شكّل «المهر» أو الختم الشخصي على مدى قرون إحدى أبرز أدوات التوثيق المرتبطة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية في مكة المكرمة، إذ لم يكن مجرد وسيلة لإثبات الملكية أو اعتماد الوثائق، بل رمزاً للثقة وحفظ الحقوق، وعلامةً مميزة ارتبطت بأسماء التجار وأصحاب الحِرف في مدينة عُرفت منذ القدم بحراكها التجاري المتصل بمواسم الحج والعمرة.
وفي مكة المكرمة التي شكّلت محطةً رئيسية للقوافل التجارية ومركزاً اقتصادياً نشطاً عبر العصور، كان «المهر» حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ استُخدم في توثيق عقود البيع والشراء والشراكات التجارية، واعتماد الإيصالات والمراسلات والمستندات المالية، ليكون بمنزلة توقيع شخصي يمنح الوثيقة مصداقيتها ويعكس هوية صاحبها.
وأوضح المختص برعاية مقتنيات متحف الجموم ماجد السهلي أن «المهر» يُصنع غالباً من النحاس على هيئة خاتم، مشيراً إلى أن صرف أجور العمال والمعاملات المالية قديماً كان مرتبطاً بوجوده.
وبيّن السهلي أن اسم صاحب المهر كان يُنقش كاملاً بالمقلوب باستخدام أدوات حادة، بحيث يظهر الاسم صحيحاً عند ختم الوثيقة، لافتاً إلى أن الأختام كانت تُصنع من مواد متعددة، منها النحاس والفضة والأحجار والعقيق، لتتحول مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية والاقتصادية لأهالي مكة.
وأشار إلى أن استخدام «المهر» كان منتشراً في مختلف مناطق المملكة، قبل أن يبدأ بالاندثار في أواخر تسعينيات القرن الماضي مع ظهور الأختام المطاطية والبلاستيكية والخشبية.
وتحتفظ متاحف مكة المكرمة حتى اليوم بما يتراوح بين 300 و400 مهر قديم، تمثّل حقباً زمنية مختلفة.
ومع التحول الرقمي وتوسّع استخدام التوقيع الإلكتروني والوثائق الرقمية، لا تزال الأختام التقليدية تحتفظ بقيمتها التاريخية والتراثية، بوصفها شاهداً على مرحلة مهمة من تطور وسائل التوثيق وحفظ الحقوق، وذاكرةً مادية تختزن ملامح النشاط التجاري والاجتماعي الذي شهدته مكة المكرمة، وارتبط بحركة الحجاج والمعتمرين والأسواق التي نشأت في رحاب المسجد الحرام.
وتبقى هذه الأختام القديمة، رغم تغيّر أدوات التوثيق، شاهداً على حقبة كان فيها «المهر» عنواناً للثقة والالتزام، وواحداً من الملامح الحضارية التي تعكس عمق التاريخ التجاري والاجتماعي للعاصمة المقدسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك