وكالة شينخوا الصينية - (وسائط متعددة) يونيسف: مقتل 247 طفلا في لبنان منذ تصاعد المواجهات العسكرية في مارس الماضي الجزيرة نت - باب المندب بعد الاتفاق.. هدوء مؤقت أم جولة جديدة من الصراع؟ وكالة سبوتنيك - بيلاروسيا: نطالب كييف بتقديم تفسير شامل حول الهجوم على أطفال من مواطنينا في بريانسك القدس العربي - مونديال 2026: آلاف المشجعين الأردنيين ملأوا المدرج الروماني لمتابعة “النشامى”-(فيديو) العربية نت - قفزة قياسية لتدفقات الأموال الساخنة في مصر.. نحو 3 مليارات دولار اليوم وكالة شينخوا الصينية - حماس: نأمل أن تمهد مرونتنا في مفاوضات القاهرة لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وكالة الأناضول - إسرائيل تقر بناء مدرسة بالخليل في أول تطبيق لسلب صلاحيات من بلديتها يني شفق العربية - الطاقة الدولية: انخفاض طلب النفط 1.1 مليون برميل 2026 Euronews عــربي - مستوطنون يلحقون أضراراً بمسجدين في الضفة الغربية.. وعبارات "انتقام" على الجدران سكاي نيوز عربية - "أوكسفام" تحذر من اتساع تفشي إيبولا دون رصد
عامة

"تجارة الوجع" في لبنان... احتيال يقتات على معاناة النازحين

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 ساعة

تأتي الحرب بموكب من المآسي، فترافقها حقيبة النزوح ومفتاح بيت أصبح بعيداً، وطفل يحتاج إلى حليب وأم تبحث عن حفاضات، ورجل يريد ثمن دواء أو تعبئة جرة غاز. ثم يأتي، على الهامش دائماً، ذلك الكائن شديد المرو...

تأتي الحرب بموكب من المآسي، فترافقها حقيبة النزوح ومفتاح بيت أصبح بعيداً، وطفل يحتاج إلى حليب وأم تبحث عن حفاضات، ورجل يريد ثمن دواء أو تعبئة جرة غاز.

ثم يأتي، على الهامش دائماً، ذلك الكائن شديد المرونة، المحتال الذي يعرف أن الحروب تفتح البيوت والقلوب والجيوب وصولاً إلى الحسابات الإلكترونية.

بالطبع ليست المشكلة في التبرع، فلولا المبادرات الفردية في لبنان، لكان كثيرون تُركوا في العراء الكامل.

حتى إن بعض الأشخاص أخذوا على عاتقهم عمل جمعيات وأحياناً وزارات لشعورهم الشديد بالمسؤولية والتعاطف في آن.

ولكن المشكلة تبدأ حين يتحول التضامن إلى" سوق من دون سجل ولا محاسبة ولا تدقيق.

منشور على" فيسبوك"، أو رقم هاتف، أو صورة طفل حافي القدمين، أو عبارة من النوع الذي يُسقط الدفاعات النفسية مثل" نازحون بحاجة لحليب أطفال"، أو" أطفال بلا خبز"، أو" عائلة تفترش الطريق"، أو سواها من العبارات القاسية والتي تحتاج رد فعل سريع.

ثم يليها طلب سريع عبر شركات نقل وتحويل الأموال، في بلد انهارت فيه الثقة بالمصارف، وأصبحت التحويلات السريعة بديلاً عن النظام المالي الرسمي، لكنها تحولت أيضاً إلى مسرح صغير لإظهار النبل في حالات كثيرة، وللاحتيال في حالات أخرى.

دخل لبنان في حرب عام 2024 في واحدة من أوسع موجات النزوح الداخلي منذ أعوام.

حينها قال وزير البيئة، ناصر ياسين أن لبنان كان يحتاج إلى نحو 250 مليون دولار شهرياً لتغطية حاجات أكثر من مليون نازح، من غذاء ومياه وصرف صحي وتعليم وخدمات أساسية.

كما أشار إلى أن الاستجابة المتاحة لم تغطِ سوى 20 في المئة فقط من حاجات نحو 1.

3 مليون شخص.

وإذا كانت حرب 2024 قد دفعت لبنان إلى مواجهة نزوح تجاوز المليون شخص، فإن أرقام عام 2026 ليست أقل قسوة.

فبحسب وزارة الشؤون الاجتماعية تجاوز عدد النازحين داخلياً خلال الأشهر الأولى من التصعيد العسكري في ربيع 2026 حاجز 1.

1 مليون شخص، فيما تحدثت تقارير أممية ودولية عن وصول العدد في بعض التقديرات إلى نحو 1.

3 مليون نازح، أي ما يقارب خُمس سكان لبنان.

كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليون شخص لا يزالون بحاجة إلى مساعدات غذائية وإنسانية عاجلة، بينما رفعت وكالات الإغاثة نداءاتها التمويلية لمواجهة واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي التي شهدها البلد في تاريخه الحديث.

هذه ليست أرقاماً إدارية مجردة، إنها المعادلة التي يفهمها المحتالون جيداً، إذ عندما تكبر الحاجة، تكبر السوق الموازية حولها.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يعود التبرع فعلاً جانبياً.

ويتحول إلى اقتصاد طوارئ كامل، تديره الدولة والمنظمات الدولية من جهة، وآلاف الأفراد والصفحات والمجموعات والمبادرات الصغيرة من جهة أخرى، بعضهم يعمل بإخلاص وبعضهم يعمل بعاطفة أكبر من خبرته، ولكن في المقابل اكتشف بعضهم أن صورة طفل حزين قد تدرّ أكثر من مشروع تجاري صغير.

وهنا تبدأ الأسئلة الثقيلة عمَن يملك حق جمع المال ويتحقق من الحالة.

وعمن يراقب الفواتير أو يمنع استخدام الفاتورة نفسها مع أكثر من متبرع.

وعمن يضمن أن الحليب وصل إلى الطفل المحتاج، وليس إلى رف في سوق سوداء صغيرة ترتدي قناع الخير.

قوى الأمن تحذر وتستعيد الأموالوكانت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي قد أصدرت في 11 يونيو (حزيران) 2026 بياناً يلخص بدقة هذا النمط الجديد من الاحتيال.

ويذكر البيان امرأة تشارك مع أصدقائها في حملة إنسانية لمساعدة نازحين ومتضررين، وتجمع تبرعات لشراء أدوية ومواد غذائية وحليب أطفال وحفاضات، وتنشر رقمها في مجموعات" واتساب" لتلقي التبرعات عبر شركة تحويل أموال.

ثم يتصل بها شخص يقدم نفسه كممثل عن الشركة، ويخبرها بأن حسابها تجاوز الحد المسموح به وأن هناك تحويلات عالقة تحتاج إلى معالجة.

فيطلب منها تنفيذ بعض الخطوات وإرسال رموز التحقق (OTP) التي وصلتها عبر التطبيق، وبعد إرسال الرمز الثاني، تختفي الأموال.

وبحسب البيان، ادعت السيدة ضد شخص يدعى (ع.

ت) بجرم النصب والاحتيال، بدأت الشكوى في مخفر الباروك بتاريخ 10 أبريل (نيسان) 2026، ثم أُحيلت إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية في وحدة الشرطة القضائية.

وبعد الاستقصاءات الفنية والتقنية، تم تحديد مسار الأموال، وتبين أنها حُوّلت إلى حساب تابع لإحدى شركات التداول الرقمي.

تواصل المكتب مع الشركة، وطلب تجميد المبلغ، ثم استُعيد بالكامل وسُلّم إلى صاحبة الشكوى، فيما استمر العمل لتحديد المتورطين وتوقيفهم.

وتعتبر هذه الواقعة مهمة لأنها تكسر فكرة شائعة عند الضحايا أنهم إذا تعرضوا للنصب لا يمكنهم استعادة أموالهم.

لكن ما تبيّن هو أنه في بعض الحالات، يستطيع التبليغ السريع أن يجمّد مسار المال قبل أن يتبخر في حسابات وسيطة.

لكنها تكشف أيضاً هشاشة البيئة الرقمية التي تعمل فيها المبادرات الإنسانية من رقم هاتف منشور وتبرعات متفرقة وبخطأ واحد في مشاركة رمز تحقق يفتح الباب كله أمام الحسابات وتتعرض للنصب.

قد تكون هذه الجملة التي يجب أن تُكتب على جدران المساعدات في الحرب.

ففي خطاب التوعية الأمني، هناك جمل تبدو بسيطة إلى حد أن الناس لا تأخذها على محمل الجد.

" لا تشارك رمز التحقق"، لكنها اليوم ربما أهم من كل خطب الشفافية.

فالمحتال لا يحتاج أحياناً إلى اختراق تقني معقد، يكفيه ضحية مرهقة تعمل تحت ضغط إنساني، وتظن أن المتصل من الشركة أو من خدمة العملاء.

في الفيديوهات والمنشورات التوعوية التي نشرتها قوى الأمن الداخلي، تكررت الرسالة نفسها، " لا تحولوا المال قبل التحقق، ولا تشاركوا رموز التحقق، ولا ترسلوا مستندات أو بيانات مالية أو صوراً عنها إلى جهات غير موثوقة، وبلغوا عبر خدمة 'بلغ' أو عبر التطبيق أو أقرب مركز أمني".

هذا النوع من التوعية قد يبدو عادياً، لكنه في بلد، يعيش على تطبيق" واتساب" والتحويلات الفوري، يصبح جزءاً من البنية التحتية للنجاة.

وفي حملات مشتركة مع إحدى شركات تحويل الأموال، ضمن فعاليات الأسبوع العالمي للتوعية ضد الاحتيال لعام 2023، حملت الرسالة عنواناً مباشراً، " لا تقع ضحية الاحتيال: احمِ نفسك".

اللافت هنا أن شركة تحويل أموال وجهازاً أمنياً يلتقيان على خطاب واحد، مما يعني ضمناً أن الاحتيال المالي لم يعد حادثة فردية، وتحول إلى بيئة كاملة تتحرك بين الهاتف والتطبيق ومواقع التواصل.

السكن الوهمي فرصة للنصابينفي زمن النزوح تتحول أبسط الأشياء إلى مصائد، من الشقة والدواء والحليب أو حتى وعد بتحويل مالي من الخارج.

كل حاجة إنسانية قابلة لأن تصبح سيناريو احتيال إذا وُجد من يعرف كيف يضغط على زر الخوف.

وكانت قوى الأمن قد حذّرت في الثامن من مارس (آذار) 2026 من نمط آخر من النصب.

محتالون يستغلون حاجة النازحين إلى السكن عبر إعلانات وهمية لشقق للإيجار.

يبدو الأسلوب بسيطاً جداً، وربما لهذا هو فعال.

إعلان على مواقع التواصل مع صور شقة وسعر مقبول، لا يشبه ما توصل إليه أصحاب البيوت المستأجرة من جشع، مع وعود سريعة.

ثم يأتي طلب" عربون" أي رسوم حجز عبر شركات تحويل الأموال.

وبعد استلام المبلغ، يختفي صاحب الإعلان كما تختفي الوعود عادة في الأزمات.

في هذه الحالات لا يحتاج المحتال إلى عبقرية وصياغة حبكة للنصب، بل يحتاج فقط إلى فهم نفسي للحظة.

فالنازح لا يملك رفاهية التحقق الطويل، ويريد سقفاً الليلة، وليس بعد أسبوع، مكاناً يضع فيه أطفاله بعيداً من الخطر.

ويريد أن يسبق غيره إلى الشقة في ظل الطلب الكثيف.

في هذا السباق، تصبح السرعة ثغرة يستغلها المحتالون المتاجرون بوجع الناس.

لذلك ركزت قوى الأمن على قاعدة بديهية لكنها حاسمة، فطلبت من النازحين عدم تحويل أي مبلغ قبل معاينة المسكن على أرض الواقع والتأكد من هوية المالك القانوني.

توضح الأخصائية الاجتماعية رنا غنوي، التي تعمل في مجال الإغاثة والاستجابة الإنسانية منذ عام 2004، أنها خضعت بعد حرب يوليو (تموز) 2006 لتدريبات متخصصة مع الأمم المتحدة حول آليات الاستجابة للحالات الطارئة، مما أتاح لها اكتساب خبرة ميدانية واسعة في التعامل مع المحتاجين وإدارة المساعدات.

وترى غنوي أن تطبيقات تحويل الأموال، على رغم من حداثتها وفائدتها في تسهيل التحويلات المالية، تحولت في الأعوام الأخيرة إلى بيئة خصبة لعمليات الاحتيال واستدراج الأموال، خصوصاً في ظل الأزمات الإنسانية وحالات النزوح.

وتشرح أن التعامل المهني مع أي طلب مساعدة يبدأ بدراسة الحالة والتأكد من طبيعة الحاجة الفعلية.

فعندما تتلقى اتصالاً أو رسالة من شخص حصل على رقمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويطلب مساعدة لتأمين حليب أطفال أو حفاضات، فإنها تتجنب إرسال الأموال مباشرة، وتلجأ بدلاً من ذلك إلى تسديد ثمن الاحتياجات لدى الصيدلية بصورة مباشرة.

وتؤكد أن هذه الآلية تضمن، بالحد الأدنى، وصول المساعدة إلى الغاية التي جُمعت من أجلها.

وتضيف أن مَن يطلب حليباً للأطفال لا يمكنه الاعتراض على استلامه من الصيدلية، طالما أن حاجته حقيقية.

كما أنها تطلب من الصيدلي فتح عبوة الحليب قبل تسليمها، في إجراء احترازي يهدف إلى منع إعادة بيعها أو المتاجرة بها في السوق السوداء، وهي ممارسات تقول إنها باتت تُسجَّل بصورة متكررة في بعض ملفات المساعدات الإنسانية.

وتستشهد رنا غنوي بحادثة كشفت، بحسب قولها، جانباً من أساليب الاحتيال التي باتت ترافق طلبات المساعدة عبر تطبيقات تحويل الأموال.

وتروي أن أحد الأشخاص تواصل مع عائلة مدعياً أنه نازح من منطقة إقليم التفاح إلى برج البراجنة ويعيش أوضاعاً معيشية صعبة، طالباً تحويل مبلغ مالي لمساعدته.

وتوضح أن الشخص المعني أرسل، عن غير قصد، صورة شاشة (Screenshot) لحسابه بهدف إثبات تعذر وصول التحويل إليه.

إلا أن الصورة أظهرت معلومة لم ينتبه إليها، وهي أن رصيد حسابه بلغ نحو 2961 دولاراً.

وعند محاولة تحويل 100 دولار إضافية إليه، لم تتم العملية لأن الرصيد كان سيصبح أعلى من السقف المسموح به للحسابات الفردية.

وتشير غنوي إلى أن بعض تطبيقات تحويل الأموال تميز بين الحسابات الفردية وحسابات المؤسسات، وتفرض سقوفاً مالية مختلفة على كل منها، الأمر الذي أسهم في كشف التناقض بين ادعاءات الحاجة والوضع المالي الفعلي لصاحب الحساب.

وترى أن المشكلة لا تكمن في التطبيقات بحد ذاتها، بل في تحولها إلى أدوات يمكن استغلالها في عمليات الاحتيال وجمع الأموال بطرق مضللة.

وتلفت إلى أن التطور التقني والانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي سهّلا إنشاء شعارات وهويات بصرية احترافية خلال دقائق، مما يتيح لأي شخص إطلاق مبادرات أو جمعيات وهمية بأسماء جذابة وإنسانية مثل" معاً من أجل الإنسان" أو" شمعة الحياة" أو غيرها من المسميات التي توحي بالمصداقية والعمل الخيري.

وتحذر من أن المظهر الاحترافي لم يعد دليلاً كافياً على صدقية أي مبادرة، في وقت باتت فيه الشعارات والصفحات الإلكترونية والصور المصممة بعناية تُستخدم أحياناً كواجهة لاستدرار تعاطف الناس وجمع الأموال من دون أي رقابة أو محاسبة فعلية.

وتتحدث رنا غنوي عن شكاوى وصلتها من عدد من العائلات المستفيدة من المساعدات، تتعلق بتسلم علب حليب أطفال منتهية الصلاحية من خلال مبادرات إغاثية كانت تنشط خلال فترات الأزمات.

وتشير إلى أن إحدى القضايا التي أُثيرت في هذا السياق ارتبطت باسم" الناشطة الإعلامية نيرمين بغدادي"، موضحة أن المعلومات التي تنقلها تستند إلى ما أفاد به أشخاص يقولون إنهم متضررون، وليس إلى أحكام قضائية نهائية.

وتكشف رنا عن أسلوب عمل هذه الناشطة، حيث تقوم بجمع مبالغ مالية ضخمة جداً تحت غطاء تأمين مساعدات واسعة، ومن ثم تصدر فواتير وتوثيقات وهمية تدعي فيها توزيع 80 حصة غذائية أو عينية، في حين أن ما يتم توزيعه على أرض الواقع لا يتجاوز 10 إلى 15 حصة فقط.

وتضيف غنوي أنه عندما واجهت العائلات والأمهات تلك الناشطة بشأن تسلمهن حليباً منتهي الصلاحية، أنكرت الناشطة ذلك وادعت كذباً أن الأمهات هن مَن قمن بمسح أو شطب تاريخ الصلاحية المطبوع على العلبة للإساءة إليها.

وتؤكد رنا أن القضية الآن باتت معروضة أمام القضاء للفصل فيها وتحديد المسؤوليات.

وتشدد على أن هذه الوقائع لا تزال، بحسب معلوماتها، موضع متابعة وشكاوى قضائية، وأن المسؤولية النهائية في تحديد صحة الاتهامات أو نفيها تعود إلى الجهات القضائية المختصة، لكنها ترى في هذه الحالات دليلاً إضافياً على أهمية الشفافية والتوثيق والرقابة في أي نشاط يقوم على جمع التبرعات أو توزيع المساعدات الإنسانية.

مقايضة علبة فول بملء جرة غازوتشير غنوي إلى نمط متكرر من محاولات الاحتيال التي تستند إلى استثارة التعاطف عبر قصص تبدو للوهلة الأولى شديدة الواقعية.

وتوضح أن بعض الأشخاص يتواصلون مع ناشطين أو متبرعين مدعين أنهم نازحون يعيشون أوضاعاً قاسية، ويطرحون طلبات تبدو إنسانية ومؤثرة، كأن يطلب أحدهم المساعدة لتعبئة جرة غاز مقابل التخلي عن جزء من طعامه أو مؤونته مثل علبة فول.

وتلفت إلى أن بعض هذه الروايات تصاغ بطريقة مدروسة لإظهار حجم المعاناة، بحيث يوحي صاحب الطلب بأنه مستعد للتنازل عن احتياجات أساسية، مثل الطعام، مقابل تأمين حاجة أخرى أكثر إلحاحاً.

وترى أن هذا النوع من الخطاب يدفع كثيرين إلى تقديم المساعدة المالية مباشرة من دون التحقق الكافي من صحة الحالة.

وتروي أنها تابعت إحدى الحالات التي كانت تطلب تحويلات مالية عبر تطبيقات تحويل الأموال، مدعية النزوح والحاجة الشديدة، إلا أن التدقيق في رقم الهاتف المستخدم قاد، بحسب قولها، إلى اكتشاف تكرار الرقم نفسه في عشرات الروايات المختلفة المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كان يُستخدم في كل مرة ضمن رواية مختلفة ومكان مختلف وهوية مختلفة.

وتشير إلى أنها نشرت تحذيرات عدة في شأن هذا الرقم على صفحاتها، معتبرة أن تكرار استخدامه في طلبات المساعدة يثير علامات استفهام جدية حول مصداقية الحالات المرتبطة به.

وتكشف غنوي أنه بعد التدقيق والبحث وراء رقم الهاتف المستخدم في هذه الحالة (الذي ينتهي بالرقمين 85)، تبين أنه يعود لامرأة تُدعى" حنين النميري"، وتشاركها في العمل أختها" فاطمة النميري" بالتعاون مع طليقها السابق.

وأوضحت أن هذه المجموعة تشكل شبكة احتيال منظمة تتخذ من منطقة" برج حمود" (شمال بيروت) مقراً لها، ويقومون في كل مرة بتغيير روايتهم والادعاء بأنهم نازحون من بلدة أو قرية مختلفة.

وتؤكد رنا أنها فضحت هذا الرقم تحديداً عبر صفحتها مرات عدة، مشيرة إلى أن البحث عن هذا الرقم عبر منصة" فيسبوك" يظهر وجود أكثر من 80 قصة احتيال مختلفة ومختلقة بالكامل، وأنه لم يتم القبض عليهم بعد.

وتشدد غنوي على أن هذه الوقائع تعكس أهمية التحقق من المعلومات وعدم الاكتفاء بالقصة الإنسانية المؤثرة، لافتة إلى أن المحتالين غالباً ما يعتمدون على تغيير الأسماء والأماكن والتفاصيل، فيما تبقى أرقام الهواتف أو وسائل التواصل هي الخيط الوحيد الذي يكشف تكرار الرواية نفسها بصور مختلفة.

وتخلص إلى أن التدقيق البسيط في الأرقام والبيانات المتاحة على الإنترنت قد يكشف أحياناً ما تعجز عنه العاطفة، ويمنع تحويل التعاطف الإنساني إلى مورد تستفيد منه شبكات أو أفراد يستغلون ظروف الأزمات والنزوح لتحقيق مكاسب مالية.

ليس كل من لديه حساب تحويل أموال ناشطاًوتنتقد غنوي ما تصفه بالفوضى التي باتت تحكم جزءاً من العمل الاجتماعي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن النشاط الاجتماعي أو ما يُعرف بـ" Social Activism" ليس مجرد مبادرة فردية عفوية، وهو اختصاص قائم بذاته تحكمه تقنيات وآليات عمل وإجراءات مهنية وقوانين واضحة.

وترى أن انتشار تطبيقات تحويل الأموال ووسائل التواصل الاجتماعي خلق انطباعاً لدى البعض بأن مجرد امتلاك حساب على إحدى هذه المنصات أو تطبيقاً مالياً على الهاتف يخوّل صاحبه جمع التبرعات وإدارة ملفات المساعدات الإنسانية.

وتعتبر أن هذا الفهم أسهم في نشأت بيئة غير منظمة يصعب فيها التمييز بين العمل الإنساني الجاد والمبادرات العشوائية أو حتى عمليات الاحتيال.

وتشير إلى أن مئات المنشورات تمر يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن طلبات مساعدة مالية صغيرة ومؤثرة عاطفياً، من قبيل استكمال ثمن ربطة خبز، أو تأمين دولار واحد على سبيل الصدقة، أو شراء حذاء لطفل يقال إنه يمشي حافياً.

وفي كثير من الحالات، تُرفق هذه المنشورات بصور لأطفال أو عائلات، بعضها قد يكون حقيقياً وبعضها الآخر قد يكون مستعاراً من الإنترنت أو مأخوذاً من وقائع قديمة لا علاقة لها بالحالة المعروضة.

وتلفت غنوي إلى أن منصات التواصل الاجتماعي ليست جهات تحقق أو تدقيق، إذ إن دورها يقتصر على نشر المحتوى وتداوله، مما يجعل مسؤولية التحقق من صحة الروايات والمعلومات تقع على عاتق الجهات المختصة أو المتبرعين أنفسهم.

وترى أن غياب الرقابة الفعالة على بعض الممارسات، إلى جانب سهولة نشر أرقام الهواتف ووسائل تحويل الأموال بصورة علنية، أسهم في خلق مساحة واسعة للاستغلال والاحتيال.

كما تبدي قلقها من نشر البيانات الشخصية على نطاق واسع عبر المنصات الرقمية، معتبرة أن تداول أرقام الهواتف والمعلومات الخاصة بصورة مفتوحة يستوجب قدراً أكبر من الرقابة والمتابعة، خصوصاً عندما تستخدم هذه البيانات في جمع التبرعات أو استدرار التعاطف العام.

وفي ما يتعلق بتطبيقات التحويل المالي، تؤكد غنوي أنها أُنشئت أساساً لتسهيل حياة الناس وتبسيط المعاملات المالية اليومية، إلا أن سوء استخدامها في بعض الحالات، وغياب الضوابط الكافية، أسهما في تعقيد المشهد الإنساني وفتح الباب أمام ممارسات استغلالية استهدفت المحتاجين والمتبرعين على حد سواء.

وتؤكد غنوي أن العمل الإنساني لا يقتصر على جمع التبرعات وتوزيع المساعدات، بل يقوم أساساً على أخلاقيات مهنية ومعايير واضحة للتعامل مع الناس، مشددة على أن الناشط أو العامل في المجال الإنساني يجب أن يمتلك حداً أدنى من المعرفة الاجتماعية أو النفسية التي تؤهله للتعامل مع الفئات المتضررة.

وتوضح أن العمل في الأزمات يندرج ضمن ما يُعرف بعمليات" الاستجابة"، أي إن وجود العامل الإنساني مرتبط أساساً بوجود أزمة أو ظرف استثنائي يستدعي التدخل.

ومن هذا المنطلق، ترى أن الاستجابة الإنسانية لا يمكن أن تدار بعشوائية أو وفق اجتهادات شخصية، وتحتاج إلى أوقات عمل محددة، وآليات واضحة، ومقاربات مهنية مدروسة لكيفية التعامل مع المستفيدين وتقييم احتياجاتهم.

وتعتبر غنوي أن الشفافية والمحاسبة تشكلان الركيزتين الأساستين لأي مبادرة إنسانية جادة.

فالمتبرع، برأيها، من حقه أن يعرف أين ذهبت أمواله وكيف أُنفقت، كما أن على القائمين على المبادرات أن يقدموا توثيقاً واضحاً ومفصلاً لكل عملية شراء أو توزيع.

وتشرح أن غياب هذه الآليات يفتح الباب أمام إساءة استخدام الأموال أو التلاعب بالمستندات.

فلو تبرع شخص بـ500 دولار، من حقه أن يحصل على توضيح حول أوجه الإنفاق والمستندات التي تثبت ذلك.

كما أن الفواتير يجب أن تكون محددة ومُسماة بطريقة تمنع إعادة استخدامها مع أكثر من متبرع.

وتضرب مثالاً على ذلك بالقول إن متبرعين مختلفين قد يخصصان المبلغ نفسه للغرض نفسه، كطباعة كتب مدرسية لطلاب الشهادات الرسمية.

وفي هذه الحالة لا يجوز استخدام الفاتورة ذاتها مع الطرفين، لأن ذلك يفتح المجال لتضليل أحد المتبرعين أو كليهما.

لذلك، يجب أن تحمل كل فاتورة اسماً أو مرجعاً واضحاً، سواء باسم المستفيد، أو باسم المبادرة التي موّلت العملية، أو بأي توصيف يضمن إمكانية تتبع الإنفاق والتحقق منه لاحقاً.

وترى غنوي أن هذه الإجراءات البسيطة ليست تفاصيل إدارية ثانوية، وهي تشكل جزءاً أساساً من حماية ثقة المتبرعين وضمان نزاهة العمل الإنساني، خصوصاً في البيئات التي تشهد أزمات ونزوحاً وتدفقاً كبيراً للتبرعات والمبادرات الفردية.

تشدد غنوي على أن التحقق من الحالات الإنسانية ليس عملية عشوائية، بل هو جزء أساس من عمل الأخصائي الاجتماعي الذي يمتلك الأدوات والمعايير المهنية اللازمة لتقييم الملفات والتأكد من صحتها ودقتها.

وترى أن هذه المهمة تتطلب خبرة ومنهجية واضحة، ولا ينبغي أن تُترك للاجتهادات الفردية أو الانطباعات الشخصية.

وفي المقابل، تحذر من ممارسات باتت شائعة بين بعض الناشطين، حتى أولئك الذين يتحركون بدافع حسن النية والرغبة الصادقة في المساعدة، إذ يعمد بعضهم إلى طلب صور عن جوازات السفر أو إخراجات القيد الفردية والعائلية أو غيرها من المستندات الرسمية للتأكد من هوية طالبي المساعدة.

وفي بعض الحالات يُطلب من الشخص إرسال موقعه الجغرافي المباشر (Location) أو معلومات شخصية أخرى.

وترى أن هذه الممارسات تطرح إشكاليات جدية تتعلق بحماية الخصوصية والبيانات الشخصية، مؤكدة أن تداول هذا النوع من المعلومات عبر تطبيقات المراسلة أو بين أفراد لا تربطهم أي صفة مؤسسية أو قانونية يشكل خطراً لا مبرر له في كثير من الأحيان.

كما تدعو إلى توعية طالبي المساعدة أنفسهم بعدم مشاركة وثائقهم الشخصية وبياناتهم الحساسة إلا مع جهات موثوقة ومخولة رسمياً جمع هذه المعلومات.

فالشخص الذي يرغب في تقديم المساعدة، مهما كانت نواياه حسنة، يبقى فرداً عادياً وليس مؤسسة رسمية أو جهة مخولة قانوناً طلب صور الهويات أو جوازات السفر أو الاحتفاظ بها.

وتؤكد أن هناك وسائل عدة للتحقق من الحالات من دون المساس بخصوصية الأفراد.

فعند الرغبة في تقديم مساعدة ذات قيمة أو متابعة حالة إنسانية معينة، يمكن الاستعانة بالمختار أو بالبلدية أو بجهة محلية موثوقة للحصول على تأكيد حول الوضع الاجتماعي للشخص وحاجته الفعلية، سواء عبر إفادة خطية أو شهادة محلية أو أي وسيلة تحقق مناسبة.

وتعتبر غنوي أن" اللجوء إلى هذه البدائل أكثر أماناً واحتراماً لكرامة الناس من مطالبتهم بإرسال ملفاتهم الشخصية ومستنداتهم الرسمية عبر تطبيقات المراسلة مقابل الحصول على مساعدة بسيطة قد لا تتجاوز قيمتها بضعة دولارات أو ثمن علبة حليب للأطفال".

من جهتها حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بدورها من ازدياد عمليات الاحتيال في لبنان، ومن أشخاص يدّعون العمل باسم وكالات إنسانية عبر الهاتف أو تطبيقي" تيك توك" و" واتساب" ويعدون بمساعدات أو سفر أو نقد مقابل المال أو الخدمات أو المعلومات الشخصية.

وتضمنت رسالتها المحافظة على سرية الوثائق والمعلومات الشخصية، وعدم مشاركتها إلا مع وكالات موثوقة أو سلطات مختصة.

في أوقات الأزمات، لا يحتاج المحتال إلى أكثر من قصة مؤثرة وصوت متهدج ليعبر إلى جيوب الناس.

فبينما كانت حملات التبرع تنشط لمساعدة النازحين والمتضررين، انتشر تسجيل صوتي لرجل يبكي مدعياً أنه من بلدة شمسطار (البقاع)، وأن أولاده توفوا، وأنه لا يملك ثمن الوقود اللازم لنقلهم ودفنهم.

كانت القصة قاسية بما يكفي لدفع كثيرين إلى التعاطف السريع.

فالرجل لم يطلب مبلغاً كبيراً، فقط 30 دولاراً، عبر تطبيقات تحويل الأموال، وهو ما جعل طلبه يبدو أكثر صدقية وأقل إثارة للشكوك.

واستجاب عدد من الأشخاص للرواية وأرسلوا مبالغ متفاوتة ظناً منهم أنهم يسهمون في مساعدة أب يعيش واحدة من أكثر اللحظات مأسوية في حياته.

لكن التدقيق اللاحق كشف أن التسجيل الصوتي نفسه كان يُرسل إلى أشخاص مختلفين، وناشطين، وأن الرواية تُستخدم مراراً لاستدرار العطف وجمع الأموال.

ومع تتبع التفاصيل والتحقق من المعلومات، تبين أن الاسم والهوية المستخدمين لا يتطابقان مع الواقع، وأن القصة لم تكن سوى وسيلة احتيال اعتمدت على استغلال مشاعر الناس خلال فترة كانت فيها المآسي الحقيقية أكثر من أن تُحصى.

وبينما تبدو المبالغ المطلوبة صغيرة وغير مؤذية، فإن تكرار العملية مع عشرات الأشخاص يحول التعاطف الإنساني إلى مصدر دخل قائم بحد ذاته.

ولكنه عندما كُشف أمره أثناء طلبه المال من غنوي، هددها بتعميم رقمها على مجموعات الدعارة.

لم تقتصر عمليات الاحتيال على استغلال قصص النزوح والحاجة الإنسانية، بل امتدت أيضاً إلى استغلال الباحثين عن العمل، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة.

ففي إحدى الحالات، تلقت سميحة عرضاً بدا للوهلة الأولى فرصة مهنية حقيقية.

فقد تواصل معها شخص مدعياً أنه يمثل مكتباً متعاقداً مع إحدى منظمات الأمم المتحدة، وعرض عليها المساعدة في تقديم سيرتها الذاتية للحصول على وظيفة براتب شهري يقارب 800 دولار.

لم يكن المبلغ المطلوب كبيراً، نحو 80 دولاراً فقط تحت عناوين إدارية وإجرائية مرتبطة بالتوظيف، وهو ما جعل الطلب يبدو منطقياً بالنسبة إلى شخص يبحث عن فرصة عمل مستقرة.

لكن ما بدأ كعرض وظيفي انتهى كعملية احتيال.

فبعد تحويل المبلغ، تبين أن الوظيفة غير موجودة أساساً، وأن الجهة التي جرى الادعاء بالعمل لمصلحتها لا علاقة لها بالموضوع.

وكشفت المتابعة اللاحقة أن المشتبه فيه كان ينتحل صفة مكتب متعاقد مع الأمم المتحدة ويستخدم شعاراتها وهويتها البصرية لإضفاء المصداقية على روايته واستدراج الضحايا.

وتشير المعطيات المتداولة حول القضية إلى أن التحقيقات أظهرت وجود عدد كبير من المتضررين الذين دفعوا مبالغ مالية متفاوتة تحت الذريعة نفسها، قبل أن تنكشف العملية وتُحال إلى الجهات القضائية المختصة ويسجَن المدعو حيدر الحسيني الذي انتحل الصفة وسوق الأموال.

وتبرز هذه القضية كيف تحولت البطالة نفسها إلى باب جديد للاحتيال.

ولأن المحتالين يدركون أن أكثر القصص تأثيراً هي تلك التي تتعلق بالأطفال، فإن كثيراً من محاولات الخداع تُبنى على استغلال المرض أو الاحتياجات الصحية العاجلة للقاصرين.

في إحدى الحالات، انتشرت مناشدة لسيدة مسنة تطلب المساعدة المالية لحفيدها بحجة حاجته إلى إجراء عملية" طهور" بصورة عاجلة.

بدت القصة إنسانية ومقنعة للوهلة الأولى، خصوصاً أن الحديث كان يدور حول طفل وعائلة تعاني ضائقة مالية، مما دفع بعض الأشخاص إلى التفكير بتقديم المساعدة فوراً.

إلا أن التدقيق في الملف أثار عدداً من علامات الاستفهام.

فالمعلومات الطبية المتداولة لم تكن منسجمة مع طبيعة العملية المذكورة، كما أن مراجعة المعطيات المحلية المرتبطة بالعائلة والبلدة التي قيل إنها تنتمي إليها أظهرت تناقضات في الرواية.

ومع توسع البحث والمتابعة، تبيّن أن الوقائع مختلفة عما جرى عرضه في طلب المساعدة.

وكشفت التحقيقات اللاحقة، وجود مشكلات اجتماعية وقضائية أكثر تعقيداً داخل البيئة المحيطة بالطفل حيث الجدة والأم تتعاطيان المخدرات، فيما بدا أن الطفل هو الحلقة الأضعف والضحية الفعلية في القضية.

وقد أُحيل الملف إلى الجهات القضائية المختصة التي تابعت القضية وفق الأصول القانونية.

ويؤكد العاملون في المجال الاجتماعي أن القصص الأكثر تأثيراً عاطفياً هي أحياناً الأكثر حاجة إلى التحقق والتدقيق قبل اتخاذ قرار المساعدة.

ادفع القليل لأحول لك مبلغاً كبيراًومن بين أكثر أساليب الاحتيال انتشاراً تلك التي تعتمد على إغراء الضحية بوعود تحويلات مالية كبيرة من الخارج مقابل دفع مبلغ صغير مسبقاً.

فالمحتال يقدم نفسه أحياناً على أنه شخص يريد إرسال مبلغ مالي كبير، لكنه يواجه مشكلة إدارية أو مصرفية بسيطة تحتاج إلى معالجة.

في إحدى الحالات المتداولة، استخدم شخص اسماً مستعاراً" زهراء باز" وبدأ بالتواصل مع أشخاص عبر تطبيقات التحويل المالي، مدعياً أنه يرغب في إرسال مبلغ كبير من الخارج، إلا أن المصرف أو الجهة المحولة تشترط دفع عمولة أو رسم معين قبل إتمام العملية.

وكانت الرواية تنتهي دائماً بالطلب نفسه، تعبئة حساب إلكتروني بمبلغ بسيط، غالباً نحو 50 دولاراً، مقابل وعد بالحصول على مبلغ أكبر بكثير لاحقاً يبلغ نحو 1000 دولار.

وبعد أن تقوم الضحية بتحويل المبلغ أو تعبئة الحساب، يبدأ المحتال بطلب معلومات إضافية، أو يرسل طلبات سحب إلكترونية، أو يطلب رمز الحوالة أو رمز التحقق (code) بحجة استكمال الإجراءات.

وما إن يحصل على هذه المعلومات حتى يتمكن من الاستيلاء على الأموال أو سحبها بالكامل.

وتشير شهادات متقاطعة إلى أن هذا الأسلوب استهدف عدداً من الأشخاص، بينهم نازحون وعائلات تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة، مستفيداً من حاجتهم إلى المال ومن ضعف المعرفة التقنية لدى بعض المستخدمين.

إذ سحب من نازحة تدعى مريم من قرية" ميس الجبل" (جنوب) مبلغ 70 دولاراً، ومن نازحة أخرى من معروب (جنوب) 170 دولاراً أخرى.

كما أن خطورة هذا النوع من الاحتيال تكمن في أنه لا يعتمد على التهديد أو الضغط المباشر، بل على الإغراء بوعد مالي يبدو مغرياً وسهل المنال.

وتكشف هذه الحالات أن كلمة واحدة قد تكون كافية لإطلاق جرس الإنذار وهي" الكود" أو رمز التحقق.

فالمحتال، مهما اختلفت قصته أو هويته أو الذريعة التي يستخدمها، يحتاج في النهاية إلى الحصول على رمز تحقق أو رمز حوالة أو معلومة تتيح له التحكم بالحساب أو بالأموال.

ولذلك يشدد خبراء الأمن الرقمي وشركات التحويل المالي على أن رموز التحقق شخصية وسرية بالكامل، ولا يجوز مشاركتها مع أي شخص مهما كانت صفته أو المبررات التي يقدمها.

وتشير غنوي أن هذا الحساب لا يزال يعمل، ولم توقفه القوى الأمنية بعد، وشاركت معنا screen shot لحسابه تظهر واحدة من عمليات النصب التي يقوم بها.

وتعيد هذه الوقائع طرح سؤال أوسع يتعلق بحدود العمل الإنساني عبر الإنترنت، إذ لا يكفي امتلاك حساب على تطبيق مالي أو صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي لتحويل صاحبها إلى ناشط اجتماعي أو جهة موثوقة لجمع التبرعات وإدارة المساعدات.

فبين المبادرات الجدية وحسابات الاحتيال مساحة رمادية واسعة، لا يمكن عبورها بأمان إلا عبر التحقق والتدقيق وعدم الانجرار وراء القصص المؤثرة أو الوعود المالية السهلة.

المنصات ليست بريئة ولا مذنبةمن الظلم فعلاً القول إن تطبيقات تحويل الأموال هي سبب الاحتيال.

فهذه المنصات أدت وظيفة حقيقية في بلد تعطلت فيه القنوات المالية التقليدية.

والنازح الذي لا يملك حساباً مصرفياً يحتاج إلى طريقة سريعة لاستلام المال.

كما أن المغترب يريد إرسال 100 دولار لأهله من دون المرور برحلة إذلال مصرفية، والمتبرع يريد أن يدفع فوراً.

لكن الأداة المفيدة تصبح خطرة عندما تعمل في فراغ رقابي وأخلاقي.

وعلى سبيل المثال تذكر إحدى شركات التحويل في إرشاداتها أن إرسال أو استلام الأموال يتطلب هوية صالحة، وأن هناك شروط امتثال إضافية بحسب المبالغ وتكرار العمليات.

وهذه القواعد مهمة داخل النظام الرسمي.

غير أن المشكلة تقع ربما على أطراف النظام، عندما يتحول رقم الهاتف إلى صندوق تبرعات مفتوح، ويتلقى الناس طلبات رموز تحقق، وتُستخدم أسماء وهمية أو قصص إنسانية مفبركة لاستدراج التحويلات.

وأشار تقرير" SMEX" الصادر في أبريل (نيسان) 2026 إلى أن حلقات احتيال رقمية تستهدف مستخدمي إحدى شركات تحويل الأموال في لبنان، ودعا مزودي المحافظ الرقمية عموماً، إلى تحسين حماية المستخدمين وتعزيز الدعم وإضافة طبقات أمنية متقدمة وتسهيل تجميد أو عكس التحويلات في حالات الخطأ أو الاحتيال، واتخاذ إجراءات صارمة ضد الحسابات المرتبطة بهويات زائفة أو نشاطات مشبوهة.

إذ لا يكفي أن تقول المنصة للمستخدم: انتبه! فالمنصة جزء من البيئة التي يحدث فيها الاحتيال، لذلك عليها أن تبني أدوات تمنع، ولا أن تكتفي بنصائح بعد وقوع الضرر.

وفي محاولتنا الاتصال بالشركة المذكورة للوقوف عند بعض التفاصيل من عدد المستخدمين، وإذا ما كان هناك آليات لمكافحة النصب، جاء الجواب من أحد المندوبين أنهم غير قادرين على تزويدنا بأي معلومات داخلية خاصة بالشركة.

كيف يتبرع الناس لمن يحتاجلكن الحذر لا يعني إقفال باب المساعدة.

والمشكلة ليست في التضامن نفسه، إنما في تحويله أحياناً إلى تحويلات مالية سريعة تبنى على قصة مؤثرة وصورة موجعة أكثر مما تبنى على التحقق.

لذلك ينصح العاملون في المجال الإنساني بأن تذهب المساعدة إلى الحاجة مباشرة إلى الصيدلية إذا كان المطلوب دواء، وإلى المتجر إذا كان المطلوب حليباً أو مواد أساسية، أو عبر جهات محلية موثوقة قادرة على تأكيد الحالة ومتابعتها.

في المقابل، تبقى بعض الإشارات مدعاة للتوقف والتدقيق، خصوصاً حين يُرفض طالب المساعدة أي حل مباشر ويصر على الحصول على المال نقداً، أو حين تتحول الحاجة إلى سلسلة طلبات متكررة وغير قابلة للتحقق.

كما أن مشاركة رموز التحقق أو البيانات المالية تحت أي ذريعة تظل من أكثر الأخطاء التي يستغلها المحتالون، إذ إن الجهات الشرعية لا تحتاج إلى هذه المعلومات لإتمام التحويلات أو تأكيد الهوية.

أما التحقق من الحالات فلا يفترض أن يتحول إلى انتهاك لخصوصية الناس.

فهناك وسائل أكثر احتراماً وفاعلية، عبر البلديات أو المخاتير أو المدارس أو الجمعيات المرخصة أو المختصين الاجتماعيين، بما يحفظ كرامة المحتاج ويؤمن في الوقت ذاته الحد الأدنى من الشفافية.

في النهاية، لا ينبغي أن تدفعنا قصص النصب إلى فقدان الثقة بكل من يطلب المساعدة.

فالحروب والأزمات تخلق محتاجين حقيقيين بقدر ما تخلق من يحاولون استغلالهم واستغلال المتضامنين معهم.

لذلك يبقى المطلوب قلباً مفتوحاً، لكن بعينين مفتوحتين أيضاً.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك