السبحة ليست مجرد حباتٍ تُنظَم في خيط، ولا قطعةً تُحمَل في اليد ثم تُوضَع، بل هي عند كثير من المحبين رفيقةُ خلواتهم، وأنيسةُ أسفارهم، وصاحبةُ لحظات الصفاء التي يهربون فيها من صخب الدنيا إلى ذكر الله تعالى.
ومن عجيب أمرها أن الإنسان قد يتعلق بشيء لا لقيمته المادية، ولكن لما ارتبط به من معانٍ ومشاعر؛ فالسبحة التي شهدت دموع التوبة، ورافقت صاحبها في السحر، وسمعت همسات الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ليست كأي شيء آخر؛ إنها تحمل ذكرياتٍ إيمانية، ولذلك يحن إليها القلب كما يحن إلى الأماكن التي شهدت أجمل أيامه.
وفي أدب المحبة، ليست السبحة هي المقصودة لذاتها، وإنما المقصود ما وراءها؛ فالمحب لا يعشق الخرز، وإنما يعشق الذكر الذي يجري عليها، ويأنس بالوقت الذي يقضيه معها، حتى تصبح في يده كالكتاب في يد العالم، أو القلم في يد الكاتب، أو المصحف في حضن القارئ.
ولذلك تجد بعض الناس إذا غابت سبحته شعر أن شيئًا من الأنس قد غاب معه، لا لأن البركة محصورة فيها، ولكن لأنها أصبحت علامةً على حضور القلب، ومفتاحًا لعاداته الطيبة، ومذكرًا دائمًا بالله سبحانه، والنفس البشرية تتعلق بما يعينها على الخير، كما تتعلق بما يذكرها بمن تحب.
وللسُّبحات حنينٌ يعرفه أهل الذكر؛ فكم من سبحةٍ دارت عليها آلاف التسبيحات، ومئات الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم، واستغفارات لا يعلم عددها إلا الله، وربما ورث الابن سبحة أبيه أو شيخه، فيجد فيها عبقًا من الذكريات، وكأنها تحكي قصة عمرٍ قضاه صاحبها بين «سبحان الله»، و«الحمد لله»، و«لا إله إلا الله»، و«الله أكبر».
ومن لطيف المعاني أن السبحة تشبه حال المؤمن نفسه؛ حباتٌ متفرقة يجمعها خيط واحد، كما تجمع الطاعاتُ المتنوعة قلبَ العبد على محبة الله، فإذا انقطع الخيط تفرقت الحبات، وإذا انقطع ذكر الله عن القلب تفرقت همومه وشهواته، وضاع عنه سكينته.
لكن أجمل ما في السبحة أنها ليست غاية، وإنما هي وسيلة؛ فهي لا توصل العبد إلى رب العالمين بذاتها، وإنما بما يفيض على القلب عند استعمالها من ذكرٍ واستغفارٍ وصلاةٍ على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالواصل إلى الله ليس من حمل السبحة، وإنما من عمر قلبه بمعانيها، حتى صار لسانه رطبًا بذكر الله، وقلبه متعلقًا بمولاه.
ولهذا فإن التعلق بالسبحة عند أهل المحبة حالةٌ من حالات الأنس بالطاعة، وشكلٌ من أشكال الحنين إلى الذكر، ما دام القلب يعلم أن الفضل لله، وأن المقصود الأعظم هو المذكور سبحانه، لا وسيلة الذكر.
فيا لها من رفيقةٍ صامتة، لا تتكلم، ولكنها تذكِّر، ولا تنصح، ولكنها تعين، ولا تملك لنفسها شيئًا، ولكن الله يجعلها سببًا لأن يفرَّ العبد من ضيق الدنيا إلى سعة: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، «اللهم صَلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آلِهِ عَدَدَ كَمَالِ اللهِ وكما يَلِيقُ بِكَمَالِهِ».
وما أجمل أن ينام المرء وسبحته إلى جواره، لا لأنها خشبٌ أو عقيقٌ أو كهرمان؛ بل لأنها شهدت لحظاتٍ كان القلب فيها أقرب ما يكون إلى رب العالمين؛ فالمحبون لا يقدسون الأشياء، ولكنهم يوقرون الذكريات التي صنعتها الطاعات، ويحبون كل ما كان سببًا في مزيد القرب من الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك