قال الدكتور هاني قداح، الخبير الاقتصادي، إن مصر تمضي خلال السنوات الأخيرة في مسار متواصل من الإصلاحات الهيكلية التي تستهدف تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحسين مناخ الاستثمار، مؤكدا أن نجاح هذه الإصلاحات يتطلب بالتوازي تنفيذ إصلاح مؤسسي وإداري يرفع كفاءة الجهاز الحكومي ويحسن جودة الخدمات العامة.
تطوير الأداء بالجهاز الإداريوأضاف قداح أن البيان الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء بشأن الاجتماع الثاني للجنة المعنية بتطوير الأداء بالجهاز الإداري للدولة، برئاسة الدكتور حسين عيسى نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، يعكس توجها مؤسسيا حديثا يستحق المتابعة والدعم، مشيرا إلى أن اللغة التي تضمنها البيان تؤكد الانتقال نحو تبني مفاهيم الإدارة الحديثة القائمة على إعادة تصميم منظومة العمل الحكومي وفق أسس الكفاءة والحوكمة وربط الموارد بالنتائج.
وأوضح أن ما تعمل عليه اللجنة حاليا يمكن اعتباره خطوة نحو بناء" نموذج تشغيل مستهدف" للدولة (Target Operating Model - TOM)، وهو إطار إداري واستراتيجي يحدد الشكل الأمثل لعمل مؤسسات الدولة مستقبلا من حيث توزيع الاختصاصات والهياكل التنظيمية وآليات تقديم الخدمات وإدارة الموارد البشرية والمالية بما يحقق أعلى مستويات الكفاءة والفعالية.
وأشار إلى أن هذا النموذج يعد من أهم الأدوات الحديثة التي تستخدمها الحكومات والمؤسسات الكبرى لإعادة هيكلة أعمالها وتحسين قدرتها على تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأكد قداح أن من أبرز المحاور التي تناولها البيان إجراء مراجعة شاملة للجهات الحكومية بهدف دمج أو إلغاء الكيانات ذات الاختصاصات المتداخلة، بما يحد من الازدواجية ويخفض التكلفة التشغيلية ويرفع كفاءة الإنفاق العام، لافتا إلى أن وضوح الاختصاصات وسرعة اتخاذ القرار من أهم العوامل المؤثرة في تنافسية الاقتصاد الوطني، كما أنها من المؤشرات التي يراقبها المستثمرون عند تقييم بيئة الأعمال.
وأضاف أن الإصلاح المؤسسي الحقيقي لا يقتصر على تعديل الهياكل التنظيمية، بل يعتمد على ترسيخ ثقافة الإدارة بالنتائج من خلال تطبيق مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs)، وهي أدوات كمية قابلة للقياس تستخدم لتقييم مدى نجاح المؤسسات في تحقيق أهدافها ورفع كفاءة أدائها، مشيرا إلى أن الاعتماد على هذه المؤشرات يعزز الشفافية والمساءلة ويربط الإنفاق الحكومي بالعائد الفعلي.
وأوضح أن الاتجاه نحو تطوير الكيانات الحكومية القائمة ورفع كفاءتها بدلا من الاعتماد الكامل على الهياكل أو المسارات الموازية يمثل تحولا فكريا وإداريا إيجابيا، ويتماشى مع مستهدفات رؤية مصر 2030 التي تضع بناء جهاز إداري كفء ومرن في صميم عملية التنمية المستدامة.
وشدد الخبير الاقتصادي على أهمية تعزيز ثلاثة مبادئ رئيسية لضمان نجاح مشروع بناء نموذج التشغيل المستهدف للدولة، أولها تعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات من خلال نشر مخرجات الدراسات والمقترحات الهيكلية بما يتيح للخبراء والأوساط الأكاديمية والمجتمع الاقتصادي المشاركة في الحوار ويعزز ثقة المستثمرين في مسار الإصلاح المؤسسي.
وأضاف أن المحور الثاني يتمثل في توسيع المشاركة المجتمعية والاستفادة من الخبرات الوطنية، من خلال إتاحة قنوات رسمية لتلقي أوراق السياسات والمقترحات من المتخصصين وأصحاب الخبرات العملية في تطوير النظم الإدارية والمؤسسية.
وأشار إلى أن المحور الثالث يتمثل في جعل المواطن محور عملية التقييم، مؤكدا أن الهدف النهائي لأي نموذج تشغيل متطور هو تحسين تجربة متلقي الخدمة الحكومية، وهو ما يتطلب إدماج آليات لقياس رضا المواطنين، من بينها تطبيق أسلوب" العميل السري" الذي يعتمد على تقييم جودة الخدمة وسرعة الإنجاز وكفاءة الأداء ورصد أوجه القصور لمعالجتها.
وأكد قداح أن الخبرات الدولية تشير إلى أن مشروعات الإصلاح المؤسسي الكبرى تحتاج إلى متابعة سياسية مستمرة لضمان إزالة المعوقات وتسريع تنفيذ القرارات وتوفير الدعم التشريعي اللازم، موضحا أن عقد لقاءات دورية على أعلى مستوى لمراجعة مؤشرات الإنجاز ومتابعة تقدم مشروع تطوير الجهاز الإداري من شأنه تعزيز فرص النجاح والحد من مقاومة التغيير البيروقراطي.
أكد أن الإصلاح الإداري يمثل الحلقة المكملة للإصلاحات الاقتصادية، وأن بناء نموذج تشغيل مستهدف للدولة ليس مجرد إعادة تنظيم للهياكل الحكومية، بل مشروع وطني لإعادة تصميم آليات العمل العام بهدف إنشاء جهاز إداري أكثر كفاءة وشفافية وقادرا على دعم الاستثمار وتحسين جودة الخدمات وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، مشددا على أن نجاح هذا المسار سيقاس بمدى قدرة الدولة على تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن والمستثمر على حد سواء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك