف القضية الفلسطينية، لكنها نجحت في توظيفها بوصفها مصدرًا دائمًا للشرعية السياسية.

فقد أدركت أن الرمز يتفوق على الواقع في التأثير، وأن القدس في الوعي العربي ليست مجرد مدينة، بل قيمة أخلاقية جامعة.

ومن خلال احتكار تمثيل القيمة، منحت نفسها مكانة تتجاوز حدودها الجغرافية وإمكاناتها الفعلية.

يذكر الفيلسوف الالماني نيتشه أن الإنسان لا يسعى دائمًا إلى الحقيقة، بل إلى الأوهام التي تتيح له الاستمرار.

وربما يفسر ذلك انجذاب بعض العرب إلى السردية الإيرانية؛ إذ لم يكن الدفاع عن إيران بقدر ما كان دفاعًا عن الحاجة إلى الإيمان بوجود قوة تتحدى إسرائيل والغرب.

لقد مثلت إيران، في هذا السياق، تعويضًا رمزيًا عن عجز الواقع، ولذلك بدا تآكل هذه الصورة لدى البعض وكأنه انهيار حلم شخصي لا مجرد موقف سياسي.

إن الواقع يمتلك صلابة لا تملكها الشعارات.

مع مرور الزمن، اتسعت الفجوة بين الخطاب والممارسة؛ فالمشروع الذي رُوّج له كمشروع تحرير للمنطقة، توسع نفوذه داخل عواصم ودول عربية، أكثر مما تقدم في مواجهة إسرائيل، والصراع الذي صُوّر كصراع مع الهيمنة الخارجية، انزلق إلى نزاعات داخل المجتمعات العربية وفي الحرب الأخيرة وجهت الصواريخ والمسيرات الى دول الخليج والأردن بنسبة 80%، بما يتفوق عددها على تل أبيب بأقل من 20% من الاستهداف.

هنا برز التناقض الكلاسيكي بين الصورة والحقيقة: بين ما نرغب في رؤيته وما هو قائم بالفعل.

التطورات الأخيرة أعادت طرح الأسئلة المؤجلة.

فعندما تتحول الأسطورة إلى واقع قابل للفحص، تبدأ المسافة بين الرمز والحقيقة في الانكشاف.

وعندما تُختبر الشعارات بميزان الوقائع، يتضح أن التاريخ لا يُصنع بالخطابات وحدها، وأن الدول لا تُبنى على الحماسة الثورية فقط، وأن المصالح كثيرًا ما تتقدم على الأيديولوجيات مهما اكتست بطابع قدسي.

ولعل أخطر نتائج العقود الماضية لم تكن في صعود إيران أو تراجعها، بل في إعادة تشكيل الوعي العربي على أسس طائفية ضيقة.

فبدل أن تكون التكنولوجيا أداة للتقارب، أصبحت وسيلة لتكريس الانقسامات، وتحولت الهويات الفرعية إلى مشاريع سياسية متنازعة، وتراجع الانتماء الوطني لصالح الانتماء المذهبي.

وهكذا تراجعت فكرة الدولة الجامعة لصالح هويات متنافسة.

في لبنان، والعراق، وسوريا، واليمن، لم تجلب مشاريع النفوذ سوى الأزمات الاقتصادية، والانقسامات الطائفية، وتعطيل مؤسسات الدولة، وإطالة أمد الصراعات.

فالشعوب العربية لم تطلب وصاية من أحد، ولم تفوض أي قوة إقليمية للتحدث باسمها أو تقرير مصيرها.

إن الادعاء بدعم الشعوب والمستضعفين يفقد مصداقيته عندما تكون النتيجة دولًا منهكة، واقتصادات متعثرة، وملايين النازحين والضحايا.

وما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيدًا من الميليشيات والسلاح خارج إطار الدولة، بل مزيدًا من الاستقرار والتنمية واحترام السيادة.

إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في سعي إيران إلى توسيع نفوذها، فذلك سلوك مألوف في العلاقات الدولية، بل في الخلط بين هذا السعي المشروع وبين منحه غطاءً سياسيا ودينيا وأخلاقيًا مطلقًا.

فعندما تتماهى السياسة مع العقيدة، تتعطل القدرة على رؤية الواقع بموضوعية، ويصبح النقد خيانة، والتساؤل تهديدًا، والمراجعة ضعفًا.

من هنا، يتجاوز السؤال المطروح حدود إيران ليطول بنية العقل السياسي العربي نفسه: لماذا نبحث عن المنقذ بدل بناء المؤسسات؟ ولماذا ننجذب إلى الرموز أكثر من الحقائق؟ ولماذا نعيد إنتاج السرديات الكبرى دون مساءلة نتائجها؟ قد يكون الإنسان ميالًا بطبعه إلى الحلم، لكن الأمم تُقاس بقدرتها على مراجعة أحلامها عندما تتحول إلى أوهام.

وفي هذا السياق، قد لا تكون المواجهة الراهنة مجرد صراع جديد في المنطقة، بل لحظة وعي فارقة، يُعاد فيها النظر ليس فقط في المشروع الإيراني، بل في قابلية الوعي العربي لتصديق الأساطير السياسية كلما ضاقت به سبل الواقع.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك