العربية نت - هيئة بحرية بريطانية: بلاغ عن حادث على بُعد 50 ميلا بحريا قبالة اليمن سكاي نيوز عربية - فرض حظر جوي فوق مقر المفاوضات الأميركية الإيرانية العربية نت - مشكلة غريبة في أندرويد 17 تضرب هواتف بيكسل CNN بالعربية - رئيس وزراء قطر: الاحتفال الحقيقي سيكون بالتوصل إلى اتفاق نهائي بين أمريكا وإيران الجزيرة نت - الجميع ينال من نتيناهو BBC عربي - عيد الأب: متى نحتفل به ولماذا؟ العربية نت - يضم السعودية .. اجتماع رباعي بالقاهرة يبحث جهود خفض التصعيد بالمنطقة CNN بالعربية - فانس من سويسرا: مستعدون لـ"تحول جذري" في العلاقات مع إيران الجزيرة نت - هل اخترقت طائرة إيرانية أجواء إسرائيل؟ فيديو يشعل موجة تفاعل فرانس 24 - جي دي فانس: سنرى إلى أي مدى يمكننا تحقيق المزيد في هذه المباحثات
عامة

كيف تفنّد تجربة إقليم كوردستان سردية الانقسام في الشرق الأوسط؟

رووداو عربية
رووداو عربية منذ 1 ساعة
1

كاتبا المقال: سعد سلوم وفارس عيسىتخضع منطقة الشرق الأوسط تاريخيا لديناميكيات جيوسياسية وصراعات مستمرة، أسفرت على مر العصور عن تفكك كيانات سياسية واختفاء مجتمعات وثقافات بأكملها، تحول بعضها إلى مجرد ...

كاتبا المقال: سعد سلوم وفارس عيسىتخضع منطقة الشرق الأوسط تاريخيا لديناميكيات جيوسياسية وصراعات مستمرة، أسفرت على مر العصور عن تفكك كيانات سياسية واختفاء مجتمعات وثقافات بأكملها، تحول بعضها إلى مجرد شواهد أثرية أو مدونات تاريخية مغلقة.

وفي هذا السياق، يناقش المؤرخ الأرمني" سڤرستيان" في كتابه" الكورد وكوردستان" آليات اندثار الهويات وانصهار الأقوام نتيجة العجز عن مواجهة الغزوات ومشاريع المحو الثقافي.

غير أن المسار التاريخي للشعب الكوردي قدم نموذجاً مغايراً لهذه الحتميات، إذ حافظ المجتمع الكوردي على استمراريته وتماسكه البنيوي، متمسكا بخصوصيته اللغوية والثقافية رغم توالي الأزمات والحروب ومحاولات الطمس الممنهج عبر القرون.

هندسة الإنكار وفخ الشوفينيةوقد واجهت هذه القدرة على الاستمرارية اختباراً بنيوياً حاسماً في أعقاب الحرب العالمية الأولى، مع إعادة هندسة الخارطة السياسية للمنطقة بناءً على مصالح القوى الدولية آنذاك، فحين جرى رسم حدود سياسية جديدة تجاهلت الخصوصيات التاريخية والروابط القومية لشعوب المنطقة، تعرضت الجغرافيا الكوردية للتجزئة بين دول متعددة، مما حال دون نيل الكورد لحق تقرير المصير.

ومع ذلك، فإن عقود الإقصاء والإنكار السياسي اللاحقة لم تؤدِ إلى ذوبان الهوية الكوردية، بل تشكلت من رحمها حركة مجتمعية وسياسية مستمرة تؤكد فاعليتها كعنصر أساسي في توازنات المنطقة، وتطرح قضيتها كمسألة عدالة واعتراف لا تتأثر بمرور الزمن.

ولم تقتصر هذه الاستمرارية الكوردية على البعد الديمغرافي أو الجغرافي فحسب، بل استندت بالدرجة الأولى إلى أداء سياسي تميز بالقدرة على تجنب الانزلاق نحو" الشوفينية المضادة" أو كراهية الآخر، وهي الفخاخ التي تعثرت فيها العديد من حركات التحرر عبر التاريخ.

فحين واجه المجتمع الكوردي آلة الإنكار الجيوسياسي، لم تتحول المظلومية لديه إلى أداة لإنتاج عنصرية مقابلة، بل نجحت الأدبيات السياسية للقيادة الكوردية في الفصل البنيوي بين ممارسات الأنظمة الديكتاتورية المستبدة، وبين الهوية القومية للشعوب التي تتقاسم معها الجغرافيا والتاريخ، وفي مقدمتها الشعب العربي.

وعند وضع هذا السلوك في ميزان التحليل المقارن، تتضح معالم التجربة الكوردية بشكل أدق، فعلى المستوى الإقليمي، نجد أن العديد من الانتفاضات وحركات النضال المعاصرة عجزت عن ضبط توازناتها الفكرية، فانزلقت سريعاً نحو صراعات هوياتية مدمرة، كما حدث في نماذج الحروب الأهلية بالمنطقة مثل النموذج اللبناني عام 1975، حيث جرى عسكرة الهويات الفرعية وتحول الصراع من كفاح ضد السلطة السياسية إلى استهداف للمجتمعات على الهوية، مخلفاً شروخاً بنيوية عميقة.

وعلى المستوى الدولي، يقدم نموذج تفكك يوغوسلافيا في التسعينيات خلال حرب البلقان مثالاً آخر للمأزق ذاته، فحين ثارت القوميات ضد المركزية في بلغراد، تحول النضال سريعا إلى عمليات تطهير عرقي ومجازر متبادلة بين الصرب والبوسنيين والكروات، نتيجة العجز الفكري والسياسي عن التمييز بين سياسات النظام الحاكم وبين وجود المجتمع الجار وسكينته.

تفكيك الانقسام وعقلانية الثورةوهنا، نجد في تكامل رؤيتنا (بين التحليل الأكاديمي والخبرة السياسية) كصوتين عراقيين، عربي وكوردي، منطلقاً معرفياً مشتركاً يتيح لنا صياغة فرضية رئيسية مفادها أن حتمية الانقسام والتفتت الهوياتي في الشرق الأوسط ليست قدراً جيوسياسياً محتوماً، بل هي ظاهرة يمكن تفكيكها من خلال العقلانية السياسية ومأسسة التعددية.

وتتيح هذه الفرضية إمكانية الاختبار العلمي عبر منهج التحليل المقارن، وذلك برصد مستويات السلم الأهلي ومؤشرات إدماج الأقليات والنازحين في بيئة مؤسساتية وقانونية مرنة كبيئة إقليم كوردستان، ومقارنتها كمّاً وكيفاً بالنماذج الإقليمية والدولية المأزومة التي انزلقت نحو الاحتراب والعدالة الإقصائية.

وفي مقابل الأطر السياسية القائمة على ثقافة الانتقام، قدمت الأطروحة الكوردية مؤشرات مبكرة على الاتزان العقلاني إبان ثورة أيلول بين عامي 1961 و1975 بقيادة ملا مصطفى البارزاني، فرغم شدة العمليات العسكرية التي وجهتها الحكومات المركزية المتعاقبة ضد القرى والمدن الكوردية، حافظت الخطابات السياسية للحركة على طابعها المقيد، ورفضت تحويل المواجهة مع السلطة إلى صراع عربي كوردي.

وتُرجم هذا التوجه النظري إلى مواقف عملية في محطات تاريخية حرجة، إذ التزمت قيادة الثورة بإيقاف العمليات العسكرية تماماً خلال الحروب العربية الإسرائيلية، مفسحة المجال أمام الجيش العراقي للتحرك دون تشتيت لجهوده، مما عكس رؤية استراتيجية كانت ترى في استقرار الدولة وعمقها الأمني ضرورة موضوعية، وأن الخصومة مع النظام السياسي لا تبرر إضعاف الكيان العام للبلاد أمام التهديدات الخارجية.

كما انعكس هذا المنظور في تحول معاقل الحركة الكوردية في الجبال إلى بيئة آمنة استقطبت المئات من المعارضين السياسيين، والمثقفين، واليساريين، والضباط الأحرار الذين واجهوا ملاحقات الأجهزة الأمنية في بغداد، حيث لم تكن المفاضلة هنا قائمة على الانتماء القومي، بل على التموضع المشترك ضد الديكتاتورية، مما يمثل ركيزة بنيوية في أدبيات حركات التحرر، شرعنت القضية الكوردية كقضية عدالة سياسية وإنسانية شاملة، بدلاً من تصنيفها كنزعة انفصالية أو صدام عرقي ضيق.

منعطف 1991 وميزان العدالة الانتقاليةوشكلت انتفاضة آذار عام 1991 المنعطف الأبرز في سياق اختبار آليات التسامح والعدالة الانتقالية على أرض الواقع، ففي أعقاب الانهيار الأمني الشامل للأجهزة المركزية والتحول المفصلي في إدارة الإقليم، وقع الآلاف من منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق في قبضة قوات البيشمركة.

وكان من بين هؤلاء عناصر ووحدات عسكرية ارتبطت أسماؤها مباشرة بعمليات عسكرية قاسية ضد المجتمع الكوردي، وفي مقدمتها حملات الأنفال وعمليات القصف الكيميائي في حلبجة وتدمير القرى والتهجير القسري.

وفي تلك اللحظة الحرجة التي تتوفر فيها عادة كل المبررات النفسية والتاريخية لردود الفعل الانتقامية والعدالة الثأرية، جرى تبني خيار سياسي مغاير استند إلى بعد نظر استراتيجي ومسؤولية عامة، حيث أعلن الرئيس مسعود بارزاني نهجاً سياسياً قائماً على تجنب مرارات الماضي وفتح صفحة جديدة، تجسد في الشعار الإجرائي" عفا الله عما سلف"، والذي تحول إلى حجر زاوية في صياغة العقيدة السياسية والأمنية للإقليم الناشئ.

وبموجب هذا القرار، تم تأمين سلامة آلاف الجنود والضباط الأسرى، وتوفير ممرات آمنة لضمان عودتهم إلى مناطقهم وعائلاتهم في وسط وجنوب العراق دون تعرضهم للتصفيات الجسدية، أو الملاحقات الانتقامية، أو التشهير.

وتتضح القيمة النوعية والواقعية لعفو عام 1991 عند وضعه في سياق دراسة مقارنة مع نماذج معاصرة، فعقب سقوط الأنظمة في موجات الربيع العربي، كما في النموذج الليبي على سبيل المثال، أدى غياب رؤية استراتيجية واضحة للمصالحة والعدالة الانتقالية إلى انفلات عمليات انتقام واسعة ومحاكمات صورية خارج إطار القانون، واستهداف جماعات ومدن بأكملها بتهمة الولاء السابق، مما أدخل تلك البلدان في دوامات فوضى واحتراب أهلي مستمر.

وبالمثل، عند مقارنة عفو 1991 بآليات" اجتثاث البعث" التي طُبقت في العراق بعد عام 2003، يتضح الفارق البنيوي، إذ واجهت الأخيرة تحديات معقدة في التطبيق ولّدت تداعيات سياسية واجتماعية أثرت على النسيج المجتمعي، في حين مثل عفو 1991 أداة مبكرة للاستيعاب والدمج الوطني حمت السلم الأهلي.

وحتى عند العودة إلى تجربة الحرب الأهلية اللبنانية الممتدة بين عامي 1975 و1990، فإن العفو العام الذي أُقر بموجب اتفاق الطائف جاء مشروطاً ومشوهاً، وتحول عملياً إلى عفو عن الجرائم مع إغفال حقوق الضحايا، مما أدى إلى إعادة إنتاج أمراء الحرب في السلطة وتكريس الانقسام الطائفي في بنية الدولة بدلاً من معالجته.

في المقابل، برز عفو 1991 في كوردستان كقرار صادر عن الطرف المنتصر ميدانيا، لم يستهدف تدوير الصفقات السياسية الضيقة، بل ركز على حقن الدماء وإعادة دمج الأفراد في مجتمعاتهم دون شروط إقصائية أو مساس بالكرامة الإنسانية.

إن هذا السلوك السياسي قد سبق من الناحية الزمنية لجان الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا، والتي تأسست عام 1995 بقيادة نيلسون مانديلا والأسقف ديزموند توتو لتجاوز إرث الفصل العنصري (الأبارتايد)، وبذلك قدمت تجربة إقليم كوردستان دليلاً عملياً على أن آليات العدالة الانتقالية الناجحة وبناء السلم الأهلي يمكن أن ينبثقا من إرادة سياسية محلية وموروث قيمي مجتمعي، دون الارتهان لنظريات أو إملاءات خارجية فوقية.

إدارة التنوع كأداة للاستقرار المستدامومن منظور العلوم السياسية، يمكن أن تساهم هذه التجربة الإجرائية في تفكيك الأزمات البنيوية للدولة العراقية ككل، إذ تقدم نموذجاً إرشادياً ومختبراً عملياً للسياسات العامة والعدالة الانتقالية يمكن لصانع القرار في بغداد الاستلهام منه لإعادة تقييم وهيكلة مسارات المصالحة الوطنية.

ففي الوقت الذي أنتجت فيه القوانين والقرارات ذات الطابع الإقصائي بعد عام 2003 أزمات سياسية واجتماعية، يقدم عفو عام 1991 وقانون المكونات لعام 2015 في الإقليم دليلاً واقعياً على أن الإدماج المؤسساتي وحماية الهويات الفرعية ضمن إطار قانوني مرن هما الضامن الأساسي لاستقرار الكيان العام ووحدته، وليس مهدداً لهما.

وبذلك تحول التسامح في الإقليم إلى بنية قانونية ومؤسساتية تقدم بديلاً لسياسات التهميش أو الصهر الثقافي التي عانت منها الأقليات في البيئات الإقليمية المأزومة.

ويبرز هذا التحول الجوهري في وثيقتين رئيسيتين هما المادة (9) من مسودة دستور إقليم كوردستان، وقانون حقوق المكونات رقم (5) لعام 2015، حيث نقلت هذه التشريعات قيم التعايش من حيز النوايا والخطابات السياسية إلى حيز الإلزام الدستوري والقانوني، موفرةً أطراً واضحة لحماية اللغات، ونظام الكوتا البرلمانية، والحقوق الثقافية والسياسية والإدارية لكافة المكونات.

وفي الوقت الذي شهدت فيه المناطق المجاورة موجات من التطرف العنيف التي أدت إلى استهداف وجودي وهجرات جماعية قسرية للمكونات التاريخية، شكّل الإقليم بيئة مستقرة كفلت ممارسة الحقوق والشعائر بحرية وأمان.

وتجلت هذه المأسسة في أبعادها الإنسانية والعملية من خلال استيعاب مئات الآلاف من النازحين والمهجرين قسراً من مختلف المحافظات العراقية الذين فروا من النزاعات الطائفية والهجمات الإرهابية، دون تمييز على أساس العرق أو المذهب.

إن تحول الإقليم إلى واحة أمان وملاذ لاستيعاب مئات الآلاف من النازحين والمهجرين من وسط وجنوب العراق إبان الأزمات الأمنية، لم يكن مجرد جهد إنساني، بل هو إعادة تعريف للدور الوظيفي للإقليم كـ" شبكة أمان مجتمعية" للدولة العراقية بأكملها.

هذا الاستيعاب المرن يثبت أن قوة واستقرار كوردستان يمثلان عمقاً استراتيجياً وحصناً خلفياً لتعافي بغداد وبقية المحافظات في لحظات المحن الكبرى، وليس العكس.

وقد تُرجم هذا التراكم التاريخي من أدبيات النضال وفلسفة التسامح إلى نموذج اجتماعي وسياسي قائم على التعددية والشراكة الدستورية بدلاً من الهيمنة الأحادية، ففي العلوم السياسية المعاصرة، لم يعد استقرار الكيانات السياسية يُقاس بالقدرة القسرية على فرض لون واحد أو صياغة هوية صلبة تذيب المكونات الأخرى، بل بمدى مرونة الفضاء التشريعي والمؤسساتي في استيعاب التنوع وتحويله إلى مصدر قوة وازدهار مستدام، وبذلك يتحول استيعاب التنوع من هوس أمني بالانفصال إلى أداة لتعزيز الشراكة وبناء الاستقرار المستدام.

وختاماً، يمكن للعراقيين التعلّم من تجربة الإقليم أن الانتقال من" سياسات الهيمنة الأحادية" إلى" مأسسة التعددية والشراكة الدستورية" هو المخرج الوحيد من دوامة عدم الاستقرار السياسي، فالاستقرار الذي حققه الإقليم كان نتاج فضاء تشريعي مرن يضمن الكوتا وحقوق اللغات والتعليم السرياني والتركماني، وهو ما يلهم الدولة العراقية لتطوير مفهوم" المواطنة الشاملة الشجاعة" التي تعترف بالخصوصيات دون تفتيت الدولة.

وبناءً على ما تقدم، تطرح تجربة إقليم كوردستان في ظل بيئة دولية وإقليمية تتسم بالانقسامات الهوياتية والأيديولوجية نموذجاً لإنقاذ المجتمعات التعددية، مفاده أن الاستقرار المستدام لا يتحقق عبر الانغلاق أو الإقصاء، بل من خلال سياسات الاعتراف المتبادل والمواطنة الشاملة، وهي شهادة عملية تسلط الضوء على أن مأسسة التعددية وإدارة التنوع عقلانياً تمثل الممر الآمن لصياغة مستقبل مستقر وازدهار بنيوي في منطقة مثقلة بالنزاعات التاريخية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك