Independent عربية - الأسهم الأميركية تتراجع قبيل أول اختبار لورش في "الفيدرالي" العربي الجديد - وكالة الطاقة تتوقع فائضاً نفطياً كبيراً في 2027 بعد فتح مضيق هرمز قناة الغد - ترمب يلوّح بقصف إيران مجددًا في حال لم تلتزم بتعهداتها وكالة سبوتنيك - عراقجي يؤكد لـ"لافروف" مسؤولية واشنطن عن تنفيذ مذكرة التفاهم ويطالب بوقف هجمات إسرائيل على لبنان Independent عربية - ترمب: سنعود إلى قصف إيران إذا لم يحسنوا التصرف روسيا اليوم - ترامب يتحدث مع السيسي عن سد النهضة وأزمته قناه الحدث - لعبة الـ6 أشهر.. مختصون يكشفون سر التطورات بين إسرائيل وأرض الصومال قناة الغد - فيفا: أكثر من مليون مشجع حضروا أول 16 مباراة في كأس العالم العربي الجديد - نسخة نادرة من "مرتفعات وذرينغ" تُعرض للبيع في لندن وكالة سبوتنيك - روته: "الناتو" يلعب دورا في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز
عامة

حرب العمق.. حين يتحول القصف بين روسيا وأوكرانيا إلى تفاوض بالنار

التلفزيون العربي

بين كل أسبوع أو عشرة أيام على الأكثر، باتت كييف تعيش إيقاعًا شبه ثابت لهجمات ضخمة تبدأ، في الغالب، عند حدود الساعة الثانية بعد منتصف الليل.في ذلك التوقيت تحديدًا، يتداخل الإحساس الشخصي بالخطر مع واج...

بين كل أسبوع أو عشرة أيام على الأكثر، باتت كييف تعيش إيقاعًا شبه ثابت لهجمات ضخمة تبدأ، في الغالب، عند حدود الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

في ذلك التوقيت تحديدًا، يتداخل الإحساس الشخصي بالخطر مع واجب العمل الصحافي.

أبحث، مثل غيري، عن مكان قد يكون أكثر أمانًا، وأبدأ في الوقت نفسه بإرسال العواجل إلى التلفزيون العربي عن أصوات الانفجارات في العاصمة الأوكرانية، وعن حركة الدفاعات الجوية، وعن موجات الصواريخ والمسيّرات التي تعبر سماء المدينة.

يمتد الهجوم عادة لساعات.

لا تنتهي الليلة مع آخر انفجار أو مع إعلان انتهاء الإنذار الجوي، إذ تبدأ مهمة أخرى مع الصباح: البحث عن أماكن القصف، متابعة بيانات السلطات، التواصل مع المصادر، ثم التوجه إلى المواقع التي طالها الدمار لرصد المشهد ونقل الصورة من هناك.

في كييف، لم تعد الحرب خبرًا يأتي من الجبهة الشرقية فقط.

لم تعد مجرد خريطة عسكرية تتغير ببطء في دونباس أو خاركيف أو زابوريجيا.

الحرب هنا صارت توقيتًا ليليًا، وإنذارًا جويًا ورسائل عاجلة ونوافذ مضاءة في الثالثة فجرًا، ومدينة تستيقظ كل مرة على السؤال نفسه:أين سقطت الصواريخ هذه المرة؟ وما الرسالة التي أرادت موسكو إيصالها بهذا الهجوم الجديد؟لكن الصورة لا تكتمل من كييف وحدها.

فبينما توسّع روسيا ضرباتها على المدن الأوكرانية، تنقل أوكرانيا بدورها جزءًا من الحرب إلى العمق الروسي، مستهدفة منشآت الطاقة والوقود والمصافي وخطوط الإمداد.

هكذا تتشكل ملامح مرحلة مختلفة من الحرب، لم يعد فيها خط الجبهة وحده مركز الصراع، بعدما صار العمق نفسه ساحة مواجهة.

هذه ليست موجة جديدة من تبادل القصف فحسب، وإنما تحوّل في طبيعة الحرب.

فحين تتعثر الجبهات وتغيب التسوية، تصبح الصواريخ والمسيّرات لغة تفاوض بديلة.

وكل ضربة في العمق تحمل رسالة سياسية وعسكرية واضحة: نحن قادرون على إيلامكم، وعلى رفع الثمن، وعلى جعل استمرار الحرب أكثر كلفة.

من حرب الجبهات إلى حرب العمقمنذ بداية الغزو الروسي الواسع لأوكرانيا، ظلّت الجبهات الشرقية والجنوبية مركز الثقل العسكري.

هناك دارت المعارك الأشد، وهناك تغيّرت السيطرة على المدن والقرى والطرق ومراكز الإمداد.

لكن تطور الحرب واتساع استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى دفعا المواجهة إلى مستوى آخر.

لم تعد موسكو تكتفي بالضغط على خطوط القتال، بل باتت تستخدم الهجمات المركبة ضد المدن الأوكرانية والبنية التحتية ومراكز القرار.

وفي المقابل، لم تعد كييف تكتفي بالدفاع أو بمحاولة استعادة الأراضي على الجبهة، بل صارت تنقل جزءًا من الحرب إلى الداخل الروسي عبر ضرب منشآت النفط والوقود والمطارات العسكرية والطرق اللوجستية.

بهذا المعنى، انتقلت الحرب من صراع على الأرض فقط إلى صراع على القدرة العامة للدولة:روسيا وتكتيك الإغراق الجويتكشف الهجمات الروسية الأخيرة على أوكرانيا نمطًا واضحًا يقوم على استخدام أعداد كبيرة من المسيّرات، إلى جانب صواريخ باليستية ومجنحة، في محاولة لإرباك الدفاعات الجوية الأوكرانية.

في كل موجة هجوم، لا تختبر موسكو فقط قدرة كييف على إسقاط الأهداف، بل تختبر أيضًا قدرة أوكرانيا وحلفائها على الاستمرار في توفير الذخائر الاعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي.

الهدف المباشر هو اختراق الدفاعات والوصول إلى أهداف محددة.

لكن الهدف الأوسع يتجاوز ذلك، فهذه الهجمات تسعى إلى استنزاف الدفاع الجوي الأوكراني، وإجبار كييف على توزيع قدراتها بين العاصمة والمدن الكبرى والمنشآت الحيوية، ورفع كلفة حماية البلاد يوميًا.

ولهذه الضربات أيضًا بعد نفسي واضح.

فعندما تُستهدف كييف مرارًا، لا يكون المقصود فقط موقعًا عسكريًا أو منشأة بعينها.

العاصمة هنا رمز الدولة ومركز القرار وواجهة الصمود.

وتبدو الرسالة الروسية واضحة:لا مكان آمنًا بالكامل، حتى في قلب الدولة الأوكرانية.

أوكرانيا ونقل الكلفة إلى الداخل الروسيفي المقابل، تدرك أوكرانيا أن ميزان الصواريخ التقليدي لا يميل لصالحها.

فهي لا تستطيع مجاراة روسيا في حجم الترسانة ولا في عمق المخزون العسكري.

لذلك طورت معادلة مختلفة، تقوم على استخدام المسيّرات بعيدة المدى لضرب أهداف حساسة داخل روسيا.

استهداف المصافي ومنشآت الوقود ومستودعات النفط ليس ردًا رمزيًا فقط.

هذه الأهداف ترتبط بالدورة الاقتصادية التي تمول الحرب وتغذي آلة الجيش الروسي.

وكل تعطيل في مصفاة أو مستودع أو خط إمداد يضيف ضغطًا على الاقتصاد الروسي وعلى منظومة الحرب.

هنا تحاول كييف تغيير طبيعة السؤال داخل روسيا.

بدل أن تبقى الحرب حدثًا بعيدًا يُدار من موسكو ويُخاض على الأراضي الأوكرانية، تسعى أوكرانيا إلى جعل الداخل الروسي يشعر بأن استمرار الحرب له ثمن ملموس أيضًا.

إذا كانت روسيا تريد أن تقول إن المدن الأوكرانية ستبقى تحت النار، فإن أوكرانيا ترد بأن منشآت الطاقة الروسية وخطوط الإمداد لن تكون خارج الحرب.

في الحروب الطويلة، لا تكون الضربات العسكرية مجرد عمليات ميدانية.

كثيرًا ما تتحول إلى رسائل سياسية مكتوبة بالنار.

وهذا ما يظهر بوضوح في التصعيد الأخير بين روسيا وأوكرانيا.

أما أوكرانيا، فتوجه رسائلها في أكثر من اتجاه أيضًا.

هنا تصبح السماء امتدادًا لطاولة التفاوض الغائبة.

فكل ضربة كبيرة تحاول تعديل ميزان القوة قبل أي مسار سياسي محتمل، وكل هجوم في العمق يطرح السؤال نفسه:من يستطيع الصمود أكثر؟ ومن يستطيع رفع الكلفة على الآخر من دون أن يستنزف نفسه؟المشكلة أن منطق الردع قد يتحول بسهولة إلى منطق تصعيد مفتوح، فكل طرف يبرر ضرباته بأنها رد على الطرف الآخر.

لكن الحروب لا تبقى دائمًا تحت السيطرة.

ضربة تصيب هدفًا حساسًا، أو خطأ في التقدير، أو سقوط خسائر كبيرة، قد يدفع الطرفين إلى مستوى أعلى من التصعيد.

ومع اتساع نطاق استخدام المسيّرات والصواريخ، يصبح العمق الجغرافي أقل حماية وتصبح احتمالات الخطأ أكبر.

الأخطر أن استهداف البنية التحتية، حتى عندما يكون ذا طابع عسكري أو اقتصادي، يترك آثارًا مباشرة وغير مباشرة على المدنيين.

فالطاقة والوقود والمواصلات والكهرباء ليست مجرد أدوات في الحرب، وإنما عناصر حياة يومية.

وعندما تتحول إلى أهداف، يدفع المجتمع ثمنًا إضافيًا.

هناك بعد آخر لا يقل أهمية: الحرب النفسية.

فالهجمات الليلية الواسعة على أوكرانيا لا تترك آثارها على المباني فقط، بل على الأعصاب أيضًا.

وفي روسيا أيضًا، لم تعد الحرب بعيدة كما كانت.

حين تصل المسيّرات إلى مصافٍ ومنشآت طاقة أو مطارات أو مستودعات وقود، تتغير صورة الحرب داخل الوعي العام.

لم تعد مجرد عملية عسكرية تُعرض على الشاشات، بل تصير حدثًا يمكن أن يقترب من الاقتصاد والسفر والوقود والحياة اليومية.

بهذا المعنى، يخوض الطرفان حربًا على المعنويات.

روسيا تريد كسر الإحساس الأوكراني بالأمان، وأوكرانيا تريد كسر الثقة الروسية بفكرة العمق الآمن.

وبين الرسالتين، تتسع مساحة القلق على جانبي الحدود.

لا يمكن فصل تصاعد الضربات المتبادلة عن الوضع السياسي والعسكري العام.

فالجبهات البرية تتحرك ببطء، والمفاوضات لا تبدو قادرة على إنتاج اختراق قريب، والدعم الغربي لأوكرانيا يبقى عنصرًا حاسمًا في حسابات موسكو وكييف معًا.

في مثل هذه اللحظة، يصبح القصف أداة لتحريك الجمود.

روسيا تراهن على الاستنزاف الطويل، وتحاول إضعاف قدرة أوكرانيا على الصمود عبر الضغط العسكري والنفسي والاقتصادي.

وهي تدرك أن الدفاعات الجوية الأوكرانية، مهما كانت فعالة، تعتمد على إمدادات خارجية ليست بلا حدود.

أما أوكرانيا، فتسعى إلى كسر فكرة أن روسيا تستطيع خوض حرب طويلة من دون أن يشعر الداخل الروسي بأثمانها.

ولذلك تبدو منشآت الطاقة والوقود هدفًا مركزيًا في الاستراتيجية الأوكرانية، لأنها تجمع بين القيمة الاقتصادية والرمزية العسكرية والسياسية.

هل تقرّب الضربات التفاوض أم تبعده؟السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا التصعيد يقرّب الحرب من طاولة التفاوض أم يدفعها إلى مرحلة أكثر خطورة.

هناك قراءة تقول إن توسيع الضربات قد يكون محاولة من الطرفين لتحسين شروطهما قبل أي تسوية.

فكل طرف يريد أن يصل إلى أي مسار تفاوضي محتمل وهو يملك أوراق ضغط أكبر.

روسيا تريد إظهار أن أوكرانيا لا تستطيع حماية مدنها من دون دعم غربي مستمر.

وأوكرانيا تريد إظهار أن روسيا لا تستطيع حماية اقتصادها ومنشآتها الحيوية من ضربات بعيدة المدى.

لكن قراءة أخرى ترى أن هذا المسار قد يجعل التفاوض أصعب.

فكل ضربة كبرى ترفع سقف الغضب، وتقلص مساحة التنازل، وتزيد ضغط الرأي العام على القيادات.

ومع استمرار الدم والحرائق والخسائر، يصبح من الصعب سياسيًا على أي طرف أن يظهر بمظهر المتراجع.

هنا تكمن المفارقة: القصف قد يكون وسيلة للضغط من أجل التفاوض، لكنه قد يتحول أيضًا إلى سبب جديد لإطالة الحرب.

النتيجة الأكثر وضوحًا أن الحرب دخلت مرحلة لم يعد فيها العمق مضمونًا.

المدن الأوكرانية تعيش تحت تهديد الهجمات المركبة، والمنشآت الروسية البعيدة عن الجبهة لم تعد خارج الحسابات.

هذا التحول يغير معنى الحرب بالنسبة إلى الطرفين.

بالنسبة إلى أوكرانيا، الدفاع عن الجبهة لم يعد كافيًا.

عليها أن تدافع عن العاصمة والطاقة والمدن والرموز والسكان في وقت واحد.

وبالنسبة إلى روسيا، لم يعد العمق الجغرافي ضمانة كاملة، لأن المسيّرات بعيدة المدى بدأت تفرض واقعًا جديدًا.

هذه هي خطورة حرب العمق: أنها تذيب الحدود بين الجبهة والخلفية، وبين العسكري والاقتصادي، وبين الضغط الميداني والضغط النفسي.

وكلما اتسعت دائرة الأهداف، أصبح الخروج من الحرب أكثر تعقيدًا.

في الختام، يمكن القول إن تصاعد الاستهداف وتبادل القصف بين روسيا وأوكرانيا ليس فصلًا جديدًا من فصول الحرب فقط، وإنما علامة على تحول أعمق في طبيعتها.

فالمعركة لم تعد تدور حول من يسيطر على قرية أو طريق أو تلة فحسب، بل حول من يستطيع جعل استمرار الحرب أكثر كلفة على خصمه.

قد تكون هذه الضربات تمهيدًا لتفاوض قادم، يحاول فيه كل طرف تحسين شروطه قبل الجلوس إلى الطاولة.

وقد تكون، على العكس، مقدمة لمرحلة أكثر خطورة، يصبح فيها كل عمق هدفًا، وكل ضربة ذريعة لضربة أكبر.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك