الجزائر- “القدس العربي”: لا تخلو حملة الانتخابات التشريعية الجارية هذه الأيام في الجزائر، من تصريحات كاريكاتورية ومشاهد عفوية ترافق لقاءات السياسيين بالمواطنين في الميدان.
لكن هذه الأحداث تقابل بجدل واسع وتفاعل متباين؛ إذ يراها البعض من “ملح” الانتخابات التي تكسر رتابة الخطاب السياسي التقليدي، فيما يعتبرها آخرون انزلاقا نحو الشعبوية وإبعادا للنقاش عن القضايا المنتظرة من البرلمان المقبل.
ومنذ بدء الحملة الانتخابية للتشريعيات، تحولت عدة مواقف وتصريحات وأحداث إلى مادة دسمة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تجاوز صداها أحيانا مضمون النشاطات الحزبية نفسها، لتصبح محور النقاش والجدل.
ومن بين أكثر ما أثار التفاعل مؤخرا، المشهد الذي رافق زيارة الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي منذر بودن إلى ولاية الجلفة، والذي يظهر شابا ينحني أثناء مصافحته، ما دفع عددا من المتابعين إلى الاعتقاد بأنه كان بصدد تقبيل يده.
وسرعان ما انتشرت تعليقات غاضبة اعتبرت أن “تقبيل الأيادي” سلوك مرفوض ولا ينسجم مع الثقافة السياسية والاجتماعية الجزائرية.
وذهب بعض المعلقين إلى اعتبار المشهد رمزا لعلاقة غير صحية بين السياسيين والمواطنين، فيما تساءل آخرون عن سبب عدم تدارك منذ بودن الموقف بشكل فوري لمنع الشاب من القيام بهذه الحركة.
غير أن الرواية التي انتشرت في البداية فنّدها الشاب المعني بفيديو توضيحي أكد فيه أنه لم يكن يحاول تقبيل يد المسؤول الحزبي، بل انحنى لالتقاط نظارته الشمسية التي سقطت أثناء المصافحة.
كما ذكر مسؤولون محليون في الحزب أن المشهد فُسر بطريقة خاطئة، موضحين أن التدافع عند مدخل قاعة المسرح الجهوي أدى إلى سقوط النظارات وأن الشاب انحنى بشكل عفوي لاسترجاعها.
وبين الروايتين، استمر الجدل على المنصات الرقمية، حيث رأى البعض أن التوضيح أغلق الملف، بينما اعتبر آخرون أن انتشار المشهد بهذه السرعة يعكس حالة الاستقطاب السياسي التي تجعل أي لقطة قابلة لتأويلات متناقضة، خاصة في هذا السياق الانتخابي الذي يسعى فيه الخصوم إلى تسجيل نقاط على منافسيهم.
ولم يكن منذر بودن وهو أكثر سياسيي الموالاة نشاطا في الفترة الأخيرة، بعيدا عن الجدل في مناسبة أخرى، وهذه المرة بسبب تصريحاته المتعلقة بقيمة العملة الوطنية مقارنة باليورو.
ففي إحدى خرجاته الميدانية، تحدث عن القدرة الشرائية للدينار داخل السوق الجزائرية، معتبرا أن مبلغ 3000 دينار يمكن أن يوفر للمواطن مشتريات تفوق ما يمكن الحصول عليه مقابل 50 يورو.
وأثارت هذه المقارنة موجة واسعة من النقاش.
فمنتقدو التصريح رأوا أنه يتجاهل الفوارق الاقتصادية الحقيقية بين العملات ومستويات الدخل، كما اعتبروا أن المقارنة بين الدينار واليورو لا يمكن اختزالها في أسعار بعض المنتجات داخل الأسواق المحلية.
وذهب بعضهم إلى اتهام السياسيين باللجوء إلى خطاب عاطفي يركز على الرمزية الوطنية أكثر من المعطيات الاقتصادية.
في المقابل، دافع أنصار بودن عنه، مؤكدين أن الرجل كان يتحدث عن القدرة الشرائية داخل الجزائر وليس عن سعر الصرف أو القوة المالية للعملات في الأسواق العالمية.
كما أشاروا إلى أنه عاد لاحقا ليؤكد أن تفضيله للدينار نابع من قناعته الشخصية واعتزازه بكل ما هو جزائري، مضيفا أن من لا يقتنع بطرحه يبقى حرا في خياراته الانتخابية.
وأعاد هذا التشبيه إلى الأذهان تصريحات سابقة لرئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة، قال فيها إن من يتقاضى 40 ألف دينار جزائري (نحو 250 يورو) أحسن ممن يتقاضى 5 آلاف فرنك سويسري، معتبرا أن الاستفادة من الدعم الاجتماعي والخدمات المجانية تجعل بعض أصحاب الدخل المتوسط في الجزائر في وضع أفضل من نظرائهم في دول مرتفعة التكاليف.
بن قرينة نفسه وهو من أكثر السياسيين إثارة للجدل، عاد ليتصدر النقاش خلال الحملة الحالية بسبب تصريح آخر أثار سيلا من التعليقات.
فخلال ندوة صحافية تحدث فيها عن وضعه الصحي، أعلن أنه سيتوجه إلى الخارج للعلاج، موضحا أن قرر ذلك “حتى لا يزاحم الجزائريين في المستشفيات”، وأنه سيقصد طبيبا جزائريا متخصصا يملك خبرة نادرة.
ورغم أن بن قرينة قدم تصريحه في سياق الحديث عن حالته الصحية، فإن العبارة سرعان ما انتشرت بشكل واسع وأثارت ردود فعل متباينة.
فقد اعتبر منتقدون أن الحديث عن العلاج في الخارج يتناقض مع الخطابات السياسية التي تشيد في كثير من الأحيان بالخدمات العمومية داخل البلاد.
وتداول ناشطون تعليقات ساخرة ربطت بين هذا التصريح ومواقف سابقة للرجل حول ظروف المعيشة والخدمات الاجتماعية في الجزائر.
وذهب بعض المعلقين إلى القول إن المسؤولين والسياسيين غالبا ما يلجأون إلى الخارج عندما يتعلق الأمر بالصحة أو الدراسة، رغم إشادتهم المتكررة بالإمكانات الوطنية.
في المقابل، دافع أنصار بن قرينة عنه، معتبرين أن تصريحه تعرض لاجتزاء من سياقه، وأنه كان يتحدث عن طبيب جزائري مختص يمارس بالخارج وليس عن رفض للعلاج داخل الوطن.
كما رأى آخرون أن الرجل معروف بأسلوبه المباشر والعفوي الذي يجعله عرضة للتأويلات والجدل أكثر من غيره.
ولا تعد هذه المرة الأولى التي تثير فيها تصريحات بن قرينة ردود فعل واسعة.
فقد ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بعدد من العبارات غير المألوفة التي تحولت إلى مادة للنقاش والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، أشهرها دعوته لشركة دواء لإنتاج “الفياغرا السياسية” من أجل تنشيط الحياة السياسية في البلاد، وهو ما يجعل حضوره الإعلامي محل متابعة مستمرة سواء من قبل المؤيدين أو المعارضين.
وتكشف هذه الحوادث والتصريحات، على اختلاف طبيعتها، عن الدور المتزايد الذي تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل النقاش السياسي خلال الحملات الانتخابية، خاصة أن سرعة تداول المحتوى تجعل السياسيين أمام تدقيق دائم في كل حركة أو تصريح.
كما لا يستبعد البعض أن السياسيين في استراتيجياتهم التواصلية باتوا يتعمدون أحيانا الخروج عن النص لركوب موجة الترند في البلاد، من أجل استقطاب الجماهير لخطاباتهم لكسر ظاهرة عدم الاهتمام بالسياسة في البلاد.
لكن هذا الأسلوب قد تكون أهدافه عكسية ويساهم أكثر في التنفير ونزع المصداقية عن الخطاب السياسي، وفق رؤية آخرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك