تحل، اليوم، ذكرى تنصيب محمد على باشا واليا عى مصر سنة 1805، وقد ترسخ له حكم مصر بعد سلسلة من المداولات والمناوشات مع خورشيد باشا حتى وصل لمبتغاه.
كتاب تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشرويذكر جرجي زيدان في كتاب تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر أن خورشيد باشا رأى محمد علي مستأثرًا بالنفوذ عليه بمن معه من الجند الألباني فخاف عاقبة ذلك فاستقدم جندًا (الدالاتية أو الدلاة) يكونون له عونًا وقت الحاجة، فأدرك محمد علي قصده فوقف له بالمرصاد، ثم جعل الدالاتية يسيئون معاملة أهل القاهرة، وينهبون ويقتلون اعتمادًا على نفوذ الباشا، فسئم أهل القاهرة منهم ولا سيما المشائخ والعلماء.
وبعد ثلاثة أيام سار المشائخ والعلماء جميعًا إلى محمد علي في منزله ينادون بصوت واحد: «لا نقبل خورشيد باشا واليًا علينا»، فقال: «ومن تريدون إذن؟ » قالوا: «لا نريد أحدًا سواك» فامتنع أولًا وجعل يرغبهم في خورشيد ويحملهم على الإذعان والسكينة، وهم لا يزدادون إلا إصرارًا على طلبهم، فوافقهم فأحضروا له الكرك والقفطان وألبسوه إياهما، وبعثوا إلى خورشيد أن ينزل من القلعة فأبى، فحاصروه فيها، وكتبوا إلى الباب العالي بذلك فورد الفرمان بولاية محمد علي في 11 ربيع آخر سنة 1220 هجرية الموافق 9 يوليو من عام 1805 وعزل خورشيد باشا، فخرج هذا من القلعة بأمر من الآستانة، وغادر البلاد وفي نفسه من الغيظ على محمد علي ما ليس وراءه غاية.
فلما علم خسرو بالهزيمة الثانية وجَّه لومًا إلى الألبانيين وخاصة إلى محمد علي، وأراد أن يحاكمه على تقصيره أمام مجلس عسكري، وكان غرضه بذلك اغتياله، فامتنع محمد علي عن الحضور، ومن هذا العهد ابتدأت بذور العداوة تنبت بين هذين الرجلين؛ تلك العداوة التي فتَّت في عضد الدولة ومزَّقت أحشاءها كلَّ ممزق.
كتاب تاريخ مصر من الفتح العثماني على قبيل الوقت الحاضرويذكر سليم حسن وعمر الإسكندري في كتاب تاريخ مصر من الفتح العثماني على قبيل الوقت الحاضر أنه لما عاثت جنود الأكراد الدلاة في الأرض فسادًا قام الأهالي في وجه خورشيد، وطلبوا من محمد علي أن يحميَهم ويكون الواليَ عليهم، فقبل ذلك وشنَّ الغارة على الوالي، فاعتصم هذا بالقلعة، ولما لم يجد له وسيلة يتخلص بها من محمد علي اجتهد في الحصول على عهد من الباب العالي بتنصيب محمد علي واليًا على جدة، فلم يلتفت محمد علي لهذا التنصيب، وحاصر خورشيد باشا في القلعة، وأطلق عليها المدافع إطلاقًا ذريعًا، وذلك في مايو سنة 1805وحينئذٍ اجتمع علماء البلد ووجهاؤها وأقاموا محمد علي واليًا على مصر، فقام إليه الشيخ الشرقاوي و«السيد عمر مكرم» نقيب الأشراف وألبساه «الكرك» إيذانًا بالولاية.
وكان في يد السيد عمر أمر العامة في جميع أنحاء مصر، لا يعصون له أمرًا؛ فأيد أمر محمد علي بنفوذه وجاهه أكثر من 4 سنين تأييدًا لم يقم به أحد مثله، وأرسل العلماء رسولًا إلى الباب العالي ليلتمس العفو عما فرط منهم في حق الوالي ويرجو اعتماد تنصيب محمد علي خلفًا له، فعلم السلطان من ذلك مقدار ميل الأهلين لمحمد علي، وأيقن أنه أصبح صاحب الكلمة العليا في مصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك