ما زالت فصول جديدة تُضاف إلى مسلسل نزوح أهالي جنوبي لبنان المتواصل منذ الثاني من مارس/ آذار 2026، لا بل منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وما قبل ذلك بعقود، في ظلّ اعتداءات إسرائيل المتكرّرة على البلاد.
وفي مشهد متكرّر، تشكّلت اليوم سريعاً، منذ ساعات الصباح الأولى، طوابير سيارات على الطريق الساحلي من جنوبي لبنان في اتّجاه بيروت، وذلك في نزوح قسري جماعي مستجدّ.
أتى ذلك بعد ليلة شهد فيها الجنوب قصفاً إسرائيلياً عنيفاً طاول بلدات وقرى عدّة، وخلّف 47 شهيداً و97 جريحاً، وفقاً لآخر بيانات مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة اللبنانية الصادرة اليوم الجمعة.
يُذكر أنّ المقاتلات الإسرائيلية استهدفت كذلك، خلال هذا اليوم، مناطق في قضاء بعلبك شرقي لبنان مخلّفةً شهداء وجرحى.
وبعد ظهر اليوم الجمعة، أُعلن عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، غير أنّ كثيرين يرون وجوب الحذر هذه المرّة، إذ لا يؤتمن الاحتلال، ولا سيّما أنّ جيشه نفّذ عدداً من الغارات بعد الإعلان مباشرة.
ورُصد مشهد النزوح الجماعي اليوم، الذي اختنقت فيه الطرقات الخارجة من البلدات والقرى الجنوبية بالسيارات المحمّلة بالفرش والحقائب، بعد أيام قليلة فقط من مشهد آخر راحت فيه طوابير مماثلة تتشكّل في الاتجاه المعاكس، الجنوب اللبناني، بعد الإعلان عن مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران تنصّ على إنهاء الحرب والعمليات العسكرية على كلّ الجبهات، جبهة لبنان من ضمنها.
ومنذ يوم الاثنين الماضي، فور الإعلان عن وقف مزعوم لإطلاق النار، حمل كثيرون من أهالي جنوبي لبنان النازحين متاعهم وانطلقوا عائدين إلى بلداتهم وقراهم.
هؤلاء لم ينصتوا حتى إلى قيادة الجيش اللبناني التي دعتهم إلى ضرورة التريّث في العودة، خشية المخاطر من جرّاء اعتداءات إسرائيلية محتملة.
وهكذا، لم يكد أهالي جنوبي لبنان ينعمون أخيراً بعودتهم إلى أرضهم، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من النزوح القسري، حتى هُجّروا مرّة أخرى.
هؤلاء كانوا قد بدأوا بإزالة الردم من أملاكهم وتنظيف منازلهم أو ما تبقّى منها، استعداداً لاستئناف يومياتهم في بلداتهم وقراهم.
لكنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي استهدفهم وهم نياماً، وارتكب مجازر إضافية بحقّ أهل الأرض، ولا سيّما في قرى قضاء النبطية.
وقد أجبر ذلك العائدين إلى النزوح جماعياً مرّة أخرى؛ فغادرت مئات العائلات منازلها مجدداً تحت وطأة الغارات الإسرائيلية المكثّفة، الأمر الذي يعكس كيف يمضي الاحتلال في خرق كلّ اتفاق ينصّ على وقف لإطلاق النار.
وأشارت وزارة الصحة العامة، اليوم، إلى أنّ الغارات المعادية المكثّفة التي شنّها جيش الاحتلال منذ ما بعد منتصف الليل، والتي استهدفت قرى عديدة، حالت دون إجلاء الجرحى في الحال.
أضافت في تقريرها اليوم أنّ الحصيلة التراكمية الاجمالية للعدوان الإسرائيلي على لبنان منذ الثاني من مارس/ آذار 2026 وحتى ظهر التاسع عشر من يونيو/ حزيران منه بلغت 3,980 شهيداً و12,001 جريح.
يخبر محمد فحص، من بلدة جبشيت في قضاء النبطية" العربي الجديد": " كنّا نياماً حين بدأ العدو الإسرائيلي غاراته"، مضيفاً" وكنّا قد عدنا إلى البلدة قبل يومَين، ووضعت النايلون على الأبواب والنوافذ (التي تحطّم زجاجها) ونظّفنا المنزل كي نستقرّ فيه"، ويتابع: " كنّا نظنّ أنّ النزوح السابق كان الأخير الذي تعرّضنا له"، غير أنّه لم يكن كذلك.
ونزح فحص مرّة أخرى مع عائلته، ويقول: " لم تعد لدينا القدرة على تحمّل تكاليف الحرب والنزوح.
حياتنا صارت مجرّد حقائب نزوح".
وكثيرون هم أهالي قضاء النبطية الذين، كما محمد فحص، استعجلوا العودة قبل أن يجدوا أنفسهم أمام نزوح مستجدّ بعد أيام قليلة فقط.
ويقول علي نعمة من بلدة حبوش التابعة للقضاء نفسه لـ" العربي الجديد": " غادرت صباح اليوم مع عائلتي، بعدما اشتدّ القصف على البلدة، وأدّت إحدى الغارات إلى سقوط تسعة جرحى فيها"، يضيف: " لم تعد لدينا القدرة على الحديث في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية التي تحاول منعنا من العودة إلى قرانا".
ويكمل نعمة، الذي قصد منزل أقارب له في بلدة الرميلة إلى الجنوب من بيروت" حتى تتّضح صورة الاتفاق المزعوم"، أنّ" لديّ ثلاثة أطفال وأفقد الأمل بالاستقرار في جنوب لبنان".
الاستقرار في جنوب لبنان صار وهماًفي مقابل أبناء بلدات وقرى جنوبي لبنان الذين عادوا رغم كلّ التحذيرات، ثمّة من اختار التريّث ولو مؤقتاً، وهؤلاء بدورهم وجدوا أنفسهم أمام خيبة إضافية، من بينهم بتول عز الدين من بلدة زوطر الشرقية في قضاء النبطية كذلك التي لم تتمكّن بعد من العودة.
تخبر عز الدين" العربي الجديد" أنّها توجّهت، أمس الخميس، إلى الصرفند في قضاء صيدا جنوبي لبنان، للإقامة لدى صديقتها، وأنّها جالت معها في قرى سهل الزهراني وصولاً إلى مشارف مدينة النبطية.
ولا تخفي عز الدين شعورها بأنّ" الاستقرار في الجنوب صار وهماً"، وهو ما تُرجم" عندما وجدنا أنفسنا اليوم، منذ الصباح، نعود أدراجنا إلى مسكن النزوح في مدينة صيدا"، وتتابع: " ثمّة شعور بالقهر والاحتراق النفسي نعيشه في كلّ مرّة تتجدّد فيها الضربات الإسرائيلية، ونُجبَر على النزوح من جديد".
من جهة أخرى، ثمّة جنوبيون اختاروا البقاء في المناطق التي عادوا إليها على الرغم من المخاطر، رافضين تكرار تجربة النزوح.
سارة قاسم واحدة من هؤلاء، وقد فضّلت ملازمة بلدة جباع في قضاء النبطية، على الرغم من الغارات الإسرائيلية.
وتقول لـ" العربي الجديد": " لقد تعبت من جمع الثياب وتوضيبها في حقائب"، مضيفةً أنّ" وضعنا النفسي صعب"، وتؤكد قاسم: " صحيح أنّ لديّ طفلاً، لا بدّ من حمايته، غير أنّني لن أغادر مرّة أخرى".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك